"ذي أتلانتيك": ماذا وراء حرب هيغسيث على الجيش الأميركي؟
مجلة "The Atlantic" الأميركية، تتحدث عن حملة تطهير وإقالات يقودها وزير الحرب بيت هيغسيث ضد كبار الجنرالات وأرفع الضباط في الجيش الأميركي، في وقتٍ يحتاج الجمهور إلى توضيح ذلك في ظل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على إيران.
-
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث
تحدّثت مجلة "The Atlantic" الأميركية، في مقال، عن حملة تطهير وإقالات يقودها وزير الحرب بيت هيغسيث ضد كبار الجنرالات وأرفع الضباط في الجيش الأميركي، على رأسهم رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، متساءلةً عن توقيت فصل هؤلاء في خضم حرب تخوضها الولايات المتحدة على إيران، ومشيرةً إلى وجوب "شرح ذلك في البنتاغون للشعب الأميركي".
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
تخوض الولايات المتحدة حرباً كبرى، لكن ذلك لم يمنع وزير الحرب بيت هيغسيث يوم الخميس من إقالة الجنرال راندي جورج، أرفع ضباط الجيش الأميركي رتبةً. كان جورج رئيس أركان الجيش، وقد أُقيل مع جنرال آخر برتبة أربع نجوم، هو ديفيد هودن، واللواء ويليام غرين الابن، كبير قساوسة الجيش، في إطار حملة تطهير مستمرة يشنها هيغسيث ضد كبار الضباط، وخاصة المقربين من وزير الجيش، دان دريسكول.
لماذا تم فصل هؤلاء الرجال بينما تقاتل القوات الأميركية في الخارج؟ لم تقدم وزارة الدفاع أي سبب رسمي لفصلهم، ولكن من المرجح أنهم أحدث ضحايا صراعات هيغسيث الانتقامية مع الجيش، الذي يشعر بأنه عامله معاملة سيئة - قال في كتابه الصادر عام 2024 إنّ الخدمة "طردته" - بينما يكافح في وظيفة لا يزال غير مؤهل لها على الإطلاق.
بدأ هيغسيث ولايته بمعارضة ما يعتبره وزارة دفاعية موبوءة بتعيينات غير مناسبة للتنوع والشمول. ضغط من أجل إقالة رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، سي كيو براون، وهو أميركي من أصل أفريقي، وأقال عدداً كبيراً من القيادات العسكرية النسائية، واستبدلهن جميعاً برجال. لكن إقالة رئيس أركان الجيش في خضم حرب، دون أي تفسير، تُعد خطوة متهورة حتى بمعايير هيغسيث. جورج محارب مخضرم حائز على أوسمة، وكان من المقرر أن يبقى في منصبه حتى عام 2027، ولم يدخل في أي خلاف علني مع هيغسيث قط، رغم وجود أسباب وجيهة لذلك.
كان ترامب وهيغسيث في مهمة واضحة لتسييس الجيش الأميركي، وتحويله إلى ذراع مسلحة لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً". يُمارس هيغسيث التبشير بانتظام، سواءً لترامب أو لمعتقداته الإنجيلية اليمينية، من على منصة البنتاغون. وقد تدخل في ترقيات الجيش، حيث استبعد مؤخراً أربعة عقداء - رجلان من ذوي البشرة السمراء وامرأتان - من قائمة المرشحين للترقية إلى رتبة عميد. (قد يكون هذا غيضاً من فيض: إذ تُفيد شبكة "NBC" الآن بأنّ هيغسيث ألغى أيضاً ترقيات ما لا يقل عن اثني عشر ضابطاً من الأقليات والنساء، في مختلف فروع الجيش). وتماشياً مع أفضل التقاليد المدنية العسكرية الأميركية، أظهر جورج وغيره من كبار القادة العسكريين انضباطاً ملحوظاً في إبقاء أفكارهم بعيدة عن أعين العامة.
بطبيعة الحال، كان القائد الأعلى هو من يحدد نبرة الأمور في البنتاغون. في يونيو الماضي، ألقى ترامب خطاباً في فورت براغ، محاولاً تحويل ظهوره إلى تجمع سياسي. ومرة أخرى، لم يُدلِ جورج ودريسكول بأي تصريح، على الأقل علناً، حول هذا الانتهاك الصارخ للأعراف المدنية العسكرية. فترامب، في نهاية المطاف، هو القائد الأعلى، ولا يمكن كبح جماح سلوكه إلا من قِبل مجلس الشيوخ أو الشعب الأميركي.
حتى في الأوقات الأقل خطورة، كان للجمهور الحق في معرفة الحقيقة حول هذه الحملة غير المسبوقة لتطهير الرتب العليا في الجيش الأميركي. هؤلاء الضباط جميعهم ذوو سجلات خدمة طويلة ومتميزة؛ لم يُتهم أي منهم بارتكاب أي مخالفة، ولم يُتهم أي منهم بأي نوع من عدم الكفاءة أو الخيانة. يبدو أنهم جميعاً ارتكبوا ذنباً واحداً فقط، وهو انتمائهم إلى مؤسسة عسكرية يرغب هيغسيث في إعادة ملئها بموالين لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
لا يمكن تبرير هذه الإقالات حتى باعتبارها نتاجاً لإصلاح استراتيجي نبيل. بل، كما صرّح مسؤولون في البنتاغون لصحيفة "نيويورك تايمز"، هي "نتيجة لمظالم هيغسيث الطويلة الأمد مع الجيش، وخلافاته حول الأفراد، وعلاقته المتوترة" مع دريسكول. قد يكون خلاف هيغسيث مع دريسكول نابعاً من شعوره بانعدام الأمان، فعندما واجه هيغسيث صعوبات جمّة في أعقاب فضيحة "سيغنال غيت"، كان دريسكول الخيار الأمثل لخلافته.
كما تولى وزير الجيش مهاماً هامة لم يكن هيغسيث راغباً في القيام بها، أو لم يكن قادراً على ذلك. ففي خريف العام الماضي، كان دريسكول، وليس هيغسيث، ضمن وفد رفيع المستوى من البنتاغون سافر إلى جنيف في محاولة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.
ربما كان ذلك أفضل. فقد انشغل هيغسيث بتفاهات الحرب الثقافية بدلاً من قضايا الدفاع والأمن الجوهرية. لكن يبدو أن هيغسيث ليس بحاجة للقلق: فدريسكول، وفقاً لتقارير زميلتيّ آشلي باركر وسارة فيتزباتريك، يُشاع الآن أنه أحد كبار المسؤولين الذين سيواجهون على الأرجح الإقالة. (قد لا يكون هيغسيث خبيراً في الاستراتيجية أو القيادة، لكنه يجيد خوض حرب استنزاف).
لم تكن الضغائن التافهة لقائدٍ تم تجاهله ذات أهمية تُذكر حتى اندلاع الحرب في إيران. أصبحت المناوشات الكلامية في البنتاغون أمراً شائعاً، وجورج ليس أول جنرال يتلقى دعوةً غير مرغوب فيها للتقاعد من زعيم مدني غاضب. لكن أميركا الآن منخرطة في أكبر صراعٍ لها منذ عقود، مع رئيسٍ لم يُلقِ خطاباً رسمياً واحداً حول الحرب حتى الآن، بل اقتصر على 19 دقيقة من أفكارٍ مشوشة. يستحق الشعب الأميركي أن يعرف سبب إقالة هذا العدد الكبير من كبار ضباطه.
لم يُبدِ بيت هيغسيث قط أي استعداد لتوضيح موقفه للجمهور، ولم يُظهر الشخصية اللازمة لتحمّل هذا النوع من المسؤولية. ولكن الآن، وبعد أن أصبح راندي جورج، إلى جانب ضباط كبار آخرين قام هيغسيث بفصلهم أو دفعهم للاستقالة، على وشك أن يصبحوا مدنيين، ربما يُمكنهم التقدم وإخبار مواطنيهم بما يجري بالضبط في البنتاغون تحت قيادة هيغسيث.