Counter Punch: "الجبهة الثامنة".. كيف تخطط "إسرائيل" لاحتلال العقل الأميركي؟

إذا ما خدع عقل ما يظن أنه يعرف العدو مسبقاً، فلن تستطيع أي حقيقة أو ظلم زعزعته. هذا ما تأمل الجبهة الثامنة لـ"إسرائيل" تحقيقه، وهو ليس إقناع الناس بالحقيقة، بل تلقينهم الكراهية.

0:00
  • Counter Punch:
    جانب من الاحتجاجات التي شهدتها واشنطن دعماً لفلسطين وتنديداً بجرائم "إسرائيل" (الفرنسية)

ما هي الجبهة الثامنة بالنسبة إلى "إسرائيل"؟ وما السياسة التي ينتهجها الكيان الإسرائيلي في هذه الحرب؟ وما هي أدواتها؟ وإلى من تتوجه؟

موقع Counter Punch يجيب.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

في آخر شهر من العام الماضي، التقى بنيامين نتنياهو في ولاية فلوريدا قادة مسيحيين صهيونيين إنجيليين ورؤساء جامعات، قال لهم إن "إسرائيل" كانت تخوض "حرباً على 7 جبهات"، ثم أضاف جبهة أخرى هي معركة "كسب القلوب والعقول في الغرب"، وخصوصاً بين الشباب، وقبل كل شيء، في الولايات المتحدة.

قبل نحو عامين كتبت عن كيف تطبع وسائل الإعلام الغربية الإبادة الجماعية الإسرائيلية، لا بالصمت عنها، بل بتلطيف اللغة والمصطلحات المبهمة التي تؤدي الغرض وتصور حروب "إسرائيل" ضد الفلسطينيين في غزة وشعب لبنان على أنها حرب ضد "حماس" أو "حزب الله"، وتستخدم كلمة "اشتباكات" بدلاً من "مجازر"، لتخدير الجمهور تدريجياً، وتحويل تركيزه من الطفل تحت الأنقاض إلى الجغرافيا السياسية التي تخفيه، من خلال هذه المفردات غير المحايدة مطلقاً، بل هي المسودة الأولى للرواية التي احتاجتها "إسرائيل" لتخدير الضمير الإنساني العالمي وإدامة لامبالاته.

لطالما عملت وسائل الإعلام خلف الأبواب المغلقة، في غرف التحرير، حيث كان عدد قليل من المتحكمين يقررون ما يجب أن يراه الجمهور من عدمه، لكن الوضع تغير الآن، فقد كسرت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الاحتكار. ومع سيطرة الإعلام الشعبي، أصبح بإمكاننا رؤية مراهق فلسطيني في بث مباشرة من غزة، أو آخر يكشف عصابات الشباب الصهيونية في الضفة الغربية، أو ممرضة تصور داخل مستشفى، أو أب يسجل بكاء طفله تحت الأنقاض. لم يعد المتحكمون هم العدسة الوحيدة التي يرى العالم من خلالها، وهذا الواقع الإعلامي الجديد يرعب نتنياهو، ويهدد احتكار الصهاينة للسردية.

اليوم، لم يعد المتحكمون هم العدسة الوحيدة التي يرى العالم من خلالها، وهذا الواقع الإعلامي الجديد يرعب نتنياهو، ويهدد احتكار الصهاينة للسردية.

لقد أدى التحول في كيفية انتشار الأخبار العاجلة بنتنياهو إلى فتح "الجبهة الثامنة"، وهي معركة تخاض في الجامعات الأميركية والكنائس ووسائل الإعلام لإعادة تشكيل نظرة الأميركيين إلى "إسرائيل" وحروبها. وعلى عكس جبهات "إسرائيل" السبع الدامية، تخاض هذه الجبهة بالأموال، فقد أنفقت "إسرائيل" أكثر من مليار دولار عليها منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفي هذا العام وحده، ضاعفت القدس ميزانيتها للدبلوماسية العامة 4 أضعاف لتصل إلى 730 مليون دولار، بينما عبر وزير الخارجية جدعون ساعر عن ذلك بوضوح، وقال إنه يجب التعامل مع الإنفاق على الصورة "كما لو كان استثماراً في الطائرات والقنابل والصواريخ الاعتراضية"، والحكومة الآن تخصص ميزانية للدعاية بالطريقة ذاتها التي تخصص بها ميزانية للذخائر.

خلال لقائه مع شخصيات أميركية مؤثرة، وصف نتنياهو وسائل التواصل الاجتماعي بأنها "السلاح الأهم" في معركة "إسرائيل". هذا رئيس حكومة أجنبية يسيطر عملياً، عبر جماعات الضغط التابعة له، على الكونغرس والبيت الأبيض، ويضع استراتيجية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام الأميركي.

"مشروع إستير"

اسم هذه الأعمال الإسرائيلية الدعائية هو "مشروع إستير"، حيث استعانت الحكومة الإسرائيلية بما بين 14 و18 شخصية مؤثرة أميركية، جندتهم شركة "بريدغز بارتنرز" المسجلة في ولاية ديلاوير، ووجهتها عبر شركة العلاقات العامة العملاقة "هافاس" لنشر محتويات مؤيدة لـ"إسرائيل" بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي، بمعدل 25 إلى 30 مرة شهرياً. ولم يفصح أي من هؤلاء المؤثرين لمتابعيه عن كون جهة أجنبية هي من وظفته، وهذا انتهاك صارخ لروح ونص قانون الإفصاح الفيدرالي.

وإلى جانب "مشروع إستير"، وقعت شركة "كلوك تاور إكس"، التي يديرها براد بارسكيل، مدير حملة ترامب الانتخابية السابق، عقداً بقيمة 1.5 مليون دولار شهرياً، تضمن لـ"إسرائيل" ما لا يقل عن 50 مليون مشاهدة و5000 منشور شهرياً، 80% منها موجهة مباشرة إلى جيل زد، الفئة الأقل تأثراً بالدعاية الإسرائيلية، ولذلك تنفق "إسرائيل" عليها أكبر قدر من المال لكسب تأييدها.

خلال لقائه مع شخصيات أميركية مؤثرة، وصف نتنياهو وسائل التواصل الاجتماعي بأنها "السلاح الأهم" في معركة "إسرائيل".

ثمة مواقع إلكترونية تابعة لشركة "كلوك تاور إكس" مثل "باكس بوينت و"أليفيا" و"جوستوريوم"، تستخدم تزود روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالسردية الإسرائيلية المعدة مسبقاً، بحيث تصبح الأجوبة "المحايدة" مغلفة بشكل مزيف في عملية تبييض للرواية الإسرائيلية على نطاق واسع، بينما معظم الأميركيين الذين يسألون روبوت الدردشة لا يدركون أنه عميل للدعاية الصهيونية.

جانب آخر من "الجبهة الثامنة" لنتنياهو هو تزييف الأخبار برعاية بن شابيرو، إذ ساهمت صحيفة "ذا ديلي واير"، التي تحولت من موقع إخباري إلى مصنع للخيال، في إعادة صياغة حروب "إسرائيل" كمعارك مفتعلة بين المسيحيين والمسلمين.

فيلمه الجديد، "اركض، اختبئ، قاتل الكفار"، هو الذراع الخيالية للجبهة الثامنة، حيث يمزج بين احتجاجات الحرم الجامعي المؤيدة لفلسطين وصور تنظيم "داعش"، وهو يستولي على جامعة أميركية، في إنتاج دعائي مقنع بالترفيه، يهدف إلى تطبيع الكراهية ضد المسلمين كجزء من الأخبار والمسرحيات الأميركية.

المفارقة الفاقعة توضح مكنونها، إذ إن مؤيدي "إسرائيل" التي تبرر وجودها بالذاكرة الجماعية للاضطهاد الديني، يجند الآن جيشاً من كارهي الإسلام ينشرون الكراهية ضد دين آخر. واللغة التي كانت تستخدم لتصوير اليهود كتهديد وجودي من قبل، يعاد استخدامها من قبل من يفترض أنهم يهود لتصوير المسلمين كتهديد جديد، من خلال أشخاص يمولون أجهزة إعلامية لتشويه صورة المسلمين.

مع ذلك، ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" في ربيع العام الماضي، كان لدى 60% من الأميركيين نظرة سلبية تجاه "إسرائيل". ولتغيير هذه النظرة، يدفع رئيس وزراء أجنبي 7000 دولار للمؤثرين مقابل كل منشور، ويستحوذ سراً على معارف الذكاء الاصطناعي. إن نسبة الـ 60% ليست مشكلة ناتجة من الرسائل الإعلامية، بل هي حكم جمهور فطن إلى زيف الدعاية الإسرائيلية. 

وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" في ربيع العام الماضي، كان لدى 60% من الأميركيين نظرة سلبية تجاه "إسرائيل"

لا تنفق "إسرائيل" الأموال للتوعية، بل للتلاعب بالناس وتضليلهم. الحقيقة إن تركت وشأنها، هي ألد أعداء "إسرائيل". وعندما يتعذر دحر الحقيقة، فإن السبيل الوحيد للسيطرة على العقول هو تضليل الناس بالكراهية، حيث يصور طفل فلسطيني مقتول على أنه "درع بشرية"، ويحول مكان عبادة إلى "تهديد للشريعة".

لا تستطيع "إسرائيل" قمع الحقيقة إلا بتحويل المواطنين إلى رهائن لتعصبها الذي زرعته فيهم. التعصب لا يحتاج إلى دليل، بل إلى عدو. فإذا ما خدع عقل ما يظن أنه يعرف العدو مسبقاً، فلن تستطيع أي حقيقة أو ظلم زعزعته. هذا ما تأمل الجبهة الثامنة لـ"إسرائيل" تحقيقه، وهو ليس إقناع الناس بالحقيقة، بل تلقينهم الكراهية.

نقله إلى العربية: حسين قطايا