صدق نتنياهو؛ لن يبقى حال إيران على ما كان عليه
الحرب التي أطلقها ترامب، وظهرت بصورة اضطرابات داخلية في المدن الإيرانية، فشلت بذكاء القادة الإيرانيين ووحدة الشعب الإيراني خلف نظامه الإسلامي.
-
خروج إيران منتصرة من هذه المواجهة الخبيثة يرسي قواعد اشتباك جديدة في صالحها.
دخلت إيران مرحلة نهوض جديدة في مواجهة الحرب الهجينة التي يشنها الغرب عليها طوال خمسة عقود، عندما نجحت فرقها الهندسية في احتواء أخبث حرب شنها التحالف الأميركي- الإسرائيلي عليها في عمق أراضيها، إذ أجهضت ذروة الهجوم لحظة فتح نظام Starlink داخل إيران، وحوّلته إلى كمين عكسي، مع اقتدار أجهزتها الأمنية في كبح جماح عمليات التخريب، ليعلن ترامب تراجعه الحاد عن وعوده، زاعماً أنه أقنع نفسه بوقف الهجوم العسكري على إيران.
يصدق وعد نتنياهو أنه لا يمكن لكائن من كان أن يتنبأ بما سيحصل في إيران، ولكنه بحسب تأكيده لن يبقى حالها على ما كان عليه قبل الاضطرابات الداخلية، وهو يقصد عمليات التخريب الداخلية التي نفذها عملاء أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية، والذين بات أكثرهم في قبضة الأمن الإيراني، ونتنياهو يقصد بالطبع أن نظام الجمهورية الإسلامية دخل مرحلة الانكفاء بما يمنع قدرته على الاستقرار، فضلاً عن التأثير خارج حدوده باعتباره ظهير محور المقاومة الممتد من طهران وصنعاء حتى غزة وبيروت.
يدرك نتنياهو وغيره من المتربصين بإيران ونظامها الإسلامي الثوري، أن المواجهة مع إيران دخلت مفترق طرق تجاوز المد والجزر نحو الحسم النهائي، وهو حسم يبدو في غير صالح أطماعه وخططه مع ظهيره الأميركي ترامب، ما يرجح أن إيران عبرت مفترق الطرق هذا بثبات واقتدار، بما يغيّر موقعها السياسي ضمن معادلة الصبر الاستراتيجي باتجاه الحسم الاستراتيجي بعيداً عن شكل هذا الحسم، هجوماً أو دفاعاً، وهو واقع في ميدانه العسكري لا محالة، وفي كل أحواله هو حسم لمعركة الاندفاع الإسرائيلي -الأميركي عقب السابع من أكتوبر، حسم يفرمل هذا الاندفاع بما يضع حداً للوحشية الإسرائيلية لتنشغل سنوات قادمة في لعق جراحها خلف جدرانها الداخلية بضجيج يقض مضاجع ليالي "تل أبيب".
لا يخفى على كل ذي عقل أن الحرب التي أطلقها ترامب وحليفه نتنياهو منذ بداية هذا العام، وظهرت بصورة اضطرابات داخلية في شوارع مشهد وأصفهان وعدد من المدن الإيرانية، فشلت بذكاء القادة الإيرانيين ووحدة الشعب الإيراني خلف نظامه الإسلامي، وأن هذا الفشل أربك مخطط الهجوم الأميركي العسكري ضد إيران، ما يجعل هذا الفشل قاعدة لتحليل التطورات القادمة من جهة، ومن جهة أخرى، يفتح آفاقاً لأهداف إيرانية إضافية في الشباك الإسرائيلي -الأميركي- الغربي، ويعود ذلك للأسباب الآتية:
أولاً: خطورة عمليات القتل والتخريب التي أطلقتها أجهزة المخابرات الإسرائيلية -الأميركية داخل إيران، والتي ذهب ضحيتها المئات وربما الآلاف من الأبرياء عبر القتل من مسافة صفر، أو من خلال حرق المساجد والمراكز العلمية والطبية.
ثانياً: نجاح الدولة وأجهزتها المختلفة في العزل بين المحتجين على هبوط العملة الإيرانية بسبب الحصار الأميركي الظالم، وبين عمليات التخريب المبرمجة، وهو ما تسبب بوحدة الجماهير في الشوارع خلف الدولة الإيرانية بنظامها الإسلامي، ما يشير إلى مستوى التشابك والالتحام بين القطاعات الشعبية والرسمية، وهو مؤشر على صعوبة إسقاط النظام باعتباره كياناً منصهراً في شتى مناحي الحياة، وليس مجرد قيادة سياسية- أمنية تجلس في برج عاجي.
ثالثاً: تبيّن مدى تطور القدرات الهندسية التقنية للشباب الإيراني، إذ إن إيران تُخرّج نحو 234 ألف مهندس سنوياً، ويبدو أنه تولدت أجيال من المهندسين الإيرانيين باتت قادرة على التصدي لفخر الصناعة الأميركية في الحرب السيبرانية Starlink، وعند مقارنة ذلك مع الكيان الإسرائيلي الذي يخرج 7 آلاف مهندس، ومع حساب عدد السكان، يكون هناك 2700 مهندس إيراني لكل مليون، فيما لا يتجاوز الكيان نسبة 740 مهندساً لكل مليون.
رابعاً: صراحة تعثر الخطط الأميركية -الإسرائيلية في الحرب على إيران، ومحاولة اللوبي الإعلامي التابع لهما، بما فيه الإعلام العربي الكسيح، إظهار التعثر تارة بسبب مواقف عربية وإسلامية رافضة للحرب، وتارة بسبب عدم جاهزية الكيان، وتارة أخرى، بسبب مساعدة روسية أو صينية، وتارة بتحذيرات عسكرية أميركية طارئة بهذا الخصوص، في محاولة مفضوحة لتجنب الاعتراف بحقيقة النجاح الإيراني في حركة كش ملك في يوم واحد، حيث توقفت الاضطرابات في وقت واحد مع حجب نظام Starlink في الوقت ذاته.
خامساً: التحشيد العسكري الأميركي باتجاه الشرق الأوسط، بعد الفشل المدوي داخل إيران، مثل حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln وقطعها المرافقة تم توجيهها من بحر الصين الجنوبي، ونقل طائرات F-15E من قواعد في أوروبا، وهناك مؤشرات على توجيه المزيد من السفن الحربية والقطع البحرية، وهو ما ظهر في بيانات عن حركة النقل البحري الأميركي نحو المنطقة، إضافة إلى تحركات مكثفة لطائرات النقل العسكري الأميركي مثل C-17 Globemaster و KC-135/KC-46، وتم تركيب دبابات M1 Abrams وآليات قتالية ثقيلة حيث تم إنزالها في نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية في المنطقة، كما دخل عدد من المدمّرات الأميركية القادرة على إطلاق الصواريخ مياه المنطقة.
ويؤكد هذا التحشيد بعد فشل عمليات التخريب، مستوى الإرباك الأميركي، فهو يهدف إلى نقل المعركة من طور التخريب الداخلي والألاعيب الخبيثة، إلى شكل الصراع التقليدي العسكري، إضافة إلى احتواء ردود الفعل الإيرانية وطمأنة الكيان وحمايته، بانتظار انجلاء غبار المعركة داخل إيران نحو خيارات أخرى بات ترامب وحليفه نتنياهو مضطرين لها، باعتبار خططهم لخريطة جديدة للشرق الأوسط ليس فيها معترض على مشروع "إسرائيل الكبرى".
إن خروج إيران منتصرة من هذه المواجهة الخبيثة، مع صمودها السابق في حرب حزيران الماضي الدموية، يرسي قواعد اشتباك جديدة في صالحها، ربما تدفع أعداءها للدخول في مواجهات غير محسوبة العواقب، خصوصاً أن العالم يتأرجح تحت تقلبات ترامب ومزاجيته، وهو يصرح بكل وقاحة أن الله فخور بسياساته، وبات العالم بلا قواعد دولية محترمة، بحسب ما أشار الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي دعا إلى الاستثمار الصيني في أوروبا، ما يعزز تهور ترامب تجاه حرمان الصين من النفط الرخيص في إيران.
والأهم أنه لم يعد أمام نتنياهو وقت إضافي لينفذ مشروعه التوسعي ما دامت إيران ثابتة على مشروعها الإسلامي الداعم للقضية الفلسطينية، في وقت ينظر نتنياهو إلى نفسه باعتباره "ملك إسرائيل العظيم"، وأمامه استحقاق انتخابات حاسمة في أكتوبر وربما حزيران بعد أشهر قليلة، فكيف وهو لم يحسم الصراع مع قاعدة محور المقاومة الأساسية، ولم ينجح في نزع سلاح حزب الله فضلاً عن نزع سلاح غزة، وما زالت صنعاء بقواتها المسلحة تضع يدها على الزناد، فيما هو يزعم أنه غيّر وجه الشرق الأوسط بمجرد اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله على أهمية ذلك بطبيعة الحال.
غد إيران الذي يراه نتنياهو هو ما يطمح إليه ويتمناه منذ عام 1996، وهو لا ينفك ينبح منذ ذلك الوقت محذراً من الخطر الإيراني، من خلال دعم قوى المقاومة، وكان هذا الخطر قبل زعامة نتنياهو الأخيرة للكيان، ولكنه في عهده الأخير بات يدك قلب الكيان ومراكز قوته وجبروته الأمني والعسكري بالصواريخ العابرة لكل منظوماته الدفاعية، فهل هذا هو وجه الشرق الأوسط الجديد الذي خلّفته سياسات نتنياهو وظهيره النرجسي ترامب؟