"CounterPunch": وقف إطلاق النار في لبنان هزيمة استراتيجية تاريخية
مجلة "counterpunch" تنشر مقالاً تشرح فيه كيف أن وقف إطلاق النار في لبنان فُرض إلى حد كبير نتيجةً لضغوط إيرانية متواصلة، وليس نتاجاً للدبلوماسية الأميركية.
-
"CounterPunch": وقف إطلاق النار في لبنان هزيمة استراتيجية تاريخية
مجلة "counterpunch" تنشر مقالاً تشرح فيه كيف أن وقف إطلاق النار في لبنان فُرض إلى حد كبير نتيجةً لضغوط إيرانية متواصلة، وليس نتاجاً للدبلوماسية الأميركية.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نتاجاً للدبلوماسية الأميركية، ولا للحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية وظهر بصورة مختلفة تماماً، وفُرض إلى حد كبير نتيجةً لضغوط إيرانية متواصلة. مع ذلك، ستواصل واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهما من ضمنهم الحلفاء داخل لبنان نفسه بإنكار هذه الحقيقة، لأن الاعتراف بدور إيران يعني الإقرار بأن سابقة تاريخية قد رُسّخت، حيث للمرة الأولى، نجحت قوى مناهضة للولايات المتحدة و"إسرائيل" في فرض شروط على كليهما. وهذا ليس تطوراً بسيطاً، بل قطيعة استراتيجية بكر، وليست التحول الجوهري الوحيد الجاري حالياً، فنهج "إسرائيل" في الحرب والدبلوماسية أيضاً يتغير.
وبعد فشل "إسرائيل" في تحقيق النصر من خلال العنف المفرط، باتت تعتمد بشكل متزايد على الدبلوماسية القسرية لفرض نتائج سياسية. فخلال العقدين أو الثلاثة الماضية، أصبحت هذه الاستراتيجية الإسرائيلية واضحة بشكل لا لبس فيه عبر تحقيق بالدبلوماسية ما فشلت في فرضه على أرض المعركة.
الدبلوماسية كحرب
لا تتوافق "الدبلوماسية" الإسرائيلية مع المعنى التقليدي للمصطلح، ولا تخوض في مفاوضات بين متكافئين، ولا تسعى إلى سلام حقيقي، وتنخرط في دبلوماسية ممزوجة بالعنف من اغتيالات، وحصارات، وفرض قيود، وإكراه سياسي، وتلاعب ممنهج بالانقسامات الداخلية في المجتمعات المتناحرة، وهي دبلوماسية تمثل امتداداً للحرب بوسائل أخرى.
وبالمثل، فإن مفهوم "إسرائيل" لـما تسميه "ساحة المعركة" يختلف اختلافاً جوهرياً عن المتعارف عليه. فالاستهداف المتعمد للمدنيين والبنية التحتية المدنية ليس أمراً عرضياً، ولا مجرد "أضرار جانبية"، بل هو عنصر أساسي في الاستراتيجية نفسها. ولا شيء يُجسّد هذا الأمر بوضوح أكثر مما فعلته "إسرائيل" في قطاع غزة. ففي أعقاب الإبادة الجماعية المستمرة، تحولت مساحات شاسعة من غزة إلى ركام، وتشير التقديرات إلى أن حوالي 90% من غزة قد دُمّر. ووفقًا لوزارة الصحة في القطاع، تُشكل النساء والأطفال نحو 70% من إجمالي ضحايا غزة.
هذا ليس ضرراً جانبياً. إنه تدمير متعمد للسكان المدنيين، وعمل إبادة جماعية مصمم لفرض تهجير جماعي وإعادة تشكيل الواقع السياسي والديموغرافي لصالح "إسرائيل".
وينطبق المنطق نفسه على ما هو أبعد من غزة. فهو يؤثر على حروب "إسرائيل" في لبنان ضد حزب الله ومواجهتها الأوسع مع إيران. فلطالما عملت الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي ل"إسرائيل"، ضمن نموذج مماثل، من فيتنام إلى العراق، حيث تحمل السكان المدنيون والبنية التحتية وحتى البيئة نفسها وطأة الحرب الأميركية.
نموذج متعثر
كثيراً ما يُقال إن "إسرائيل" لجأت إلى "الدبلوماسية" بعد انسحابها القسري من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضغط المقاومة. ورغم أن هذه اللحظة كانت محورية، إلا أنها لم تكن البداية، وتوجد سوابق لها، حين أثبتت الانتفاضة الأول بين أعوام1987 و1993 أن الانتفاضة الشعبية المستمرة لا يمكن قمعها بالقوة الغاشمة وحدها، حيث رغم العنف الإسرائيلي الواسع النطاق، استمرت الثورة.
وفي هذا السياق، ظهرت "اتفاقيات أوسلو" ليس كعملية سلام حقيقية، بل كشريان حياة استراتيجي. فمن خلال هذه الاتفاقيات، حققت "إسرائيل" سياسياً ما لم تستطع فرضه عسكرياً في تهدئة الانتفاضة، وترسيخ التشرذم السياسي الفلسطيني، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى آلية للسيطرة الداخلية، بينما تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني، وحصدت "إسرائيل" الشرعية العالمية المتمثلة في الظهور كدولة "تسعى إلى السلام"، في حين كشفا في العقدين الماضيين حدود هذا النهج الإسرائيلي.
منذ لبنان عام 2006 وحتى الحروب المتكررة على غزة في أعوام 2008 و2009، و2012، و2014، و2021، والإبادة الجماعية المستمرة منذ عام 2023، فشلت "إسرائيل" في تحقيق انتصارات استراتيجية حاسمة، بينما تؤكد مواجهاتها المستمرة مع حزب الله وإيران هذا الفشل أيضاً. فلم تعجز "إسرائيل" عن تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة فحسب، بل فشلت أيضاً في ترجمة القوة النارية الهائلة، بل وحتى الإبادة الجماعية إلى مكاسب سياسية دائمة، وهو ما يُفسر التحول الإسرائيلي نحو الحرب دائمة في عهد بنيامين نتنياهو.
حرب دائمة؟
لكن هذا التفسير غير مكتمل. فنتنياهو يدرك أن هذه الحروب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، فإن إنهاءها دون نصر سيؤدي إلى عواقب وخيمة، وانهيار عقيدة الردع الإسرائيلية، وربما انهيار مشروعها الأوسع للهيمنة الإقليمية. هذه المعضلة تضرب في صميم الأيديولوجية الصهيونية، وخاصة مفهوم زئيف جابوتنسكي عن "الجدار الحديدي" والاعتقاد بأن القوة الساحقة التي لا هوادة فيها ستجبر المقاومة الأصلية في النهاية على الاستسلام. اليوم، يتم اختبار هذه الفرضية - وقد تبين أنها غير كافية.
لقد وصف نتنياهو مراراً وتكراراً الحروب الحالية بأنها وجودية، وتضاهي في أهميتها حرب عام 1948، الحرب التي أسفرت عن التطهير العرقي للفلسطينيين خلال النكبة وإقامة "إسرائيل". وفي الواقع، أوجه التشابه لا لبس فيها، (نزوح جماعي، إرهاب مدني، تدمير ممنهج)، ودعم غربي ثابت كان في السابق من بريطانيا، والآن من الولايات المتحدة.
لكن ثمة فرق جوهري. فحرب عام 1948 أدت إلى إنشاء "إسرائيل"، أما الحروب الحالية فتتعلق ببقائها كمشروع استيطاني حصري. وهنا تكمن المفارقة، وكلما طالت هذه الحروب، كلما كشفت عن عجز "إسرائيل" عن تحقيق نتائج حاسمة. ومع ذلك، فإن إيقاف حروبها دون نصر يُنذر بهزيمة تاريخية، ليس فقط لنتنياهو، بل وللأسس الأيديولوجية للدولة الإسرائيلية نفسها.
ويبدو أن المجتمع الإسرائيلي يُدرك خطورة الوضع. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت طوال عامي 2024 و2025 تأييداً ساحقاً بين اليهود الإسرائيليين لاستمرار الحملات العسكرية في غزة والمواجهات مع إيران ولبنان. كما، يُصوّر الخطاب العام هذا الدعم من منظور "الأمن" و"الردع". لكن الحقيقة الكامنة أعمق من ذلك، حيث إدراك جماعي بأن مشروع التفوق العسكري طويل الأمد يتعثر.
وبعد فشل "إسرائيل" في إخضاع غزة رغم الإبادة الجماعية، تحاول الآن تحقيق ما عجزت عنه بالحرب عبر المناورات الدبلوماسية. وتُعدّ مقترحات الإشراف الدولي، وقوات تحقيق الاستقرار، وهياكل الحكم المفروضة من الخارج، جميعها أشكالاً مختلفة من هذا النهج. لكن من غير المرجح أن تنجح هذه الجهود. فلم تعد غزة معزولة، وقد اتسع البعد الإقليمي للصراع، ووصلت لبنان وإيران وجهات فاعلة أخرى في جبهة أوسع وأكثر ترابطاً.
التوازن يتغير
في لبنان، اضطرت "إسرائيل" مراراً وتكراراً إلى التوصل إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار ليس باختيارها، ولكن لأنها فشلت في هزيمة حزب الله أو كسر إرادة الشعب اللبناني، ويمتد هذا الوضع إلى إيران. فبعد العدوان المشترك على إيران الذي بدأ في 28 شباط/فبراير الماضي، اضطرت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" إلى قبول أطر خفض التصعيد بعد فشلهما في تحقيق نتائج سريعة أو حاسمة.
كذلك، تبين أن التوقع بإمكانية زعزعة استقرار إيران بسرعة على غرار العراق أو ليبيا كان وهماً. بل على العكس، كشفت المواجهة عن حدود التصعيد العسكري وأُجبرت الولايات المتحدة على العودة إلى المفاوضات، وهذا هو جوهر المأزق الحالي الذي تواجهه "إسرائيل". ففي هذا النموذج، لا تُعتبر الدبلوماسية بديلاً عن الحرب، بل هي هدنة في خضمّها، وأداة مؤقتة تُستخدم لإعادة تنظيم الصفوف قبل المرحلة التالية من المواجهة.
لكن في حالة "إسرائيل"، أصبحت هذه "الدبلوماسية" العدوانية بشكل متزايد الأداة الوحيدة المتاحة، وذلك تحديداً لأن استراتيجيتها العسكرية فشلت في تحقيق النصر. وكان من المفترض أن يكون لبنان الاستثناء، مسرحاً تستطيع فيه "إسرائيل" عزل حزب الله وهزيمته. لكنه أصبح بدلاً من ذلك دليلاً إضافياً على الفشل الاستراتيجي، وانهارت الجهود الرامية إلى فصل الجبهات في غزة، ولبنان، واليمن، وإيران، حيث ربطت طهران صراحةً انخراطها الدبلوماسي بالتطورات على الجبهات الأخرى، مما أجبر "إسرائيل" على التورط في مأزق استراتيجي أوسع لا تستطيع السيطرة عليه، وهذا يمثل تحولاً عميقاً.
لم تعد الركائز الأساسية للاستراتيجية الإسرائيلية (القوة الساحقة)، وتفتيت الخصوم، والسيطرة على السردية، والهندسة السياسية، حيث تعمل كما كانت في السابق. لكن، مع ذلك يواصل نتنياهو الترويج للنصر، معلناً النجاح على فترات منتظمة، ومستحضراً الردع، ومصوراً الحروب الجارية على أنها إنجازات استراتيجية، لكن سرديته تبدو جوفاء. فالحقيقة، باتت واضحة بشكل متزايد للمراقبين في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، وهي أن التوازن بدأ يتغير أخيراً. ولأول مرة منذ عقود، لم يعد مسار التاريخ ينحني لصالح "إسرائيل".
نقلها إلى العربية: حسين قطايا.