"Mondoweiss": الوضع اليائس في السعودية
بعد خذلان ترامب للسعودية وتعليقها محادثات التطبيع مع "إسرائيل" وفقدانها استخدام باب المندب لشحن النفط لجأت الرياض إلى حلفاء متردّدين طلباً للمساعدة.
-
ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان
أكد موقع "Mondoweiss" الأميركي أنّ المواجهة مع صنعاء كشفت عن ضعف السعودية وخطئها في الحسابات وعدم موثوقية الولايات المتحدة كشريك أمني، لذلك بدأت الرياض باللجوء إلى إشراك باكستان وتركيا اللتين تتردّدان في الانخراط بشكل كبير خشية من التداعيات. وحتى عندما ناشدت الرياض "إسرائيل" لمساعدتها، فإنّ الأخيرة ستستغل مساعداتها للضغط من أجل تطبيع العلاقات.
النص منقولاً إلى اللغة العربية
مؤخراً، أعلنت فرنسا أنها سترسل قوات وأنظمة دفاعية ومعدات رادار إلى السعودية للدفاع عن البنية التحتية النفطية الرئيسية، حيث يتوقّع أن يكون القرار الفرنسي نقطة تحوّل مهمة في الصراعات المستمرة التي تشمل الولايات المتحدة وإيران والسعودية واليمن. وقد يعكس أيضاً تغيّرات في الاستراتيجيات على المدى الطويل.
كان السعوديون يبحثون يائسين عن المساعدة منذ أن تصاعد صراعهم مع أنصار الله في اليمن مرة أخرى خلال الصيف الماضي. وقد كشف القتال عن ضعف السعودية وعدم موثوقية الولايات المتحدة كشريك أمني.
يدفع السعوديون الآن ثمن بعض القرارات غير الحكيمة. أكبر تلك الأخطاء كان البطء الشديد في إدراك أنّ الولايات المتحدة رغم كلّ عيوبها في السياسة الخارجية، كانت شريكاً استراتيجياً موثوقاً للغاية للسعوديين الذين يعتمدون عليها في الأمن والدفاع، مع أنّ الأمر كان واضحاً للرياض خلال الفترة الرئاسية الأولى لترامب، عندما رفضت الولايات المتحدة الرد على هجمات أنصار الله على حقول النفط السعودية، مما أثار غضب الرياض، التي أوحت أنها تعيد تقييم اعتمادها على الغطاء الدفاعي الأميركي.
لكنّ ذلك لم يدفع السعودية للتحرّك بسرعة كافية لتقليل دور واشنطن في الدفاع عنها، وبدلاً من ذلك، تحرّك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نحو تنويع شراكات اقتصاد بلاده، وتوجيهه وفقاً لخطة رؤية السعودية 2030، وتعميق العلاقات مع الولايات المتحدة في بناء برنامج نووي مشترك، والتعاون مع هوس ترامب وجو بايدن بجعل السعودية تطبّع العلاقات مع "إسرائيل".
كذلك، كان ولي العهد السعودي يعمل أيضاً مع العراق والصين لتحسين علاقات بلاده مع إيران. ولكنّ هذه الجهود تعرّضت لضغوط بسبب الهجمات الأميركية والإسرائيلية في عامي 2025 و2026 على إيران، مما أدى إلى إجهاضها. كما أدى هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والإبادة الجماعية الإسرائيلية التي تلت ذلك في غزة والتسارع الكبير في توسّع المستوطنات والتطهير العرقي في الضفة الغربية، إلى تراجع أيّ تقدّم نحو تطبيع العلاقات بين الرياض و"تل أبيب".
مع ذلك، واصلت الرياض محاولاتها للتأثير في جميع الأطراف مع دخول الحرب على إيران مرحلتها الثانية في نهاية شباط/فبراير من هذا العام، وشجّعت الدبلوماسية علناً وسراً، بينما حثّت الولايات المتحدة في الوقت نفسه على شنّ هجوم شامل، إن كان الهجوم هو هدفها أصلاً. إلا أنّ الردّ الإيراني أجبر السعودية على الامتناع من استخدام أراضيها ومجالها الجوي لشنّ هجمات على إيران بعد مرور أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، ونتيجة لذلك، تعرّضت المملكة لهجمات أقل بكثير من دول الخليج الأخرى.
وقد نجح ذلك لفترة من الوقت، إلا أنّ السعوديين ارتكبوا بعدها خطأ فادحاً بمهاجمتهم مطار صنعاء في تموز/يوليو الماضي لمنع عودة وفد حوثي من إيران، كان يشارك بتشييع السيد علي خامنئي، الذي اغتيل في غارة جوية أميركية. كما بدا أنّ الهجوم على صنعاء نُفّذ بالشراكة مع "الحكومة اليمنية" المدعومة من السعودية، بمحاولة لثني إيران عن تعزيز تعاونها مع أنصار الله كي لا يكون لهم دور أكبر في الحرب الدائرة على مضيق هرمز.
ومهما كانت نيّات الرياض وأفكارها، فقد ارتدّت الهجمات بشكل كبير على السعودية، حيث أنهى أنصار الله فترة الهدنة النسبية التي استمرت 4 سنوات وبدأوا بمهاجمة المواقع السعودية في اليمن والمملكة، وسرعان ما انتقلوا إلى منع السفن السعودية من عبور مضيق باب المندب في البحر الأحمر. ومؤخراً، هاجم أنصار الله منشآت سعودية رئيسية في ينبع، وعطّلوا أجزاء من خط أنابيب شرق - غرب الذي كانت تستخدمه السعودية كطريق بديل لمضيق هرمز لتصدير النفط.
رغم كلّ هذا، بقيت الولايات المتحدة على الهامش. عندما استنجد محمد بن سلمان بترامب مباشرة، أدار الرجل الذي جمع مليارات الدولارات لنفسه ولعائلته من علاقته مع السعودية ظهره لشريكه التجاري السابق.
مخاطر الاعتماد على الفساد
لا شكّ في أنّ ابن سلمان يشعر بالخيانة والإحباط من ترامب، ليس لأنه أكثر الرؤساء فساداً في التاريخ الأميركي فقط، بل لأنه أيضاً غير مؤهّل لإدارة هكذا مستوى من الأزمات تتجاوز قدراته بكثير. وكان ترامب قد تردّد في البداية بمساعدة السعوديين، ثم رفض بشكل قاطع، ثم غيّر رأيه، وبينما كانت القوات الأميركية تتحضّر لمهاجمة أنصار الله، على الأرجح تراجع ترامب مرة أخرى تحت وطأة ذعر مستشاريه.
كما أنّ توصّل ترامب إلى تفاهم مع أنصار الله بشأن مضيق باب المندب، يقضي أن تترك الولايات المتحدة أنصار الله وشأنهم، بشرط موافقتهم على عدم إغلاق الممر المائي الحيوي. وبالفعل وافق أنصار الله على ذلك مع تحفّظ بأنهم سيستمرون بمنع السفن السعودية من المرور. ولم يكن أمام ترامب سوى الموافقة الصامتة، نظراً لأنه كان قد عرّض الاقتصاد العالمي للخطر بالفعل بحربه ضدّ إيران.
والأسوأ من ذلك، أنّ الحرب مع إيران، على الرغم من تهويل ترامب الذي لا ينتهي، كانت كارثية على الجيش الأميركي. فقد دُمّرت معظم قواعده في منطقة الخليج، أو تضرّرت بشدّة، والمخازن تعاني نقصاً حاداً في صواريخ الاعتراض التي توفّر الحماية لبعض السفن الخارجة من مضيق هرمز، بنجاح معتدل، لكنه مكلف للغاية من حيث الموارد والقوى البشرية، كما أنّ هذه الجهود غير مستدامة.
في الحقيقة إنّ الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهة أخرى في هذه الحرب، وهي لا تستطيع تحمّل تكلفة مساعدة السعودية، سواء أراد ترامب ذلك أم لم يرد. فعلى الرغم من الفائدة الواضحة التي كان سيعود بها إغلاق باب المندب على شركاء أنصار الله الإيرانيين، فقد نجح هذا الترتيب معهم. فإيران، من جانبها، ظلت تستفيد من الضغط على الرياض، بينما السعودية ترغب في تجنّب صراع مباشر مع إيران القادرة على إلحاق أضرار هائلة بالبنية التحتية والاقتصاد السعودي في أيّ وقت.
وقد اهتزّت هذه الموازنة الدقيقة عندما أخطأت السعودية في حساباتها بتصعيد الصراع مع أنصار الله. ففي السابق، كان على صنعاء أن تكتفي بتهديد حركة الملاحة من معاقلها الداخلية. أما الآن مع توسّع الصراع، فقد سيطرت صنعاء على كل الأراضي الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، إضافة إلى عدة بلدات وجزر رئيسية، وهي تحيط بالكامل الأراضي المطلة على باب المندب. وهذا يعني أنها تستطيع إغلاق الممر شبه التام بجهد أقل، وبطرق تجعل من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل، على القوات العسكرية المعادية حماية الملاحة أو فتح الممر بالقوة.
لكنّ أنصار الله يدركون أنهم إذا أغلقوا المضيق أمام كل حركات المرور، فسوف تضطر دول أخرى إلى التحرّك. فالاقتصاد العالمي ببساطة لا يستطيع تحمّل ضربة أخرى بهذا الحجم. لذلك، هم راضون باستخدام هذا الأمر كورقة ضغط بدلاً من تنفيذه فعلاً، لكنّ ذلك لا يعني أنهم سيتخفّفون من الضغط على السعودية.
السعوديون يتوسّلون طلباً للمساعدة
من المستغرب أن تبدو السعودية عاجزة إلى هذا الحد أمام هجمات أنصار الله. ففي نهاية المطاف، تمتلك الرياض جيشاً ضخماً، وقد اشترت على مرّ السنين تكنولوجيا وأسلحة أميركية بمئات المليارات من الدولارات. كما أنّ المملكة تعاني قيوداً تفرضها طبيعتها. فجيشها، على الرغم من ضخامته، فهو مصمّم لضمان أمن النظام الحاكم، والحرس الوطني من نواح عديدة، بمثابة رقيب على الجيش. فالنظام برمّته هيكل بطريقة تفقد قدرة الجيش على القيام بانقلاب، لا للمشاركة في القتال.
كما أنّ المشتريات العسكرية التي تقوم بها السعودية هي بهدف ردع الهجمات الخارجية، لكن غالباً ما تحدّد مشتريات الرياض ليس بناء على الاحتياجات الاستراتيجية، بل كوسيلة لكسب ودّ دول قوية مثل الولايات المتحدة. والنتيجة أنّ هناك أسلحة متطورة، وطائرات حربية، ومالاً وفيراً، ودعماً لوجستياً أميركياً، ومستشارين عسكريين أجانب، وحلفاء متعددين، لكن عند جمع هذه الأجزاء المتفرّقة في الجيش السعودي، لا تنتج عنه قوة عسكرية بمستوى مجموع هذه المكوّنات، بل ما هو أضعف منها بكثير.
وبعد عقد من القتال ضد أنصار الله، وحتى بمساعدة العديد من الحلفاء، بمن فيهم الولايات المتحدة، لم تتمكّن السعودية من هزيمتهم. ويرجع جزء من ذلك إلى براعة أنصار الله وإتقانهم للحرب غير المتكافئة واستخدامهم الذكي للمساعدات التي يتلقّونها من حليفتهم القوية إيران. كما أنّ جزءاً كبيراً من عيوب الرياض ينبع من حاجتها إلى استخدام جيشها داخل الدولة بدلاً من مواجهة التهديدات الخارجية واعتمادها على الحلفاء لمساعدتها عند الحاجة.
ناشدت الرياض "إسرائيل" للمساعدة على الحصول على معلومات استخباراتية عن أنصار الله، التي يمكنها بالتأكيد تقديم المساعدات فيها. ومع ذلك، رغم أنه من المؤكد أنّ مصلحة "إسرائيل" هي مساعدة السعودية في معركتها في اليمن، يبدو أنّ الإسرائيليين يحتجزون مساعداتهم كرهينة للضغط على السعودية لأجل تطبيع العلاقات، مع أنه من غير المحتمل أنّ الرياض ستوافق على تطبيع الوضع فقط مقابل معلومات استخباراتية عن أنصار الله.
مع ذلك، تطمح "إسرائيل" إلى إقناع ابن سلمان بتخفيف موقفه بشأن ما ستضطر "إسرائيل" لتقديمه للفلسطينيين وهو التزام الرياض الذي "لا رجعة فيه" حتى الآن هو قيام دولة فلسطينية مقابل التطبيع، وفي الغالب، بنيامين نتنياهو يحاول فقط الحصول على كلّ ما يستطيع من ابن سلمان قبل انتخابات الشهر المقبل.
في البداية، لم تحاول السعودية إقحام شريكيها في "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" تركيا وباكستان في الصراع مع اليمن، لعلمها أنهما سيرونه صراعاً بعيداً لا يؤثّر في مصالحهما، باستثناء حقيقة أنه يؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
لكنّ الرياض تحاول الآن إقناع البلدين بالانضمام إلى القتال. وكما يبدو فإنّ باكستان وتركيا متردّدتان في الانخراط بشكل كبير، لكنهما في الوقت نفسه ملزمتان بمساعدة حليفهما السعودي بشكل أو بآخر.
وقد جاءت ردود الدولتين غير العربيتين داعمة، لكنها أشارت بوضوح إلى أنهما لا تنويان إشراك جيوشهما بدرجة عالية ما يعرّضهما لخطر ردّ فعل من جماعة أنصار الله، أو ما هو أشد إثارة للقلق، من شركائهما الإيرانيين. ورغم أنّ بريطانيا تعهّدت بتقديم بعض الدعم للسعودية على شكل طائرة للتزوّد بالوقود، إلا أنّ هذا الدعم رمزي في معظمه. وبذلك، يبقى تعهّد فرنسا هو الدعم الأكبر والأكثر جوهرية حتى الآن.
ويعتبر توقيت هذا الأمر بالغ الأهمية. فالسعودية تواجه تهديداً حقيقياً من الحرب مع صنعاء على أراضيها، ومن الحرب الدائرة مع إيران على اقتصادها. وقد اضطرت إلى التراجع عن وعودها بتسليم شحنات نفطية، وتضررت بشدة فرصها في تنويع اقتصادها عبر التجارة الدولية والسياحة. وستتفاقم كلّ هذه التهديدات إذا ما صعّدت الولايات المتحدة، كما يتوقّع الكثيرون، القتال ضد إيران في الشهر المقبل بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
لعل هذا يفسّر شعور فرنسا أيضاً بضرورة التحرّك العاجل حيال هذا الأمر. لكن يبقى أن نرى مدى جدّية باريس في مساعدة السعوديين. وهل هم مستعدّون لتعريض قواتهم للخطر؟ هذا غير واضح، وينطبق الأمر عينه على باكستان وتركيا. ومن المرجّح أن تحصل "إسرائيل" في مرحلة ما، على شيء من ولي العهد محمد بن سلمان أو أن تتراجع ببساطة، وتقدّم له المساعدة الاستخباراتية. ومن المحتمل أن يؤدّي تصعيد أميركي إلى دفع جماعة أنصار الله للتحرّك على نطاق أوسع في البحر الأحمر، مما سيجبر ترامب على اتخاذ موقف حاسم.
هذا سيناريو تصعيدي لن يفيد أحداً وسيؤدّي إلى غرق الاقتصاد العالمي بأكمله في مزيد من الخطر والخراب. ومثل هذه الحرب يمكن تجنّبها تماماً. ولم يسبق أن كان هناك وقتٌ أهم من الآن للضغط من أجل إنهاء هذه الحرب نهائياً. لقد عرضت إيران مؤخراً على الولايات المتحدة فرصة فتح مضيق هرمز مقابل الوفاء الفوري ببعض التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم السابقة والتفاوض بشأن بقية القضايا.
من الصعب تخيّل أن يقبل ترامب هذا العرض المعقول للغاية، بل والسخي تحت هذه الظروف، على الرغم من أن لا شيء مستحيل معه. ولهذا السبب يجب رفع الصوت المطالب في جميع أنحاء العالم بإنهاء هذه الحرب العبثية التي لا طائل منها.