"Responsible Statecraft": عندما تدرك السعودية أنها راهنت على الحصان الخاسر

قد تسهم حرب ترامب في تسليم منطقة الخليج، والرياض قبل كل شيء، للصين.

  • "Responsible Statecraft": عندما تدرك السعودية أنها راهنت على الحصان الخاسر

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يناقش كيف يمكن أن تؤدي الحرب الأميركية على إيران إلى إضعاف الثقة السعودية بواشنطن ودفع الرياض إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاستراتيجية، ولا سيما عبر التقارب أكثر مع الصين.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

خاضت الولايات المتحدة الحرب مع إيران انطلاقاً من اعتقاد مفاده أن القوة الأميركية قادرة على سحق قدرة طهران على تهديد الشرق الأوسط بسرعة. لكن بالنسبة إلى السعودية، تكاد الحرب تؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً.

لقد تلقت إيران ضربات قاسية، لكنها وحلفاءها الإقليميين أثبتوا أنهم لا يزالون قادرين على تهديد المدن السعودية والمنشآت النفطية وخطوط الأنابيب ومسارات التصدير. وفي الوقت نفسه، أظهرت واشنطن أنّ امتلاك قوة هجومية ساحقة لا يُترجم بالضرورة إلى حماية فعالة لشركائها في الخليج. ومن المرجح أن تكون النتيجة إعادة تقييم سعودية تاريخية: ثقة أقل بالولايات المتحدة، واعتماد أكبر على الشركاء الإقليميين، وعلاقة استراتيجية أوثق بكثير مع الصين.

مشكلة السعودية الجغرافية ليست جديدة. ففي مقال نشرتُه في موقع "LobeLog" في أيلول/سبتمبر 2019، وصفتُ "تطويق" إنتاج النفط السعودي من جانب إيران والقوى المتحالفة معها. ففي ذلك العام، أظهر الهجوم على مجمع بقيق لمعالجة النفط مدى دقة الأسلحة المتاحة لطهران أو حلفائها وقدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة. كما كشف هجوم سابق للحوثيين على محطات ضخ تخدم خط الأنابيب بين الشرق والغرب أن طريق التصدير البديل للمملكة نحو البحر الأحمر معرض للخطر أيضاً. وبالمثل، أثارت الهجمات قرب الفجيرة الشكوك في الاعتقاد بأن ناقلات النفط وخطوط الأنابيب الواقعة خارج مضيق هرمز ستظل آمنة في حال وقوع أزمة.

وكانت الرسالة الاستراتيجية واضحة ومباشرة. فلا تستطيع السعودية حماية منظومتها النفطية بمجرد إنشاء طرق تتجاوز نقطة اختناق واحدة. فحقولها ومنشآت المعالجة تقع قرب الخليج، ويمتد خط الأنابيب بين الشرق والغرب عبر أراضٍ شاسعة ومكشوفة، كما يمكن تهديد منفذه على البحر الأحمر من اليمن. وقد منح نفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن طهران القدرة على ممارسة الضغط على امتداد جزء كبير من محيط المملكة.

في عام 2019، شعر القادة السعوديون بخيبة أمل كبيرة عندما لم ترد الولايات المتحدة على إيران عسكرياً بسبب الهجوم على بقيق. فقد استثمروا بكثافة في علاقتهم بإدارة ترامب الأولى. وفي وقت لاحق، عزز التزام صندوق الاستثمارات العامة السعودي باستثمار ملياري دولار في شركة الأسهم الخاصة التابعة لجاريد كوشنر الانطباع بأن الرياض كانت تتوقع أن توفر لها علاقاتها الوثيقة بعائلة ترامب وصولاً مميزاً ودعماً موثوقاً. ومهما كانت توقعات السعوديين، فإن هجوم بقيق كان قد كشف بالفعل حدود الضمانة الأمنية الأميركية.

اقرأ أيضاً: "نيويوركر": دبلوماسية الدولار لجاريد كوشنر

أما الحرب الحالية، فتجعل هذه المشكلة أكبر بكثير. تستطيع الولايات المتحدة تدمير أهداف في مختلف أنحاء إيران، لكنها لم تتمكن من منع طهران وشركائها من الرد في أنحاء المنطقة. وتدفع السعودية الآن ثمن صراع لم تبدأه ولا تستطيع السيطرة عليه. ويمكن للدفاعات الصاروخية ودفاعات الطائرات المسيّرة اعتراض كثير من التهديدات، لكن لا توجد مظلة دفاعية مثالية، ولا سيما في مواجهة هجمات متكررة ومنخفضة الكلفة تستهدف بنى تحتية مترامية الأطراف.

وتؤكد الضربات الأخيرة على خط الأنابيب بين الشرق والغرب النقطة التي طُرحت عام 2019: فالطريق الذي صُمم لضمان استمرار صادرات السعودية في حال إغلاق هرمز هو نفسه هدف للهجمات. والمملكة ليست محاطة بجيوش إيرانية تقليدية، بل بشبكة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات والتهديدات البحرية.

وعليه، فإن المسألة بالنسبة إلى الرياض لا تتعلق ببساطة بقوة الجيش الأميركي، بل بعدم التوافق بين القوة الأميركية والأمن السعودي. فقد تكون واشنطن قادرة على معاقبة إيران بشدة، من دون أن تكون قادرة على منع الهجمات على بقيق أو رأس تنورة أو ينبع أو خط الأنابيب الذي يربط بينها. بل إن حرباً طويلة قد تزيد من وتيرة هذه الهجمات، لأنها تمنح إيران حافزاً لرفع الكلفة على شركاء أميركا. ومن المرجح أن تكون السعودية اليوم أكثر غضباً من عجز الحماية الأميركية مما كانت عليه إزاء ضبط النفس الأميركي عام 2019.

ولا يقتصر التدهور على الدفاع المباشر. فقد بدا الاتفاق النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية في وقت من الأوقات كأنه حجر الأساس في صفقة استراتيجية أوسع. لكن بعد دعمه للاتفاق، جعل الرئيس ترامب مستقبله السياسي علناً مشروطاً بمشاركة السعودية في "اتفاقيات أبراهام". ويُعد هذا الشرط بالغ الصعوبة على ولي العهد محمد بن سلمان في ظل استمرار "إسرائيل" في عملياتها في غزة، وتصعيد ضغوطها في الضفة الغربية، وشنها الحرب في جنوب لبنان. وقد أُحيل الاتفاق إلى الكونغرس، ولم يمت رسمياً، لكن ربطه بالتطبيع وضعه في مأزق سياسي خطير.

ومن وجهة نظر الرياض، حوّلت واشنطن مجدداً منفعة استراتيجية كانت قد وعدت بها إلى أداة مشروطة بخدمة السياسة الأميركية و"الإسرائيلية".

وبات على القادة السعوديين الآن أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانوا قد راهنوا على الطرف الخطأ. ومن غير المرجح أن تكون إجابتهم قطعاً كاملاً مع واشنطن. فالولايات المتحدة ستظل مورداً مهماً للأسلحة، ومستثمراً وشريكاً عسكرياً. لكن المملكة بدأت بالفعل في بناء بدائل.

فـ"اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وقعتها السعودية وباكستان وتركيا في آب/أغسطس، تلزم الدول الثلاث بالتعامل مع أي هجوم على إحداها باعتباره هجوماً عليها جميعاً. ولا تزال الالتزامات العملية للاتفاقية بحاجة إلى الاختبار، لكن معناها السياسي واضح: السعودية لم تعد تريد أن يعتمد بقاؤها على حامٍ خارجي واحد. فباكستان توفر مكانة نووية وعلاقة عسكرية ممتدة، فيما تمتلك تركيا صناعة دفاعية قادرة وقوات مسلحة وخبرة ضمن حلف شمال الأطلسي "الناتو". ومعاً، توفران للرياض طبقة إضافية من الردع والاستقلالية الاستراتيجية.

أما الصين، فهي البديل الأكثر أهمية. فهي أكبر مشترٍ لنفط الخليج، وشريك اقتصادي لا غنى عنه في خطط التنمية السعودية، وإحدى القوى القليلة التي تمتلك نفوذاً حقيقياً في طهران. كما توسطت بكين في استعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية-الإيرانية عام 2023. وعلى خلاف واشنطن، لا تطلب الصين من الرياض تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" أو الاصطفاف علناً إلى جانب حرب إقليمية مثيرة للانقسام. وقد يخلص القادة السعوديون بصورة متزايدة إلى أن الصين، وتحديداً لأنها تحتفظ بعلاقات مع الجانبين، في موقع أفضل لكبح إيران وحماية الاستقرار التجاري الذي تعتمد عليه المملكة.

ولا يعني ذلك أن الصين ستحل محل الولايات المتحدة بوصفها الحامي العسكري للسعودية. فبكين لا تمتلك بنية القوات الإقليمية التي تمتلكها أميركا، كما لا يبدو أنها ترغب في وراثة أعبائها الأمنية. لكن النفوذ لا يتطلب إحلالاً مطابقاً. إذ تستطيع الصين توفير التكنولوجيا الرقمية والنووية، والاستثمارات، والوصول الدبلوماسي، وربما مزيداً من التعاون الدفاعي في نهاية المطاف، بينما تبني السعودية منظومة أمنية متنوعة تشمل واشنطن وبكين وإسلام آباد وأنقرة. وكل خيبة أمل جديدة من الولايات المتحدة تسرّع هذه العملية.

والمفارقة الكبرى هي أنّ حرباً أميركية كان المقصود منها إعادة تأكيد قوة الولايات المتحدة قد تؤدي بدلاً من ذلك إلى تقليص هيمنتها في الخليج. فقد أزال غزو الرئيس جورج دبليو بوش للعراق أبرز قوة عربية موازنة لإيران، ومنح طهران نفوذاً هائلاً في بغداد. أما حرب الرئيس ترامب مع إيران، فتنطوي على خطر إحداث انقلاب استراتيجي مماثل. فمن خلال تعريض السعودية للرد الانتقامي، وكشف حدود الحماية الأميركية، وربط التعاون بشروط سياسية غير مقبولة، تدفع واشنطن الرياض إلى البحث عن أمنها في أماكن أخرى.

لقد ساعدت حرب بوش على تسليم العراق لإيران. وقد تساعد حرب ترامب على تسليم الخليج، وفي مقدمته السعودية، للصين.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.