باب المندب واستراتيجية اللايقين: حين يصبح التهديد بالإغلاق أقوى من الإغلاق!
بقاء باب المندب مفتوحاً تحت تهديد دائم يمنح إيران والحوثيين ورقة ضغط اقتصادية وسياسية مستدامة، قد تكون أكثر فاعلية وأقل كلفة من إغلاقه الكامل.
تمثل سلاسل الإمداد العالمية منظومة مترابطة من العمليات اللوجستية والمالية والتنظيمية، تتكامل فيها حلقات الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع لإيصال المواد الخام والسلع المصنّعة من مراكز الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك. ومع تعاظم الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات وتعقّد شبكاته، ارتقت هذه السلاسل من مجرد بنى تحتية اقتصادية إلى فضاءات للتنافس الجيوسياسي، حيث أصبحت نقاط الاختناق البحرية أوراقاً استراتيجية يُعاد من خلالها تشكيل توازنات القوة الدولية.
ويمنح التحكم في هذه المفاصل الجغرافية نفوذاً يتجاوز القدرات العسكرية والاقتصادية التقليدية، وهو ما يوصف في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة بمفهوم "الترابط المسلح"، الذي يصف الكيفية التي يتحول بها الاعتماد المتبادل إلى أداة للتأثير والضغط وإعادة هندسة السلوك السياسي للدول والوحدات السياسية.
ويحتل مضيق باب المندب موقعاً محورياً في هذا السياق، باعتباره البوابة البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمثل المدخل الجنوبي لقناة السويس. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 10% و12% من التجارة البحرية العالمية يعبر هذا الممر الضيق سنوياً، وترتفع هذه النسبة في بعض التقديرات إلى نحو 14% في الأحوال الطبيعية، فيما يمر عبر قناة السويس، التي يغذيها المضيق، ما يناهز 25% إلى 30% من حركة النقل بالحاويات على مستوى العالم.
ويعبر المضيق، في الأحوال الاعتيادية، نحو 20 ألف سفينة سنوياً، بمعدل حمولة بلغ 1.6 مليار طن بين عامي 2020 و2023، وهو ما يجعله أحد أبرز نقاط الاختناق في النظام البحري العالمي.
وقد عاد هذا الممر إلى صدارة الاهتمام الدولي خلال الأسابيع الأخيرة، مع تصاعد التهديدات الإيرانية بإمكان إغلاقه عبر التحالف مع حركة أنصار الله، بالتوازي مع تصريحات حوثية لوّحت بهذا الاحتمال بصورة علنية. فهل يصبح، وفقاً لما سبق، التهديد بإغلاق باب المندب وإطالة حالة الغموض المحيطة به أكثر جدوى من الإغلاق الكامل؟
التهديد بوصفه آلية للردع الاقتصادي وصناعة اللايقين
علّمتنا المنظومة الدولية أن الأسواق المالية وشركات الشحن تتفاعل مع احتمالات الخطر بالسرعة نفسها التي تتفاعل بها مع الوقائع الميدانية، لأن ارتفاع منسوب اللايقين الجيوسياسي ينعكس مباشرة على تكاليف النقل البحري، وأقساط التأمين، وأسعار الطاقة، وتقديرات المخاطر الاستثمارية.
لقد برهنت أزمة البحر الأحمر، أواخر عام 2023، على أن التحذيرات المتكررة واحتمالات الاستهداف، قبل أن تتجسد حتى، دفعت عدداً كبيراً من شركات الملاحة إلى إعادة توجيه سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، فكان ذلك سبباً في تراجع حركة العبور عبر المضيق إلى أقل من نصف طاقته الاعتيادية، البالغة قبل الأزمة نحو 26 ألف عبور سنوي.
ومعلوم أن كل تحويل لمسار سفينة حاويات حول رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و14 يوماً إلى جدول رحلتها، مسبباً ضغطاً على أزمنة المناولة في الموانئ العالمية، وارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الشحن.
كما سجّلت أسعار الشحن الفوري للحاويات ارتفاعاً بنسبة تراوحت بين 200% و300% خلال اضطرابات البحر الأحمر مطلع عام 2024، في مقابل ارتفاع بلغ 400% إلى 600% أثناء أزمة سلاسل الإمداد العالمية لعام 2021. ويمنحنا هذا مقياساً مقارناً لحدة الصدمة التي يمكن أن يحدثها اضطراب هذا الممر وحده، ما يجعل مجرد التهديد بإغلاقه قوة هائلة تدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تبني إجراءات وقائية باهظة الكلفة لتجنبه.
وتكشف هذه الديناميكية عن جوهر "الترابط المسلح"، حيث تُستثمر درجة الاعتماد العالمي على المضيق في إنتاج تأثير سياسي واقتصادي واسع، من دون الحاجة إلى تعطيل الملاحة بصورة كاملة، لأن الهدف الاستراتيجي للحوثيين وإيران، إلى غاية الآن، ينصرف إلى إعادة تشكيل حسابات الخصوم عبر توسيع دائرة المخاطر المحيطة بحركة التجارة الدولية، على نحو يرفع تكلفة قراراتهم العسكرية والسياسية ضدهما، ويمنح طهران ورقة ضغط تتجاوز، في تأثيرها، المجال الإقليمي إلى بنية الاقتصاد العالمي ذاتها.
وتزداد قيمة هذه الورقة بحكم ارتباطها بممر يحمل وزناً مضاعفاً في أمن الطاقة، خاصة إذا اعتمدنا على تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي تؤكد أن ما بين 4.2 و4.8 ملايين برميل من النفط الخام ومشتقاته يعبر باب المندب يومياً، أي ما يقارب 5% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن كونه ممراً أساسياً لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطري إلى أوروبا، والبالغة نحو 30 مليون طن سنوياً، والمعتمدة بالكامل على بقاء هذا الممر مفتوحاً.
وتتحقق لإيران، في هذا الإطار، مجموعة من المكاسب المتداخلة، تشمل تشديد الضغط على الولايات المتحدة في مسار التفاوض، ورفع كلفة أي تهور ضدها، والتأكيد على امتلاكها أدوات تأثير تمتد إلى ما هو أبعد من مضيق هرمز.
وتكتسب هذه الورقة زخماً مضاعفاً في ظل إغلاق طهران مضيق هرمز، الذي ينقل نحو 20% من النفط والغاز العالميين في زمن السلم، وكان سبباً في نقل جزء معتبر من صادرات الطاقة الخليجية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب بري سعودي، لتصبح بذلك حركة العبور عبر باب المندب وحده ناقلة لما يقارب 7% من إمدادات الطاقة العالمية حالياً، وهو ما يفسر التصاعد الحاد لقيمته الاستراتيجية بالتزامن مع اشتداد الأزمة في هرمز.
ومن الواضح أن غاية هذا السلوك هي ممارسة إكراه استراتيجي يصبو إلى تعديل سلوك الخصم عبر إبقاء احتمالات التصعيد قائمة، مع الحفاظ على مستوى منخفض من الانخراط المباشر في المواجهة. وقد أظهرت أحداث البحر الأحمر، منذ عام 2023، أن استهداف حركة أنصار الله بعض السفن، أو التهديد به، يمنح هذا السلوك مصداقية عالية، ويدفع الأسواق إلى التعامل معه كاحتمال دائم يستوجب الاحتياط.
كما تكتسب هذه السياسة بُعداً تراكمياً بمرور الوقت، فكل جولة تصعيد في البحر الأحمر أو مضيق هرمز تضفي مصداقية أكبر على ما يمكن تسميته "سمعة التهديد"، فتزداد قابلية الأسواق والدول لتصديق الإنذارات اللاحقة، بينما تنخفض الكلفة السياسية اللازمة لإيصال الرسالة.
وتبرهن التطورات الأخيرة، وفق ما كشفته "رويترز" في 16 تموز/يوليو 2026، على طلب طهران من حركة أنصار الله الاستعداد لإغلاق بوابة البحر الأحمر في حال أقدمت الولايات المتحدة على استهداف شبكة الطاقة الإيرانية، فيما تشير تقديرات إلى استكمال حركة أنصار الله تجهيزاتهم لضرب الملاحة، عبر نشر منظومات صواريخ وطائرات مسيّرة قرب باب المندب، في انتظار لحظة التنفيذ.
المستوى الثاني: الإغلاق الفعلي وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
يفضي انتقال التهديد من المجال الاحتمالي إلى المجال التنفيذي إلى شكل مختلف من المواجهة. فالهجمات اليمنية التي شهدها البحر الأحمر منذ عام 2023 ضد سفن محددة، أو مضايقة حركة الملاحة فيه، تختلف نوعياً عن سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق، وهو السيناريو الذي ارتبط بالتهديدات الإيرانية المباشرة.
وتفرض الطبيعة الجغرافية للمضيق، الذي يتراوح عرضه بين 26 و32 كيلومتراً عند أوسع نقاطه، بينما لا يتجاوز عرض قناتيه الملاحيّتين الفعليتين نطاقاً يمتد من 3 إلى 22 كيلومتراً، تحديات عملياتية معقدة تجعل أي تعطيل شامل للملاحة فيه شديد الكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بينما يبدو السيناريو الأكثر واقعية أقرب إلى تعطيل انتقائي ومؤقت لحركة العبور.
وحتى مع امتلاك القدرة العملياتية على التنفيذ، تجنبت طهران وحركة أنصار الله اليمنية، حتى الآن، الإغلاق الكامل، وهو ما تفسره بعض التحليلات الاستراتيجية بوجود ثلاث دوائر تحد من الاستخدام الأقصى لهذه الورقة: دائرة دولية تتصل بحرية الملاحة واحتمال رد عسكري متعدد الأطراف، ودائرة إقليمية تتصل بتهديد البدائل الخليجية لتصدير الطاقة، ودائرة يمنية محلية تتصل بمخاطر فقدان حركة أنصار الله سيطرتهم على الحديدة والساحل الغربي.
وضمن هذا التصور، فإن القيمة الاستراتيجية لورقة باب المندب تكمن في الاحتفاظ بقدرة مستمرة على التهديد بإغلاقه والمساومة به، أكثر مما تكمن في استنفاد هذه القدرة في مواجهة واحدة.
كما يُحدث هذا السيناريو آثاراً تتجاوز ارتفاع أسعار النفط أو زيادة تكاليف النقل، ليترك بصمة ممتدة في سلوك الدول والشركات والأسواق. فقد أثبتت الأزمات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها جائحة "كوفيد-19" والحرب الروسية - الأوكرانية، أن الصدمات اللوجستية العنيفة تدفع الاقتصادات إلى إعادة تصميم شبكات الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات ذات المخاطر المرتفعة.
ومن هذا المنظور، قد يشكل أي إغلاق فعلي لباب المندب نقطة تحول تسرّع الاستثمار في مسارات بديلة، على غرار خط الأنابيب البري السعودي "شرق - غرب" نحو ميناء ينبع، الذي تُقدّر طاقته الاستيعابية بنحو 5 ملايين برميل يومياً، أو الممر الاقتصادي الهندي - الشرق أوسطي - الأوروبي، بوصفهما خيارين يخففان جزئياً من الاعتماد على المضائق، ويعيدان توزيع الأهمية النسبية للمسارات البحرية والبرية في التجارة العالمية.
وتتجاوز انعكاسات هذا التحول المجال الإقليمي لتطال بنية النظام البحري العالمي برمته. فكل أزمة ممتدة في باب المندب تدفع الدول إلى تعزيز الوجود العسكري في الممرات البحرية، وتوسيع التحالفات الأمنية لحماية الملاحة، وتسريع الاستثمارات في الموانئ والممرات البديلة، بغية إعادة تشكيل الخريطة اللوجستية العالمية تدريجياً.
ويكفي للدلالة على حجم هذا الرهان أن سيناريو الإغلاق المزدوج لمضيقي هرمز وباب المندب معاً يعني، وفق بعض التقديرات، تعطل نحو 22% من إمدادات النفط العالمية عند احتساب حصتيهما، وتعطيل ما يقارب 30% من حركة الشحن بالحاويات العالمية عن مسارها الاعتيادي، وهو ما يهدد بصورة مباشرة أمن الطاقة الأوروبي المعتمد على نفط الخليج وغازه المسال.
كما تؤدي شركات الشحن والتأمين ومؤسسات إدارة المخاطر دوراً في توجيه حركة التجارة الدولية، لتغدو قراراتها أحد العوامل المؤثرة في توزيع التدفقات التجارية العالمية.
ويمتد أثر هذه التحولات إلى القوى الكبرى ذاتها، وفي مقدمتها الصين، التي تخضع تجارتها مع الأسواق الأوروبية لسلامة الملاحة في البحر الأحمر، مع حضورها عسكرياً واستثمارياً في جيبوتي والموانئ الإقليمية في شرقي أفريقيا.
لذا، يمثل استمرار التوتر في باب المندب معضلة استراتيجية لبكين، بحكم ما ينجم عنه من تهديد لأحد أهم مسارات مبادرة "الحزام والطريق"، وبما يفرضه عليها من تفكير مضاعف في تنويع المسارات التجارية وتعزيز حضورها في أمن الممرات البحرية.
التناقض الاستراتيجي لقيمة الباب المفتوح
تكشف هذه القراءة أن القيمة الجيوسياسية لمضيق باب المندب، وإلى غاية الآن، تنبع من إبقائه مفتوحاً تحت وطأة تهديد دائم، أكثر مما تنبع من إغلاقه الكامل. فاستمرار حالة اللايقين يمنح إيران وحركة أنصار الله قدرة مستدامة على التأثير في الأسواق العالمية، ويعطيهما ورقة ضغط قابلة للاستخدام في السياقات التفاوضية والأمنية الحالية.
وعلى هذا الأساس، يبدو السيناريو الأكثر اتساقاً مع منطق الصراع الحالي هو الإبقاء على باب المندب في منطقة رمادية تفصل بين الأمن والانقطاع، حيث تتحول إمكانية الإغلاق إلى أداة تأثير، واللايقين إلى مورد استراتيجي قائم بذاته.
وتؤكد وقائع منتصف تموز/يوليو 2026 هذا الاستنتاج، إذ ظل التهديد معلقاً بشرط تنفيذي مرتبط برد فعل أميركي محتمل، وهو ما يعكس حرص طهران على إبقاء هذه الورقة في مرتبة القدرة الجاهزة، لا في مرتبة الفعل الناجز، انطلاقاً من يقينها بأن الاقتصاد المعاصر يتفاعل مع احتمالات الخطر بقدر تفاعله مع الوقائع.
وبالنتيجة، تصبح القدرة على إنتاج الشك في استمرارية التدفقات التجارية شكلاً جديداً من أشكال القوة في النظام الدولي، وأداة من أدوات إدارة الصراع.
الملخص: يرى المقال أن إبقاء باب المندب مفتوحاً تحت تهديد دائم يمنح إيران وحركة أنصار الله ورقة ضغط اقتصادية وسياسية مستدامة، قد تكون أكثر فاعلية وأقل كلفة من إغلاقه الكامل.