"نيويورك تايمز": هكذا تبدو أزمة فواتير الخدمات الأساسية في أميركا
تُفاقم درجات الحرارة القياسية والطلب المتزايد على الكهرباء معاناة الأسر في ولاية أوكلاهوما، التي تكافح للحفاظ على إمدادات الكهرباء وتشغيل أجهزة تكييف الهواء.
-
مواطنة أميركية تراجع فاتورة الكهرباء
صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر تقريراً يتناول تفاقم أزمة فواتير الكهرباء في الولايات المتحدة، في ظلّ موجات الحر القياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والطلب المتزايد على الكهرباء، ولا سيّما مع التوسّع في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ويرصد التقرير، من خلال شهادات عائلات في ولاية أوكلاهوما، تحوّل الكهرباء والتكييف من خدمات أساسية إلى أعباء مالية متزايدة، تثير تساؤلات بشأن العدالة في توزيع تكاليف الطاقة وقدرة الأميركيين على تحمّلها.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية بتصرف:
كانت موجة الحر الشديد قد بدأت تنحسر عندما تلقّت جينيا ويتز، البالغة 58 عاماً، إشعاراً بقطع الكهرباء عن منزلها في ولاية أوكلاهوما الأميركية، بعدما تراكمت عليها فاتورة بقيمة 1340.96 دولاراً، وهو مبلغ يفوق دخلها الشهري.
كانت قوانين الولاية تمنع شركات الكهرباء من قطع الخدمة عندما يتجاوز مؤشر الحرارة المحسوسة 101 درجة فهرنهايت، لكنّه انخفض في أيلول/سبتمبر إلى 99 درجة، ولم يبقَ أمام ويتز سوى تسعة أيام لتسديد الفاتورة.
أمضت ويتز وزوجها الأشهر الماضية في غرفة معيشة صغيرة، تاركين بقية المنزل من دون تبريد لتوفير الكهرباء. وكانا يعتمدان على مكيّف هواء، إلى جانب أجهزة طبية تعمل بالكهرباء، من بينها جهاز الأكسجين الذي تحتاج إليه ويتز للتنفّس.
وقالت: "لا أستطيع التنفّس من دون جهاز الأكسجين. لا أعتقد أنّني سأصمد ليلة واحدة".
مع حلول الخريف، حان موعد دفع فاتورة الصيف الأكثر حرارة على الإطلاق في الولايات المتحدة. فقد تجاوزت درجات الحرارة خلال الأشهر الثلاثة الماضية معدّلاتها المعتادة بنحو ثلاث درجات، متخطّية حرارة صيف عام 1936 وموجة الحر الشديد عام 2021.
وفي الوقت نفسه، يعجز عشرات الملايين من الأميركيين عن تحمّل تكاليف تكييف الهواء الذي ساعدهم على مواجهة الحر القاتل.
ووفقاً للبيانات الفيدرالية، تتأخّر نحو أسرة أميركية واحدة من كل ست أسر عن سداد فواتير الخدمات الأساسية.
وتفرض أكثر من اثنتي عشرة ولاية، بينها أريزونا وجورجيا وفرجينيا وأوكلاهوما، قيوداً على قطع الكهرباء خلال فترات الحر الشديد. ولذلك، تبلغ عمليات قطع الخدمة ذروتها عادةً في تشرين الأول/أكتوبر، عندما تتحوّل أزمة المناخ إلى مطالبات بسداد الديون.
كانت شركة الخدمات العامة في أوكلاهوما (PSO) قد قطعت الكهرباء عن منزل ويتز سابقاً، ولذلك أدركت أنّ إشعار قطع الخدمة ليس مجرّد تحذير.
وأبلغت الشركة زبائنها أنّها تواجه ارتفاعاً في تكاليف الوقود والمعدّات وتحديث شبكة الكهرباء، فضلاً عن الضغوط الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرّفة والطلب المتزايد من المستهلكين الكبار، ومن بينهم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ومع أنّ أسعار الشركة لا تزال أقل من المعدّل الوطني، فإنّها عزت جزءاً كبيراً من ارتفاع فواتير الصيف إلى تشغيل أجهزة التكييف على مدار الساعة بسبب الحر.
كانت ويتز تدفع نحو 500 دولار شهرياً لتبريد غرفة واحدة، رغم أنّ دخلها لا يتجاوز 860 دولاراً شهرياً من إعانات الإعاقة الحكومية.
وللحصول على مهلة إضافية، لجأت إلى طبيبها للحصول على شهادة تؤكّد أنّ انقطاع الكهرباء يهدّد حياتها. وقد منحها ذلك تأجيلاً لمدة 30 يوماً، من دون إسقاط الدين الذي استمرّ في التراكم.
ولم تكن ويتز وحدها في مواجهة الأزمة. فقد كانت ابنتها، شينيا ميك، البالغة 36 عاماً، تعاني أيضاً ارتفاع تكاليف الكهرباء في منزلها في مدينة تولسا.
ورغم تشغيل أجهزة التكييف على مدار الساعة، كانت الحرارة داخل المنزل نادراً ما تنخفض إلى أقل من 80 درجة فهرنهايت، فيما تجاوزت الفواتير 500 دولار شهرياً.
وكانت ميك، التي تتقاضى أكثر من 80 ألف دولار سنوياً بعد سنوات من العمل والدراسة، تدفع نحو 1500 دولار إيجاراً لمنزلها، ومبلغاً مماثلاً شهرياً للمساعدة في إعالة أسرتها.
وفي آب/أغسطس، سدّدت ثلاث دفعات منفصلة لشركة الكهرباء، ثمّ اضطرت إلى الاقتراض لشراء جهاز تكييف إضافي، زاد بدوره استهلاك الكهرباء.
ووصلتها لاحقاً فاتورة بقيمة 589.51 دولاراً، تتضمّن تحذيراً بضرورة دفع 169.59 دولاراً على الأقل لتجنّب قطع الخدمة.
وكتبت لوالدتها: "أدفع هذا المبلغ كل شهر، ومع ذلك لا يزال منزلنا شديد الحرارة".
وعلى غرار ويتز وابنتها، كانت زوجة ابنها، أوتمن كوبر، البالغة 24 عاماً، تواجه صعوبة في تسديد فواتير الكهرباء.
انتقلت كوبر إلى نظام الدفع المسبق، الذي يتيح لها إيداع مبالغ صغيرة في حسابها كل بضعة أيام، على أن تبقى الكهرباء متاحة ما دام الرصيد موجباً، لكنّها كانت تستهلك ما معدّله 12.29 دولاراً يومياً، رغم محاولاتها خفض الاستهلاك، وتلقّت أكثر من اثني عشر تحذيراً بشأن انخفاض الرصيد خلال الصيف.
وفي إحدى المرات، لم يتبقَّ في حسابها سوى 2.46 دولار، وهو مبلغ يكفي لبضع ساعات إضافية من الكهرباء.
كانت كوبر تدرس للحصول على شهادة في التمريض، وتعمل في عطلات نهاية الأسبوع في مركز لرعاية المسنّين مقابل 16 دولاراً في الساعة. كما كانت تجمع أموالاً إضافية من بيع مستلزمات الأطفال المستعملة والاقتراض من الأصدقاء وتنفيذ أعمال متفرقة، لتتمكّن بالكاد من إبقاء الكهرباء في منزلها الذي تعيش فيه مع زوجها وأطفالهما الخمسة.
وفي أحد أيام تموز/يوليو، اضطرت إلى تسديد ثلاث دفعات صغيرة للشركة خلال اليوم نفسه، بقيمة 7.15 دولارات، ثمّ 3.65 دولارات، ثمّ 3.14 دولارات.
لكنّ كوبر أدركت أنّ الأزمة تتجاوز قدرتها على تدبير بضعة دولارات يومياً، فبدأت البحث عن أسباب ارتفاع تكاليف الكهرباء.
كانت أوكلاهوما تتحوّل إلى مركز رئيسي لمراكز البيانات، مستقطبةً شركات مثل "غوغل" و"ميتا" عبر إعفاءات ضريبية وأراضٍ رخيصة، في مسعى لجعل الولاية "عاصمة مراكز البيانات عالية التقنية في العالم"، وفقاً لما أعلنه حاكمها كيفن ستيت عام 2025.
وكان من المتوقّع أن يستهلك أحد مراكز البيانات المقترحة خارج مدينة ماكاليستر، عند تشغيله بكامل طاقته، خلال أسبوع واحد، كهرباء تفوق ما تستهلكه جميع منازل المدينة خلال عام كامل.
في المقابل، كانت شركة الكهرباء تخطّط لاستثمار 1.2 مليار دولار في منشآت جديدة لتوليد الكهرباء وتخزينها، لمواكبة الطلب المتزايد الناجم عن نمو السكان والمنازل والشركات الجديدة.
ورغم إقرار قانون في الولاية يهدف إلى إلزام أكبر المستهلكين الجدد بدفع حصتهم من التكاليف، فإنّ جزءاً من تكاليف زيادة القدرة الكهربائية كان قد وقع بالفعل على عاتق الزبائن العاديين.
وعام 2024، سجّلت الشركة 58 عملية قطع للكهرباء مقابل كل 100 زبون سكني، وهو أعلى معدّل بين شركات المرافق المملوكة للمستثمرين في الولايات المتحدة.
وأوضحت الشركة أنّ معظم هذه العمليات تركز في عدد محدود من حسابات الدفع المسبق، حيث تُقطع الخدمة عند نفاد الرصيد، ثمّ تعود خلال دقائق من تسديد المبلغ.
تعود الكهرباء، ثمّ تنقطع مجدداً. تعود، ثمّ تنقطع.
وكانت الشركة قد وعدت بإلغاء بعض رسوم التأخير على فواتير الصيف المرتفعة، وتقديم مهل إضافية وخطط تقسيط، مؤكّدةً أنّ "القدرة على تحمّل التكاليف أمر مهم"، وأنّها "لا تتعامل باستخفاف مع أي تغيير في الفواتير".
لكنّ كوبر وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي مئات الشكاوى من سكان أوكلاهوما الذين يواجهون الأزمة نفسها.
كتب أحدهم: "فاتورتي غير معقولة. أعتقد أنّني سأحترق من الحر فحسب".
وقال آخر: "أستخدم مصباح هاتفي قبل أن أشغّل أي ضوء، ومع ذلك أدفع 100 دولار أسبوعياً".
وكتبت أمّ عزباء: "بكيت خلال مكالمتي معهم الأسبوع الماضي، لأنّ فاتورتي مرتفعة جداً".
وأضاف شخص آخر: "فاتورتي الشهرية تقارب 900 دولار. أعرف أنّ الجو حار، لكنّ هذه أشبه بفاتورة تكييف على كوكب الزهرة".
في منتصف أيلول/سبتمبر، أطلقت كوبر عريضة عبر الإنترنت للمطالبة بفواتير كهرباء أكثر شفافية وبأسعار يمكن تحمّلها.
وكتبت: "نحن، زبائن شركة PSO، نرفع أصواتنا. نريد أن تُسمع أصواتنا وأن تُعالَج مخاوفنا".
لكنّ العريضة لم تجمع سوى 24 توقيعاً، فيما كانت كوبر تتلقّى تحذيراً جديداً بشأن انخفاض رصيدها واحتمال قطع الكهرباء عنها.
ومع اقتراب نفاد رصيدها، لجأت برفقة ويتز إلى عدد من الجمعيات الخيرية والكنائس في المدينة طلباً للمساعدة في تسديد فاتورة الكهرباء.
لكنّ معظم الجهات التي قصدتاها كانت قد استنفدت مواردها المخصّصة للمساعدات، وسط تزايد أعداد الأسر المحتاجة. فإحدى الجمعيات كانت تملك موارد لمساعدة عشرة أشخاص فقط شهرياً، فيما كان طلب كوبر هو الثالث والأربعين.
وفي متجر للسلع المستعملة، قال صاحبه، الذي اعتاد مساعدة الأسر المحتاجة: "لديّ موظفون قُطعت الكهرباء عن منازلهم. المدينة بأكملها تغرق في الظلام. أنا آسف، لكنّني لا أستطيع المساعدة".
وفي الكنيسة المعمدانية الأولى، طلبت كوبر ما بين 10 دولارات و20 دولاراً فقط للحفاظ على الكهرباء في منزلها، لكنّ القس أبلغها بأنّ المساعدات نفدت، وأنّ فاتورته الشخصية بلغت 1800 دولار في الشهر السابق.
عادت كوبر إلى منزل ويتز من دون الحصول على مساعدة، لتجد رسالة جديدة تطالبها بالدفع فوراً لتجنّب قطع الخدمة. ومع احتمال انقطاع الكهرباء عن منزلها، اتفقت مع ويتز على أن يبقى أطفالها عندها لبضع ليالٍ إذا اقتضت الضرورة. ثمّ دخلتا المنزل المظلم، وعادتا إلى غرفة المعيشة التي تحاول ويتز وزوجها الحفاظ على برودتها، في انتظار ما ستؤول إليه أزمة الكهرباء.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.