"فايننشال تايمز": مجد الهيمنة الأميركية مهدد
مجد الهيمنة الأميركية بات مهدداً، وهو ما أشار إليه مؤخراً الرئيس الصيني مطلع مايو/أيار، فقد لمح بشكلٍ صريح إلى "فخ ثوسيديدس". ما الذي قصده؟
-
فايننشال تايمز: مجد الهيمنة الأميركية مهدد
صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر مقالاً يتحدث عن التهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة الأميركية بفعل سياساتها الحالية. ما أبرز الدلائل على تراجع هيمنتها على العالم؟
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
المفردات قوة. في كل مرة أستخدم فيها كلمة "هيمن" في حديث، أرى حواجب المستمعين ترتفع وكأنهم يقولون: "ما الذي يعرفه هذا الشخص ولا أعرفه؟".
وأجد نفسي اليوم أستخدم مصطلح "الهيمنة" بشكل متزايد عند النظر إلى الولايات المتحدة والمخاطر التي تهدد هيمنتها على العالم. لا شك اليوم في أن أميركا، وما زالت منذ الحرب العالمية الثانية، قوة مهيمنة عسكريًا واقتصاديًا، لكن القوى المهيمنة عالميًا عبر التاريخ تنشأ وتزدهر أساسًا بفضل سياسات تؤدي في نهاية المطاف إلى الهيمنة.
أصبحت بريطانيا موحدةً منذ سقوط نابليون وحتى عام 1945 بفضل التجارة الحرة، والسيطرة العسكرية على البحار المفتوحة، وقوة عملتها. وبصفتها الوريثة لبريطانيا، انتهجت أميركا التجارة الحرة، واستفادت من موقعها الجغرافي المتميز الذي عزل اقتصادها وسكانها عن المنافسين الطامحين للهيمنة. كما شجعت نمو أسواق رأس المال المفتوحة، ما أدى بدوره إلى هيمنة الدولار والقدرة على شراء الواردات الأجنبية بأسعار زهيدة.
لكن ينبغي للمستثمرين أن يدركوا أن "السلام الأميركي" يتطلب استمرار الدعم وسياسات حكومية مواتية تعزز مكانته الرائدة. وبينما كانت التغييرات أكثر وضوحًا خلال فترتي إدارة ترامب، فإن الاتجاه السلبي كان جليًا على مدى عقود، ويتجلى ذلك إحصائيًا في العجز التجاري والمالي الأميركي الذي بلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.
ورغم أن عدة حروب تتشارك المسؤولية، فإن التزامات أميركا الإلزامية تجاه الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي كان لها، وستظل، آثار مدمرة في توقعات الميزانية، مضيفةً عشرات التريليونات من الدولارات إلى التكاليف بمرور الوقت.
وقد توقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يرتفع الدين العام من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 إلى 120% في عام 2036، وهو أعلى بكثير من الرقم القياسي السابق البالغ 106% الذي سُجّل بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً.
ثمّة تكلفة الحرب في إيران، والتي يُرجّح أن تتجاوز بكثير مبلغ 29 مليار دولار الذي قدّره مسؤولو الدفاع. إضافةً إلى ذلك، ستحتاج أميركا إلى مواصلة الإنفاق الدفاعي المرتفع لسنوات عديدة قادمة. ونتيجةً لذلك، سيستمرّ الإنفاق العسكري والبيئي في استنزاف مواردها العالمية إلى أقصى حد، ما سيؤدي إلى فقدان أحد أهمّ مقومات هيمنتها، ألا وهو الدولار القوي.
أحد العناصر المهيمنة الأخرى - التجارة الحرة - قد انقلب رأساً على عقب خلال فترة حكم ترامب. فالرسوم الجمركية التي رُوِّج لها على أنها وعدٌ بثورة صناعية أميركية لم تُسهم إلا قليلاً في خفض العجز المزدوج للولايات المتحدة، ولا يوجد نمو اقتصادي سوى ذلك الناتج من الإنفاق الرأسمالي الذي يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي لا يزال الأقوى في العالم من حيث الطائرات، وأن "السفن الحربية" المستقبلية التي بناها ترامب قد تم الترويج لها على أنها أمل مستقبلي للبحرية، فإن أداء الولايات المتحدة في ساحات معارك القرن الحادي والعشرين مشكوك فيه على أقل تقدير.
إذاً، فإن مجد الهيمنة الأميركية بات مهدداً، وهو ما أشار إليه مؤخراً الرئيس الصيني شي جين بينغ في لقاءٍ ثنائي مع ترامب مطلع مايو/أيار، فقد لمح بشكلٍ صريح إلى "فخ ثوسيديدس"، وهو تحذير أطلقه المؤرخ اليوناني القديم بأن الحرب البيلوبونيسية كانت نتيجة "تنامي قوة أثينا وما أثاره ذلك من خوف في إسبرطة".
ويُشير التقييم الضمني بأن الصين هي الوريث المهيمن الأنسب إلى رؤى طويلة الأمد لا تتناسب مع سياسات ترامب قصيرة المدى.
يتابع المستثمرون، بطبيعة الحال، كل هذا، إلى جانب المخاوف بشأن العجز المالي والتجاري. وقد أدى التراجع عن سياسات التجارة الحرة إلى ضعف الدولار، إذ انخفض مؤشر الدولار الأميركي المرجح بالتجارة بنسبة 10% خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا بمقدار 0.50 نقطة مئوية في الأشهر الثلاثة الماضية، ولكنها لا تزال تبدو باهظة الثمن عند نحو 5.03% مقارنة بالمعايير التاريخية عند مقارنتها بالتضخم المتوقع.
إن سندات الخزانة المحمية من التضخم لمدة 30 عامًا، أو سندات الخزانة المحمية من التضخم، لا تحقق سوى 2.72 في المائة، وهو عائد "حقيقي" ارتفع بمقدار 3 نقاط مئوية منذ يناير 2022.
لا يمكن أن يكون التضخم هو القوة الدافعة للارتفاع هنا - على الأرجح أن يكون التدهور المهيمن والمخاوف بشأن التزامات الحكومة المستقبلية سببًا رئيسيًا.
بعد التفكير، بينما قد تأمل الصين في الهيمنة، قد تحل قوة مهيمنة أخرى محل أميركا والصين. تُعرف هذه القوة باسم الذكاء الاصطناعي، ولم يُحدد بعد من سيتحكم بها مستقبلاً.
نقله إلى العربية: الميادين نت.