"المونيتور": لماذا لم تؤدِ قمة ترامب وشي إلى تغيير موقف الصين تجاه إيران؟

إذا كانت الصين غير مستعدة للتخلي عن إيران في بداية الحرب، فمن غير المرجح بدرجة أكبر أن تفعل ذلك الآن، بعدما أظهرت طهران قدرتها على الصمود.

0:00
  • الرئيسان الأميركي والصيني في آخر قمّة بينهما في أيلول/سبتمبر 2026
    الرئيسان الأميركي والصيني في آخر قمّة بينهما في أيلول/سبتمبر 2026

موقع "المونيتور" الأميركي ينشر تقريراً يتناول تمسّك الصين بعلاقتها الاستراتيجية مع إيران رغم الضغوط الأميركية، وحدود قدرة واشنطن على دفع بيجين إلى الابتعاد عن طهران.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

قدّمت قمة ترامب-شي في 24 أيلول/سبتمبر مؤشرات قليلة على أنّ الصين مستعدة للنأي بنفسها عن إيران، رغم الضغوط الأميركية التي تدفعها إلى ذلك. وعلى العكس، عززت الحرب، التي دخلت شهرها السابع، تقدير بيجين بأنّ طهران لا تزال شريكاً استراتيجياً للصين.

وقبيل القمة، كانت إدارة ترامب تضغط على الصين للاستجابة إلى عدد من المطالب الهادفة إلى تقليص علاقاتها مع إيران. وتمثّلت المسألة الأولى في واردات الصين من النفط الخام الإيراني وما توفّره من إيرادات لإيران. وعلى الرغم من الحرب والقيود المفروضة على مضيق هرمز، لا تزال الصين في عام 2026 تشتري الغالبية العظمى، أي نحو 80% إلى 90%، من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً.

وقد تغيّر حجم التجارة بشكل كبير منذ بداية الحرب، لكنّ المشترين الصينيين واصلوا استيراد النفط الخام الإيراني. وبلغ متوسط الواردات 534 ألف برميل يومياً في آب/أغسطس، انخفاضاً من نحو 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2025، وفق بيانات "Kpler".

العقوبات

دفع الدعم المالي الذي يوفّره ذلك للحكومة الإيرانية وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى التهديد بفرض عقوبات على البنوك الصينية إذا كانت "تسهّل المعاملات وتشكّل جزءاً من المنظومة التي تحوّل النفط الإيراني إلى أموال"، وذلك حتى الأسبوع الأخير من آب/أغسطس.

لكنّ فرض عقوبات أميركية على كبرى البنوك الصينية أمر يصعب تنفيذه. فكثيراً ما تمرّ تجارة النفط الإيراني عبر مؤسسات إقراض إقليمية أصغر، مثل "بنك كونلون"، الذي فرضت وزارة الخزانة الأميركية عليه عقوبات عام 2012 بسبب تقديمه خدمات مالية لبنوك إيرانية خاضعة للعقوبات، وقالت الوزارة في عام 2025 إنه يحتفظ بجزء كبير من عائدات النفط الإيرانية.

أما أكبر البنوك الصينية، فلديها روابط واسعة بالنظام المالي الأميركي. ولذلك، فإنّ قطع بنك كبير عن الخدمات المصرفية المراسلة مع الولايات المتحدة قد يعطّل معاملاته الأوسع مع البنوك والشركات الأميركية.

ومع ذلك، تواصل وزارة الخزانة إدراج مزيد من الأفراد والكيانات الصينية على قوائم العقوبات بسبب مساعدتهم إيران في الحصول على أسلحة ومكوّنات أسلحة. ومن المرجّح أن يستمر هذا الاتجاه مع ظهور مزيد من التحقيقات والكشف عن طبيعة المساعدة الصينية للجهود الحربية الإيرانية، من خلال الشحنات التجارية التي تضمّ مكوّنات عسكرية مزدوجة الاستخدام، إضافة إلى المعلومات الاستخبارية الجغرافية المكانية.

لكنّ العقوبات لم تنجح، حتى الآن، في إحداث تغيير في موقف الصين من إيران، ومن غير المرجّح أن تنجح في ذلك مستقبلاً. بل إنّ الصين، في أيار/مايو، فعّلت للمرة الأولى قانونها المناهض للعقوبات، وأمرت الشركات بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على خمس مصافٍ صينية بسبب شرائها النفط الخام الإيراني.

ويطرح ذلك سؤالاً أكثر صعوبة: ما الذي يمكن لواشنطن أن تعرضه، أو أن تهدّد به، لإقناع بيجين بإعادة النظر في القيمة التي توليها لعلاقتها مع إيران، إن كان ذلك ممكناً أصلاً؟

ويُظهر الاتفاق المحدود بشأن إيران الذي خرجت به قمة ترامب-شي أنه، رغم المسار الإيجابي في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين نحو "علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي"، لا يزال التوافق بين الصين والولايات المتحدة ضئيلاً بشأن الشروط اللازمة لإنهاء الحرب في إيران.

وجهة نظر الصين

من المنظور الصيني، كان تبرير الحرب الأميركية-"الإسرائيلية" على إيران ضعيفاً منذ البداية، لأنّ القرار كان أحادياً ولم يستند إلى أي توافق دولي. لكنّ بيجين كانت تملك أيضاً أسباباً لتجنّب مواجهة حادّة مع واشنطن. فعلاقتها مع طهران براغماتية وليست التزاماً غير مشروط، كما أنّ بيجين كانت تسعى إلى تجنّب اندلاع توترات جديدة مع ترامب.

وتقوم علاقة الصين بطهران على المصالح الاستراتيجية، وليس على التزام غير مشروط بالحكومة الإيرانية، ما يمنح بيجين سبباً لتجنّب الانجرار عميقاً إلى الصراع. وفي الوقت نفسه، كانت تعمل على تثبيت علاقاتها مع ترامب وتجنّب تصعيد جديد مع واشنطن. ولذلك، أبقت بيجين انتقاداتها للولايات المتحدة و"إسرائيل" محدودة نسبياً في البداية.

لكن، مع اتضاح أنّ الولايات المتحدة لم تتمكّن من تحقيق هدفها الأصلي وإنهاء الحرب، بدأت الصين تدريجياً في التعامل مع حقيقة أنّ الحكومة الإيرانية لم تبلغ بعد "تاريخ انتهاء صلاحيتها"، وأنّ الوضع الأمني في الخليج سيستمر في التدهور إلى أن ينقشع غبار الحرب.

ولهذا التقييم دلالات مهمة. ففي المستقبل المنظور، ستظلّ إيران لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، رغم تراجع نفوذها وقدراتها. وإذا كانت الصين غير مستعدّة للتخلّي عن إيران في بداية الحرب، حين كانت بيجين تعتقد أنّ النظام قد يكون قريباً من نهايته، فمن غير المرجّح بدرجة أكبر أن تفعل ذلك الآن، بعدما أظهرت طهران قدرتها على الصمود.

واتبعت الصين تقليدياً نهجاً يقوم على التوازن في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنّ روابطها الاقتصادية مع الخليج تتجاوز بكثير روابطها مع إيران، فإنّ استمرار دور طهران بوصفها قوة إقليمية، بما في ذلك بوصفها جهة قادرة على إحداث اضطرابات، يعني أنّ لدى بيجين حافزاً ضئيلاً لعزل إيران أو انتهاج علاقة عدائية معها.

حدود النفوذ الصيني

منذ بداية الحرب، أرسلت دول الخليج العديد من المبعوثين إلى الصين لدفع بيجين إلى الاضطلاع بدور وساطة وممارسة نفوذها على إيران.

لكنّ هناك حدوداً لمقدار النفوذ الذي تستطيع بيجين ممارسته على طهران.

أولاً، وفق جميع التعريفات الصينية، كانت الحرب على إيران عملاً عدوانياً أحادياً من جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فيما يُعدّ اغتيال أعلى قائد في دولة ذات سيادة أخرى عملاً غير عادل وغير مقبول. ولذلك، فإنّ أيّ نهاية للحرب يجب أن تكون مشروطة بمستوى ما من الضمانات الأمنية من كلّ من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لا بتنازلات أحادية من جانب إيران.

وبالنظر إلى عدم وجود أيّ مؤشّر على أنّ "إسرائيل" ستقبل بهذه الشروط، فمن غير المرجّح أن تضغط الصين على إيران للقبول بوقف لإطلاق النار يتطلّب تنازلات من طهران من دون التزامات مقابلة من الولايات المتحدة و"إسرائيل".

ثانياً، حتى لو استخدمت الصين نفوذها، فإنّ استعدادها للقيام بذلك سيعتمد إلى حدّ كبير على النتيجة المتوقّعة. وكما ظهر في محاولة الصين الفاشلة لإقناع روسيا بشأن حرب أوكرانيا، وفي محاولة إقناع كوريا الشمالية بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، فمن غير المرجّح أن تتبنّى الدول أيّ مقترح صيني ترى أنه يقوّض مصالحها الوطنية كما تتصوّرها.

كما أظهرت تجربة الأشهر السبعة الماضية إصرار إيران على المضي قدماً بدلاً من تقديم تنازلات. ولذلك، فإنّ أيّ محاولة صينية لدفع طهران في الاتجاه المعاكس قد تضرّ بعلاقة بيجين مع إيران من دون أن تؤدّي إلى إنهاء الحرب.

ولا يوجد لدى الصين حافز كبير للمخاطرة بذلك.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.