"نيويورك تايمز": سياسة ترامب لا تضع "أميركا أولاً"، بل "أنا أولاً"

لو كانت أميركا شركة بالفعل، لكان مجلس إدارتها قد رد على سلوك مثل سلوك ترامب بالإعلان عن "تدخله" مع المدير التنفيذي. لكن لسوء الحظ، فإن مجلس إدارة أميركا، أي الكونغرس الأميركي ذا الأغلبية الجمهورية، قد حُيّد تماماً.

0:00
  • "نيويورك تايمز": سياسة ترامب لا تضع "أميركا أولاً"، بل "أنا أولاً"

يكتب توماس فريدمان، الكاتب والسياسي الأميركي المرموق، مقالاً في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، يتناول فيه سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصعيد العالمي، وكيف بات سلوكه يهدد علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها في أوروبا، ويعزو ذلك إلى أن ترامب لا يهتم إلا بذاته.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

لم أؤمن قط بنظريات المؤامرة حول دونالد ترامب وروسيا. لم يخطر ببالي قط أنَّه عميل روسي، أو أن فلاديمير بوتين يملك نفوذاً مالياً عليه، أو أنَّه يملك تسجيلات جنسية لابتزازه. ولطالما اعتقدت أنَّ الأمر أسوأ من ذلك بكثير. فترامب في قرارة نفسه، لا يشارك قيم أي رئيس أميركي آخر منذ الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بدور أميركا في العالم.

ولطالما اعتقدت أنَّ ترامب لديه مجموعة قيم مشوهة تماماً لا تستند إلى أي من ميثاقنا التأسيسي، وتنحو ببساطة باتجاه أي زعيم قوي، بغض النظر عما يفعله بتلك القوة، وأي زعيم غني أيضاً يمكنه بالتالي إثراء ترامب، بغض النظر عما يفعله الزعيم بتلك الأموال أو كيف حصل عليها، وأي زعيم يكيل الإطراء له بغض النظر عن مدى زيف ذلك الإطراء.

وطالما أنَّ بوتين كان يستوفي جميع تلك الشروط أكثر من الزعيم الديمقراطي لأوكرانيا، عامله ترامب كصديق، ولتذهب المصالح والقيم الأميركية إلى الجحيم. كما لم يبذل بوتين أي جهد يُذكر ليجعل من ترامب أداة طيعة في يده.

لكل هذه الأسباب، يُعدّ ترامب الرئيس الأقلّ وطنية في تاريخنا. كان ذلك واضحاً منذ اليوم الذي هاجم فيه ترامب السيناتور جون ماكين، بطل الحرب الأميركي الحقيقي والوطني، لمجرد إسقاط طائرته في المعركة وأسره. لا يوجد أي أميركي أعرفه يُدين ماكين، الذي أُسر لأكثر من 5 سنوات في معسكر اعتقال فيتنامي شمالي بعد رفضه الإفراج المبكر.

لقد أدى أسلوب إدارته هذا إلى إعلان 6 شركات إفلاسها. وللأسف، أصبحنا جميعاً اليوم مساهمين لديه، وأخشى أن يُفلسنا أخلاقياً كأمة بالتأكيد، إن لم يكن مالياً وسياسياً في المستقبل، فقد أصبح سلوك ترامب متهوراً للغاية، ومنغمساً في ذاته، ومتعارضاً بشكل واضح مع المصالح الأميركية، كما حددها "الجمهوريون" منذ فترة طويلة، ناهيك عن "الديمقراطيين"، لدرجة أنَّه يجب طرح السؤال، هل يحكم أميركا الآن ملك مجنون؟

أي رئيس أميركي كان سيكتب الرسالة التي أرسلها ترامب إلى رئيس وزراء النرويج، جوناس غار ستور، يوم الأحد، مدعياً ​​أنَّ أحد أسباب سعيه لضم غرينلاند هو عدم منحه جائزة نوبل للسلام؟ كتب ترامب، "بما أنَّ بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام التفكير في السلام فقط، مع أنَّه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة الأميركية.

اقرأ هذه الكلمات بتمعن. إنها لا تصدح بـ "أميركا أولاً"، بل تصرخ "أنا أولاً، أنا، دونالد ترامب، مستعد للاستيلاء على غرينلاند، حتى لو كان ذلك على حساب تفكيك حلف الناتو الذي يبلغ عمره قرابة 77 عاماً، لأن لجنة نوبل لم تمنحني جائزة السلام العام الماضي"، متجاهلاً حقيقة أنًّ الحكومة النرويجية لا تسيطر على منح الجائزة. قد يكون من المفهوم أن يقول ترامب إنه مستعد لتفكيك حلف "الناتو" بسبب مبدأ جيوسياسي يمسّ أمن الشعب الأميركي.

لا أستطيع تخيّل ماهية هذا المبدأ، لكن يمكنني على الأقل تصوّر الاحتمال. أما ما لا يمكن تصوّره بالنسبة لي فهو رئيس أميركي مهووس بالفوز بجائزة نوبل للسلام لإشباع غروره والتفوّق على سلفه، وكذلك على باراك أوباما الذي فاز بالجائزة عام 2009، لدرجة أنَّه مستعدٌ لتدمير حلف "الناتو" بأكمله ونظامه التجاري مع أوروبا لأنًّه لم يفهم أهميته.

أحاول أن أتخيل مشهداً حيث أملى ترامب تلك المذكرة على أحد مساعديه، من دون خجل، وقام ذلك الشخص بإرسالها إلى النرويجيين على الأرجح من دون أن يوقفها أحد في التسلسل الهرمي للبيت الأبيض، ومن دون أن يقول أحد: "سيدي الرئيس، هل أنت مجنون؟ لا يمكنك أن تضع طموحك الشخصي لجائزة نوبل فوق حلف شمال الأطلسي بأكمله".

لكن ترامب يستطيع فعل ذلك، لأنه من الواضح أنه لا يولي قيمة تذكر أو لا يولي أي قيمة للدماء والأموال والطاقة التي ضحت بها أجيال من الجنود والدبلوماسيين والرؤساء الأميركيين قبله من أجل بناء تلك الشراكة الدائمة مع شركائنا الأوروبيين.

ولتوضيح الأمر بأسلوب يفهمه ترامب، لو كانت أميركا شركة، لقلت إنَّ جيلاً من العمال والمديرين والمستثمرين الأميركيين بنوا أنجح وأكثر الشركات ربحية وتأثيراً في تاريخ العالم، حلف "الناتو"، الذي انبثق من رماد الحرب العالمية الثانية، باستثمار ضئيل نسبياً في أوروبا ما بعد الحرب، والمعروف بخطة مارشال، أنشأنا شريكاً تجارياً قوياً أسهم في جعل أميركا وأوروبا أكثر ثراءً من أي وقت مضى.

كما ساعدنا على تحويل أوروبا من قارة اشتهرت بالحروب القومية والعرقية والدينية إلى أكبر مركز للأسواق الحرة والشعوب الحرة وسيادة القانون في العالم، كما منحنا حليفاً ديمقراطياً قوياً للمساعدة على استقرار العالم واحتواء روسيا على مدى 3 أرباع القرن الماضي.

صحيح أن أوروبا تواجه تحديات جسيمة، من الهجرة غير المنضبطة إلى الإفراط في التنظيم وصولاً إلى صعود أحزاب اليمين المتطرف. ونعم، غالباً ما يكون رد فعلها متردداً. ونعم، هناك مخاوف أمنية مشروعة في القطب الشمالي. لكن أجيالاً من رجال الدولة والرؤساء الأميركيين أدركوا الأهمية القصوى للاتفاق الأميركي الأوروبي، ولم يفكروا قط في التضحية به من أجل السيادة على غرينلاند.

لو كانت أميركا شركة بالفعل، لكان مجلس إدارتها قد رد على سلوك مثل سلوك ترامب بالإعلان عن "تدخله" مع المدير التنفيذي. لكن لسوء الحظ، فإن مجلس إدارة أميركا، أي الكونغرس الأميركي ذا الأغلبية الجمهورية، قد حُيّد تماماً. والآن، نحن الشعب، نحن المساهمين، على وشك أن نتحمل العبء المالي.

وفي غضون ذلك، لا يصدق منافسو أميركا حظهم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أدركت كل من روسيا والصين مسألةً بالغة الأهمية لم يدركها ترامب، وهي الميزة التنافسية لأميركا. فبينما لم يكن لدى روسيا والصين سوى حلفاء يمكنهما إجبارهم على الانضمام إليهما في أي منافسة جيوسياسية أو اقتصادية مع الولايات المتحدة، كانت أميركا تمتلك سلاحاً سرياً واضحاً للعيان، حلفاء يشاركونها قيمها ومستعدون للقيام بأمور صعبة، مثل إرسال جنودهم للقتال والموت في حروبها في العراق وأفغانستان. ومن بين هؤلاء الحلفاء الدنمارك، التي تتمتع بالسيادة على جزيرة غرينلاند.

كانت روسيا والصين تحلمان بأن يحدث يوماً ما يُفقد أميركا حلفاءها ويؤدي إلى تفكك حلف "الناتو". فبدون حلفاء اقتصاديين، لن تتمكن أميركا من الحفاظ على نفوذها في المفاوضات التجارية مع الصين، ومن دون قوتها العسكرية، سيجد حلف "الناتو" صعوبة بالغة في منع روسيا من استعادة أجزاء من وسط وشرق أوروبا التي فقدتها بعد سقوط جدار برلين.

نقلها إلى العربية: حسين قطايا.