"peoplesdispatch": زيارة مودي لـ"إسرائيل" وتحوّل الهند عن سياسة مناهضة الاستعمار

التزمت الهند الصمت إلى حد كبير في العقد الماضي إزاء انتهاكات "إسرائيل" لقرارات الأمم المتحدة وإبادتها الجماعية في غزة، في التزام وُصف بالإيديولوجي، في ظلّ تكثيف حكم حزب "بهاراتيا جاناتا" اليميني المتطرف والمُؤيّد لتفوُّق الهندوس العلاقات مع "تل أبيب".

0:00
  • رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلل لقائه نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خلال زيارة لـ
    رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلل لقائه نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خلال زيارة لـ"إسرائيل"

تحدّث موقع "peoplesdispatch"، في مقال، عن أبعاد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى "إسرائيل" للقاء نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في حين تُواجه "إسرائيل" إدانةً واسعةَ النطاق لاستمرارها في شنّ حرب إبادةٍ جماعيةٍ في غزة ولبنان، وتنتهك بشكل صارخٍ اتفاقيات وقف إطلاق النار، ويشير إلى التحول في السياسة الخارجية الهندية من دعم قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مُستقلةٍ إلى النأي بالنفس عن أي إجراءات تدعم تحقيقها. 

وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

على الرغم من أنَّ الهند تُحافظ رسمياً على دعمها لقيام دولةٍ فلسطينيةٍ مُستقلةٍ، إلا أنَّها التزمت الصمت إلى حدّ كبيرٍ خلال العقد الماضي إزاء انتهاكات "إسرائيل" لقرارات الأمم المتحدة والإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة.

توجَّه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى "إسرائيل" للقاء نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث ألقى كلمةً أمام "الكنيست"، وووقع اتفاقيات من شأنها تعزيز التعاون الأمني ​​بين الطرفين، في زيارة هي الأولى لرئيس وزراء هندي يزور "إسرائيل" منذ عام 2017.

وقد قُوبلت زيارة مودي برفضٍ شديدٍ من قبل أحزاب المعارضة وجماعات المجتمع المدني الهندية، وأعضاء اللجنة الدائمة للشؤون الخارجية في البرلمان الهندي، الذين يُشكّكون في أهداف وتوقيت زيارة مودي الآن، في حين تُواجه "إسرائيل" إدانةً واسعةَ النطاق لاستمرارها في شنّ حرب إبادةٍ جماعيةٍ في غزة ولبنان، وتنتهك بشكل صارخٍ اتفاقيات وقف إطلاق النار.

لقد تجاوزت الإحصائية الرسمي للضحايا في غزة 70  ألف ضحيةٍ، مع أنَّه يُعتقد على نطاقٍ واسعٍ أنَّه أقلُّ من العدد الحقيقي، وهو عدد ما يزال في ازديادٍ كل يومٍ، كما نزح الملايين داخل قطاع غزة، ولبنان، وسوريا جرّاء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على مدى العامين والنصف الماضيين. وفي الوقت نفسه، تصعدُ "إسرائيل" محاولاتها لضمّ الضفة الغربية المحتلة، وتهدَّد بالدخول في حرب أخرى مع إيران.

وكانت الهند قد أصدرت تحذيراً لمواطنيها بمغادرة إيران فوراً أول الأسبوع الجاري، خشية أن يُؤدّي أي هجومٍ أميركي مُحتملٍ إلى حربٍ إقليميةٍ واسعةٍ. كما أعلنت إيران بالفعل أنَّه في حال تعرُّضها لهجوم، فإنَّ "إسرائيل" وغيرها من المنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة ستكون أهدافاً مشروعةً لها.

من مناهضة الاستعمار إلى تأييد الصهيونية

تقوم منظمة "الشعب الهندي المتضامن مع فلسطين"، المؤلفة من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، بتنظيم احتجاجات ضدَّ زيارة مودي في عدَّة مدن الأسبوع الماضي، مُندّدةً بتقارب البلاد مع "إسرائيل"، وتحوُّلها عن التزاماتها المعلنة بمناهضة الاستعمار. فلقد كانت الهند من بين الدول القليلة التي صوتت ضدَّ خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947، ودعت بدلاً من ذلك إلى إقامة دولةٍ فلسطينيةٍ اتحاديةٍ مع منح الحكم الذاتي للمناطق اليهودية والعربية. وقد جاء ذلك مباشرةً بعد استقلالها عن الاحتلال الاستعماري البريطاني.

كما كانت الهند أيضاً من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثّلٍ شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وقد افتتحت المنظمة الفلسطينية إحدى أُولى بعثاتها الدبلوماسية في العالم عام 1974 في الهند. وفي عام 1988، كانت الهند من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بدولة فلسطين، وإحدى الدول القليلة التي قاومت الاعتراف بـ"إسرائيل"، بل ورفضت حتى إقامة أي علاقات دبلوماسية رسمية معها لعقود منذ العام 1948. 

كما لم تعترف الدولة الواقعة في جنوب آسيا رسمياً بـ"إسرائيل" إلا في العام 1950. ولم تُقم العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلا في فترة ما بعد الحرب الباردة في كانون الثاني/يناير 1992، عندما تحوَّلت الهند عن عدم الانحياز، واعتمدت سياسةً خارجية نيوليبراليةً مؤيدة للولايات المتحدة.

بعد وصول أول حكومة للتحالف الوطني الديمقراطي "إن دي إيه" إلى السلطة بقيادة حزب "بهاراتيا جاناتا" في عام 1998، تسارعت وتيرةُ العلاقات بين "إسرائيل" والهند، وسرعان ما أصبحت الهند إحدى أكبر مُشترٍ للمعدات العسكرية الإسرائيلية في العالم.

ويصف الصحافي المؤسس لموقع "نيوزكليك" برابير بوركايستا، أنَّ تكثيف العلاقات مع "إسرائيل" الصهيونية في ظلّ حكم حزب "بهاراتيا جاناتا" اليميني المتطرف والمُؤيّد لتفوُّق الهندوس،  بأنّه "التزام أيديولوجي"، ما يُفسّر الاحتضان العلني لـ"إسرائيل" ومواقفها الصهيونية منذ وصول مودي إلى السلطة في عام 2014، وهيمنة حزبه على السياسة الهندية.

احتضان صريح للصهيونية

على الرغم من أنَّ الهند لا تزال تدعم "حلَّ الدولتين"، وتتظاهر أحياناً بالتزامها بمناهضة الاستعمار والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إلا أنَّها تنأى بنفسها بشكلٍ متزايدٍ عن الإجراءات جميعها التي تدفع نحو تحقيقها. وقد التزمت الهند في عهد مودي الصمت إلى حد كبير بشأن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وتجاهلت مُمارسات الاحتلال والفصل العنصري في الضفة الغربية والقدس، وامتنعت من التصويت على العديد من القرارات التي تنتقد الإبادة الجماعية الإسرائيلية، أو تطالب بوقف إطلاق النار.

وكان من أبرز مظاهر تردُّد حكومة مودي هو التشكيك بأنَّ "إِسرائِيل" تزدري بشكل كامل القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، حتى أنَّها رفضت حتى إدانة هجماتها الأحادية على إيران في حزيران/يونيو في العام الماضي. كما امتنعت الهند عن انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة الإيرانية والتزامات ميثاق الأمم المتحدة، واكتفت بالتعبير عن "مخاوفها" حيال ذلك.

والآن طورت الهند علاقة استراتيجية وثيقة للغاية مع "إسرائيل"، وأقامت العديد من شركات تصنيع المعدات الدفاعية الهندية، مشاريع مشتركة مع شركات إسرائيلية، لتصنيع المعدات العسكرية في الهند التي تُعد حالياً ثاني أكبر شريك تجاري لـ"إسرائيل في آسيا"، حيث بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي أكثر من 6.5 مليار دولار أميركي في العام الماضي.

وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين ألغت "إسرائيل" تصاريح عمل 150 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة، برزت الهند كإحدى أهم الدول المورَّدة للعمالة إلى "إسرائيل"، حيث يعمل آلاف الهنود الآن في "إسرائيل" رغم الوضع المتأزم هناك، كبديلٍ عن الفلسطينيين في الغالب.

وحتى خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة للفلسطينيين في غزة، حين فُرضت عقوباتٍ على وزراء إسرائيليين، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حتى من قبل حلفائها الأوروبيين المقرَّبين، وأعلنتهم المحكمة الجنائية الدولية مجرمي حرب مع صدور أوامر اعتقال بحقّهم، رحَّبَت الهند بسموتريتش لتوقيع العديد من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية في العام الماضي.

في المقابل، ترى الأحزاب اليسارية الهندية العلاقات الدفاعية والاستراتيجية المتنامية بين الهند و"إسرائيل" بأنَّها رعاية للاحتلال الصهيوني والفصل العنصري والإبادة الجماعية في فلسطين.

ووصف الأمين العام لـ"الحزب الشيوعي" الهندي "إم إيه بيبي"، زيارة مودي إلى "إسرائيل" وسط الإبادة الجماعية المستمرَّة في غزة، بأنَّها خيانة لإرث الهند المناهض للاستعمار" ودعمها الراسخ لحقّ الفلسطينيين في تقرير المصير، وقال إنَّه "تحالف مشؤوم بين مودي ومجرم الحرب" نتنياهو، ووصمة عار لا تمحى في جبين الأمة.

وقال الوزير الاتحادي السابق ورئيس قسم الاتصالات في "حزب المؤتمر الوطني" المعارض الرئيسي جيرام راميش، إنّ سياسات حكومة مودي تجاه فلسطين "ساخرة ومنافقة".

وتساءل عن "التصريحات المتعلقة بالتزاماتها تجاه القضية الفلسطينية"، في حين أنَّ الهند في الواقع بقيادة مودي، لا تدين الجرائم الصهيونية، وزيارته إلى "إسرائيل" بمثابة بيان مفاده أن مثل هذه الانتقادات لم تؤثر في نهج حكومته تجاهها.