"Responsible Statecraft": كيف تستخدم الإمارات و"مجاهدي خلق" الذكاء الاصطناعي لنشر الدعاية؟

تستخدم جماعات موالية للولايات المتحدة الأميركية تقنيات الذكاء الاصطناعي لمكافحة الاتهمامات بارتكاب جرائم حرب، ولتأجيج التوترات بالخارج.

0:00
  • مريم رجوي، زعيمة منظمة "مجاهدي خلق"

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر تقريراً استقصائياً يتناول توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات التضليل الإعلامي والتأثير السياسي والحروب المعلوماتية، كاشفاً كيف تستخدم جهات سياسية ودول، بعضها حليف للولايات المتحدة، أدوات مثل "تشات جي بي تي" و"كلود" لإنشاء حسابات وهمية، وانتحال شخصيات حقيقية، والتلاعب بالرأي العام، وتوجيه السرديات السياسية لخدمة مصالحها.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية بتصرف:

في مكانٍ ما داخل إيران، كانت شبكة من الناشطين تتبادل الرسائل بشأن السياسة والأخبار مع ناشط يُلقّب بـ"بارسا"، عبر تطبيق المراسلة "تلغرام". ولم يكن هؤلاء يعلمون أنّهم كانوا في الواقع يتحدثون إلى وكيل ذكاء اصطناعي انتحل أسلوب الناشط الحقيقي، بعدما دُرّب على 8400 منشور حقيقي له على "تلغرام".

وبدلاً من التواصل مع "بارسا"، كانوا يتواصلون فعلياً مع منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية (MEK)، وهي جماعة معارضة إيرانية.

ووفقاً لتقرير أصدرته شركة "أنثروبيك" الشهر الماضي، نفّذ هذه العملية 4 أشخاص يعملون لصالح منظمة "مجاهدي خلق". وقد طوّروا وكيل ذكاء اصطناعي أطلقوا عليه اسم "فيكتور" (Viktor)، تولّى أيضاً مراقبة أفراد داخل إيران، وإغراق منصات التواصل الاجتماعي بمحتوى مؤيد للمنظمة تحت غطاء جهات "مستقلة".

ويسلّط تقرير "أنثروبيك" الضوء على الكيفية التي يستخدم بها فاعلون أجانب، بصورة متزايدة، أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل "كلود" و"تشات جي بي تي"، في عمليات التأثير التي ينفّذونها. فوكلاء الذكاء الاصطناعي، مثل "فيكتور"، هم أنظمة برمجية تعمل بواسطة نماذج لغوية كبيرة، وتستطيع أداء المهام بصورة مستقلة. وتبدو كثير من الأنشطة الواردة في التقرير، مثل إعداد التقارير وإنشاء المحتوى وجمع المعلومات، أشبه بأعمال اعتيادية يستخدم ملايين الأميركيين "كلود" و"تشات جي بي تي" لإنجازها.

ولعلّ المفاجأة الأكبر في التقرير تكمن في مدى تبنّي الجماعات والشركاء المتحالفين مع الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير التي ينفّذونها.

فعلى سبيل المثال، تحظى منظمة "مجاهدي خلق" بدعم ملحوظ في الكونغرس الأميركي. ففي العام الماضي، شارك 230 عضواً في مجلس النواب في رعاية قرار يحثّ الولايات المتحدة على دعم خطة المنظمة بشأن إيران. ويُعدّ مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، ونائب الرئيس السابق مايك بنس، ورئيس بلدية نيويورك السابق رودي جولياني، من بين عدد من السياسيين الجمهوريين البارزين الذين ألقوا كلمات في تجمّعات منظمة "مجاهدي خلق"، وغالباً ما كان ذلك مقابل أتعاب مالية كبيرة.

ويضمّ أحد الحسابات التي يديرها "فيكتور" المرتبط بمنظمة "مجاهدي خلق"، وهو حساب @Tehranchekhabar19، أكثر من 170 ألف متابع على "إنستغرام". ويقدّم الحساب نفسه بوصفه حساباً إخبارياً مستقلاً، بينما ينشر محتوى يدعم مواقف المنظمة، مثل مقاطع فيديو تروّج للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وتهاجم رضا بهلوي، ولي عهد إيران السابق، الذي يقود فصيلاً معارضاً منافساً. وتحصد مقاطع الفيديو المنشورة على هذا الحساب أحياناً مئات آلاف المشاهدات. كما أنشأ "فيكتور" حسابات أخرى على "إنستغرام"، يتابع بعضها مئات الآلاف من الأشخاص، ويبدو أنّ بعض هذه الحسابات أُغلق منذ ذلك الحين.

وكانت منظمة "مجاهدي خلق"، التي أدرجتها الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية حتى عام 2012، أكثر نشاطاً على "تلغرام"، في محاولة لتجنيد أشخاص داخل إيران بصورة سرية لدعم أجندتها. ووفقاً لشركة "أنثروبيك"، تسلّل "فيكتور" إلى أكثر من 500 مجموعة على "تلغرام"، ثم "صنّف هؤلاء المستهدفين بحسب المدينة والعمر والمهنة والتوجّه السياسي، على الأرجح لمساعدتهم في تكييف رسائلهم بما يتناسب مع الفئات المستهدفة".

وأوضح كريغ هولمان، مسؤول الضغط في الشؤون الحكومية لدى منظمة "بابليك سيتيزن" (Public Citizen)، في رسالة إلكترونية إلى موقع "ريسبونسبل ستيتكرافت"، أنّ ذلك يمثّل نوعاً جديداً من أساليب التأثير.

وقال: "إنّ هذه الروايات عن استخدام حكومات أجنبية الذكاء الاصطناعي للتلاعب بآراء الهيئات التشريعية والجمهور تستند إلى المصدر الأساسي للخداع باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو تصوير شخص أو جهة حقيقية، على نحو زائف، وكأنّها فعلت أو قالت شيئاً لم تفعله أو تقله قط".

وتكشف دراسة الحالة هذه، إلى جانب حالات أخرى وردت في تقارير مماثلة، أنّ جهات أجنبية تتخذ خطوات ملموسة لإضافة الذكاء الاصطناعي إلى ترسانتها من الأدوات المستخدمة في كسب حروب المعلومات.

ووجد تقرير "أوبن إيه آي" الأخير أيضاً أنّ روسيا نجحت في إنشاء مركز أبحاث وهمي والسيطرة عليه، تحت اسم "مركز البحوث الاجتماعية" (Social Research Center)، كان يضمّ موظفين حقيقيين يعملون على الأرض في أميركا اللاتينية، من دون أن يدركوا أنّهم يعملون لصالح روسيا.

واستخدم المشغّلون الروس "تشات جي بي تي" لإنشاء المحتوى وصياغة التقارير الداخلية. وفي الوقت نفسه، أجرى الموظفون، الذين لم يكونوا على علم بحقيقة الجهة التي يعملون لحسابها، مقابلات فعلية مع خبراء، ونشروا أوراقاً بحثية تناول معظمها العلاقات بين الهند وأميركا اللاتينية.

وعلى الرغم من تعليق حساب "مركز البحوث الاجتماعية" على منصة "إكس"، فإنّ الموقع الإلكتروني للمؤسسة ظلّ نشطاً حتى وقت نشر المقال. وقد نشر المركز بياناً رفض فيه اتهامات "أوبن إيه آي"، واصفاً إيّاها بأنّها "غير صحيحة من الناحية الواقعية، وتشكّل محاولة متعمّدة لتشويه سمعة مشروع بحثي مستقل".

"ديدشوت" الإماراتي

وكشفت دراسة حالة أخرى كيف أنّ أحد أقرب شركاء واشنطن في "الشرق الأوسط" يتبنّى الذكاء الاصطناعي لتبرئة نفسه من دوره في حرب أهلية دامية.

حيث أنشأ مسؤولون إماراتيون وكيل ذكاء اصطناعي خاصاً بهم على منصة "كلود"، أطلقوا عليه اسم "ديدشوت" (Deadshot)، وأوكلوا إليه مهمة بالغة الصعوبة تتمثّل في تبييض صورة دور الإمارات في الحرب الأهلية السودانية.

وقد وُجّهت اتهامات موثوقة إلى قوات "الدعم السريع"، وهي جماعة شبه عسكرية سودانية مدعومة من الإمارات، بارتكاب أعمال تطهير عرقي وعنف جنسي. وكانت بعثة دولية لتقصّي الحقائق تابعة للأمم المتحدة قالت إنّ أفعال قوات "الدعم السريع" ضد المجتمعات غير العربية في إقليم دارفور السوداني تحمل "سمات الإبادة الجماعية".

وباشر وكيل الذكاء الاصطناعي العمل للحفاظ على سمعة الإمارات، مستهدفاً الأمم المتحدة على وجه الخصوص.

ووفقاً لتقرير "أنثروبيك"، انتحل "ديدشوت" هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان، وكتب شهادات لتقديمها إلى الأمم المتحدة باسم آخرين، أملاً في التأثير في المنظمة الدولية من خلال "شهود محليين مستقلين، بدلاً من الرسائل الصادرة عن الدولة".

ويقدّم تقرير "أنثروبيك" روايات متضاربة بشأن نجاح هذه المحاولة. ففي موضع منه، يشير إلى أنّه لم يتمكّن من التأكّد ممّا إذا كانت الشهادة قد وصلت إلى الجمهور المستهدف، في حين يصف ملخّص ورد في موضع آخر من التقرير الشهادة بأنّها "قُدّمت خلال جلسة مباشرة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة". ولم تردّ شركة "أنثروبيك" على طلب للتعليق.

وجمع "ديدشوت" أيضاً معلومات عن منتقدي الإمارات، وأعدّ "ملفات مضادة للمساءلة" بشأن مقرّرين خاصين تابعين للأمم المتحدة سبق أن انتقدوا دور الإمارات في السودان.

كما نفّذت الإمارات حملة إعلامية أوسع نطاقاً، تركّزت بصورة أساسية على منصة "إكس". وأنشأ "ديدشوت" وأدار شبكة تضمّ نحو 300 حساب غير أصيل على وسائل التواصل الاجتماعي، نشرت محتوى يحمّل جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية الحرب الأهلية السودانية، علماً أنّ الجماعة تدعم القوات المسلحة السودانية في مواجهتها مع قوات "الدعم السريع".

وغالباً ما تتضمّن المنشورات نفسها نداءات إنسانية، تصرف اللوم عن قوات "الدعم السريع" وتوجّهه نحو جماعة الإخوان المسلمين السودانية، التي صنّفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية في وقت سابق من هذا العام.

وجاء في أحد المنشورات على منصة "إكس"، نشره مستخدم يتابعه 27 ألف شخص، وتقول "أنثروبيك" إنّه كان جزءاً من الحملة المنسّقة: "كلّما طال أمد الحرب في السودان، تفاقمت أزمة المجاعة. ويشير محلّلون إلى أنّ عناصر إسلامية متشدّدة تدعم استمرار المواجهة العسكرية بدلاً من التوصّل إلى تسويات عبر التفاوض".

وفي منشور آخر على "إكس"، نشره مستخدم يتابعه 119 ألف شخص، جاء أنّ دور جماعة الإخوان المسلمين السودانية في الصراع "يجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة بكثير".

ووفقاً للتقرير، أصدر مشغّل النظام تعليمات إلى "كلود" مئات المرّات لتنفيذ "عملية منسّقة عابرة للأطلسي وإقليمية لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.