ترامب اختار الحرب المفتوحة... لكن إيران فرضت التوقيت؟!

الإيرانيون كانوا يعون أن ترامب يتحضّر لتوجيه ضربة لهم عقب انتهاء الانتخابات الأميركية، لذا اختاروا بدء المواجهة قبل الانتخابات وفي التوقيت الذي لا يناسب ترامب.

0:00
  • ترامب يخوض المعركة بالتوقيت الذي فرضته طهران.
    ترامب يخوض المعركة بالتوقيت الذي فرضته طهران.

يوم السبت الواقع فيه 19 أيلول/سبتمبر 2026 جرى تطور جذري في مجرى الصراع بين أنصار الله اليمنيين من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى، حين قام اليمنيون باستهداف مطار الرياض الدولي في العمق السعودي بصواريخ باليستية أدّت إلى تعطيله.

هذا التطور جاء بعد أيام على قيام اليمنيين باستهداف خط التابلاين السعودي "بترولاين" الذي يقوم بنقل نحو 80 في المئة من النفط السعودي من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطيل الصادرات النفطية السعودية بشكل شبه كامل، ما حدا بالسعوديين إلى إبلاغ مصافي النفط الأوروبية بأنهم لن يكونوا قادرين على نقل شحنات النفط اليهم. والجدير ذكره أن تجدد المواجهة بين السعوديين واليمنيين، إضافة إلى مواصلة الإيرانيين إغلاقهم مضيق هرمز، قد أدى إلى تصاعد أسعار النفط العالمية إلى ما يفوق المئة دولار للبرميل. 

قمة "الناتو" في أنقرة ونتائجها 

حتى نفهم خلفيات ما يحدث علينا أن نعود إلى انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا في 7 و8 تموز/يوليو 2026. في هذه القمة اختار الرئيس الأميركي الحضور شخصياً لإعادة ترتيب أوراق المواجهة مع إيران، وذلك بالقبول بالطلب الأوروبي للتصعيد في مواجهة روسيا في مقابل دعم الأوروبيين له في المواجهة مع إيران.

أما على الصعيد الإقليمي، فلقد اختار ترامب إعادة توزيع الأدوار إقليمياً بين الحلفاء وذلك بحصر الدور الإسرائيلي بالضغط على لبنان، وتحييد الإمارات المتحدة من المواجهة مع إيران، والدفع بالمملكة العربية السعودية وتركيا إلى الواجهة في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة بغية تحويل الصراع من صراع إسلامي – إسرائيلي إلى صراع سني – شيعي.

وبما أن ترامب يتحضّر حالياً للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي اختار أن يبقي الصراع مع إيران ضمن دائرة التوتر المنخفض على أن يوجّه ضربة إلى طهران عقب انتهاء الانتخابات الأميركية، حين يصبح متحرراً من هاجس استرضاء الناخبين الأميركيين، وبالتالي يصبح قادراً على الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز في السوق العالمية. 

ما إن انتهت قمة "الناتو" حتى بدأت تركيا تعزز نفوذها في سوريا، حيث تطمح لأن تكون المنطقة الممتدة من الشمال إلى العاصمة دمشق تحت نفوذها على أن تكون المنطقة الواقعة إلى الجنوب من دمشق تحت النفوذ الإسرائيلي.

بالتوازي مع ذلك،  ظنت المملكة العربية السعودية أن الفرصة باتت سانحة لها لأن توجه ضربة إلى أنصار الله في اليمن بغية حسم الصراع معهم والدائر منذ عام 2015، فإذا بها تبادر بعد أسبوع على قمة أنقرة إلى قصف مطار صنعاء خارقة الهدنة مع اليمنيين. في هذا الوقت كان دونالد ترامب يحاول الضغط على الإيرانيين عبر الوسطاء لكي يفتحوا مضيق هرمز بما يحقق له إنجازاً سياسياً يمكن أن يقدّمه للناخبين الأميركيين بغية كسب تأييدهم للحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة. 

الرد اليمني يفاجىء السعوديين 

على المقلب الآخر، فاجأ اليمنيون السعوديين باختيارهم الرد على العدوان السعودي من دون سقوف، فإذا بهم يصعدون الرد بدءاً بمنع السفن السعودية أو السفن المتجهة إلى المرافئ السعودية في البحر الأحمر من المرور في مضيق باب المندب، ثم باستهداف مصافي النفط السعودية في جيزان والتي اتبعوها بهجوم على  الجبهات كافة في محافظات مأرب وتعز والحديدة، وإذا بالوحدات السعودية وحلفائها تنهار وتندحر فاتحة في المجال أمام أنصار الله للسيطرة على كامل الساحل اليمني الممتد من الحديدة شمالاً إلى ميناء المخا الملاصق لباب المندب جنوباً، إضافة إلى سيطرة أنصار الله على الجزر اليمنية التي تتوسط باب المندب بما جعل المضيق بالكامل تحت سيطرتهم. وقد اتبع اليمنيون ذلك باستهداف خط بترولاين الذي تستخدمه السعودية لتصدير 80 في المئة من نفطها، ما عطّل هذا الخط بالكامل وعطّل معه تصدير النفط السعودي بشكل شبه كامل. 

أما بالنسبة إلى الإيرانيين، فقد أصروا على إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، مشترطين لفتحه التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الأعمال الحربية ورفع العقوبات الأميركية بشكل كامل وليس مجرد وقف لإطلاق النار الذي كان قد عرضه عليهم دونالد ترامب.

مع حلول أواخر شهر آب/ أغسطس، كان ترامب قد حاول المناورة عبر دفع بعض حاملات النفط الأميركية التي ترفع أعلام دول أخرى لمحاولة المرور في مضيق هرمز من دون أخذ إذن من الإيرانيين ما دفع بهؤلاء إلى استهداف هذه السفن.

هنا، حاول ترامب توجيه ضربة محدودة إلى إيران عبر استهداف مناطق في جنوب البلاد في محاولة لتصوير نفسه بمظهر الرئيس الحازم، وللضغط على الإيرانيين حتى يفتحوا المضيق، إلا أنه في الوقت نفسه كان مصراً على إعلام الإيرانيين بأن الضربة محدودة حين أعلن في اليوم التالي للغارات الأميركية بأن الأمور ستتوقف عند هذا الحد. 

ترامب يخوض المعركة بالتوقيت الذي فرضته طهران 

لقد شكل إعلان ترامب هذا دليلاً على أنه لا يريد حرباً مفتوحة قبل الانتخابات الأميركية تؤدي إلى رفع أسعار النفط العالمية بما يؤثر على الناخبين الأميركيين سلباً، ويدفعهم إلى صب جام غضبهم عليه ويدفعهم إلى معاقبته عبر التصويت لخصومه في الانتخابات المقبلة.

لكن الإيرانيين كانوا يعون بأن ترامب يتحضر لتوجيه ضربة لهم عقب انتهاء الانتخابات الأميركية، لذا  اختاروا بدء المواجهة قبل الانتخابات وفي التوقيت الذي لا يناسب ترامب على أن يتدرجوا في التصعيد بما يؤدي إلى رفع أسعار النفط العالمي بشكل تدريجي إلى مستويات عالية قد تصل إلى ما فوق 120 أو حتى 130 دولاراً للبرميل بما يؤدي إلى أزمة اقتصادية عميقة في الولايات المتحدة تدفع الناخبين الأميركيين إلى التصويت ضد ترامب وحزبه. 

خطوة الإيرانيين هذه يبدو أنها منسقة تماماً مع التصعيد الذي يقوم به اليمنيون في مواجهة السعوديين، حيث أصبحنا في موقف يتم فيه إغلاق مضيقين من المضائق الرئيسية في العالم هما مضيق هرمز وباب المندب بما سيؤثر على ما لا يقل من 30 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية، إضافة إلى التأثير سلباً على حركة السلع العالمية. ويبدو أننا ما زلنا في البدايات إذ إننا كلما اقتربنا من الانتخابات الأميركية  زاد الإيرانيون واليمنيون من ضغوطهم بما يجعل موقف ترامب أكثر حراجة. 

ومن نتائج هذه التطورات ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل حتى الآن، مع ارتفاع كبير في نسب التضخم حول العالم وخصوصاً في الولايات المتحدة بما دفع بالبنك الفدرالي الأميركي إلى زيادة الفوائد على سندات الخزينة لتصل إلى أربعة في المئة وهو من أعلى أرقام الفوائد على مدى العقود الثلاثة الماضية، وهذا يهدد بانكماش خطير في الاقتصاد الأميركي والقدرة التنافسية للبضائع الأميركية في السوق العالمية إضافة إلى القدرة الشرائية للمواطن الأميركي.

وقد يزيد هذا من نقمة الأميركيين على ترامب والجمهوريين بما يؤدي إلى فقدانه السيطرة على الكونغرس لصالح خصومه الديمقراطيين الذين يتحضرون للانتقام منه. وفي ظل جمهور متعصب يدعم ترامب فقد لا يقبل الجمهوريون بالنتائج بما يدفع الأميركيين إلى الانقسام والمواجهة في ما بينهم وهذا بحد ذاته قد يشل القدرة الأميركية على شن عدوان كبير واسع على إيران، وهو ما كان ترامب ينوي القيام به عقب الانتخابات الأميركية.