"Common Dreams": "إسرائيل" والنفط وجنون العظمة أسباب حرب ترامب على إيران

يرصد ديفيد غيبس انقلاب ترامب نحو التصعيد ضد إيران، متخلياً عن وعوده "أميركا أولاً، خضوعاً لأجندة نتنياهو وتغلغلاً للمحافظين الجدد في إدارته، مدفوعاً بهوس العظمة والسيطرة على النفط، مما ينذر بكارثة إقليمية ونووية وشيكة.

  • "إسرائيل" والنفط وجنون العظمة أسباب حرب ترامب على إيران

يتناول المقال في موقع "Common Dreams" انقلاب ترامب المفاجئ نحو الحرب ضد إيران، متخلياً عن وعوده لقاعدته الشعبية، ومدفوعاً بطموحات "العظمة الشخصية" والخضوع لأجندة نتنياهو والمحافظين الجدد، مما يهدد بكارثة إقليمية ونووية وشيكة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

يكشفُ المؤرخ ديفيد ن. غيبس بي، أسباب انقلاب ترامب المفاجئ والشرس لصالح الحرب، متخلياً عن قاعدته الشعبية ووعوده السابقة بعدم خوض حروبٍ جديدة. وبالفعل، شنت الولايات المتحدة مع "إسرائيل" — باعتبارهما أكبر دولتين مارقتين في العالم وفق وصفه — هجوماً على إيران في 28 من الشهر الماضي، بزعم وجود تهديدٍ وهمي للإطاحة بالنظام الإيراني على أمل تنصيب حكومة "ودية" مكانه.

وبعد مرور شهرٍ، لا يبدو أنَّ للحرب نهاية تلوح في الأفق، إذ لم تفقد إيران قدرتها على الرد، ولم تشهد أي تمردٍ داخلي. بالإضافة إلى ذلك، ثمة مؤشرات قوية على أنَّ الولايات المتحدة تُحضر لعملياتٍ بريةٍ في إيران، وهي خطوة — إن تحققت — ستشعل فتيل حربٍ ضروس في المنطقة وخارجها.

في المقابلة التالية، يصف غيبس الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضدَّ إيران بأنها مثال صارخ على "الخضوع المطلق" الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب لبنيامين نتنياهو "جزّار غزة"، الذي لطالما تمنى جرَّ الولايات المتحدة إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرةٍ مع إيران، وقد نجح في ذلك أخيراً. ومع ذلك، يشير غيبس أيضاً إلى أنَّ ترامب ربما كان يضع في اعتباره أهدافاً خاصةً به عندما قرر خوض هذه الحرب ضدّ إيران.

وبينما تستمر الحرب، وتُهدد باجتياح منطقة "الشرق الأوسط" وما وراءها، يبقى السؤال معلقاً: لماذا كانت ولاية ترامب الأولى أقل ميلاً للحرب من إدارتي أوباما وبايدن؟ ولماذا ينتهج سياسةً عدوانيةً كهذه في ولايته الثانية؟ يقول غيبس إنَّ من أبرز سمات ولاية ترامب الثانية هي مواقفه العدوانية والعنيفة التي فاقت بكثير ما شهدناه في ولايته الأولى.

تجلَّى هذا الموقف في مجالات مختلفة، من شوارع مينيابوليس إلى منطقة الكاريبي وغرينلاند، والآن بشكل دراماتيكي يخوض حرباً عدوانية صريحة في منطقة الخليج. وبينما لم تُشكل إيران أي تهديدٍ أمنيٍ وشيك للولايات المتحدة أو "إسرائيل" — بحسب ما أوضح خبير الاستخبارات جوزيف كينت الذي استقال مؤخراً من إدارة ترامب. كذلك، تُعتبر هذه الحرب انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر حروب العدوان وغير المصرح بها من قبل مجلس الأمن. كما انتهك ترامب الدستور الأميركي، الذي ينصُّ على أنَّ المعاهدات الدولية التي تُوقّعها أميركا (مثل ميثاق الأمم المتحدة) هي جزء من "القانون الأعلى للبلاد".

يضيف غيبس أنَّ ترامب في شنه الحرب ضدَّ إيران يتصرف بشكل يشبه كثيراً الرؤساء السابقين من كلا الحزبين، سائراً على نهج التقليد الرئاسي الأميركي كصانع للحروب. ويمكن النظر إلى غزو جورج دبليو بوش للعراق عام 2003، الذي كان متهوراً ومدمراً بالقدر نفسه لحرب ترامب الآن، وأدى إلى تكاليف هائلة سواء من حيث الأرواح والأموال دون أي فوائد أمنية إطلاقاً. ومع ذلك، حظي بوش حينها بدعم كلا الحزبين. كما أنَّ الخضوع الاستثنائي الذي يظهره ترامب الآن تُجاه حكومة نتنياهو —رغم وعوده بـ "أميركا أولاً"— يأتي في إطار تقليدٍ طويل من الأنشطة المؤيدة لـ"إسرائيل" من قبل الإدارات السابقة، منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقلّ.

يتابع غيبس، كان هناك العديد من الحالات الأخرى للتدخُّلات الأميركية الكارثية، من العراق إلى عمليات تغيير النظام العنيفة ضدَّ الحكومات في ليبيا وسوريا، والتي أدَّت إلى نتائج سلبيةٍ لكلٍّ من سُكّان تلك البلدان ولأمن المنطقة. وفي عام 2014، ساعد المسؤولون الأميركيون في الإطاحة بالحكومة المنتخبة في أوكرانيا، مما أدَّى إلى زعزعة استقرار البلاد ووضع الأساس لحربٍ لاحقةٍ مع روسيا، وبذلك، انتهكوا ميثاق منظمة الدول الأميركية الذي يحظر جميع أشكال التدخل الخارجي. وفي تسعينيات القرن المنصرم، زادت حملات القصف التي شنَّها حلف "الناتو" في البوسنة والهرسك وكوسوفو من حجم المعاناة الإنسانية، بينما منع المسؤولون الأميركيون التسويات التفاوضية التي كان من الممكن أن تُحلَّ هذه النزاعات بطرقٍ سلميةٍ.

كذلك، لا بدَّ من الانتباه إلى استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاحٍ من قبل رؤساء الولايات المتحدة، والتي، وفقاً لدراسة حديثةٍ، تسبَّبت خلال 50 عاماً الماضية في مقتل ملايين الأبرياء. وقد أظهر المسؤولون الأميركيون في الإدارات السابقة قسوةً ملحوظةً عند سؤالهم عن الآثار القاتلة للعقوبات. وبينما يُعدُّ أسلوب ترامب الغريب في التواصل فريداً بين الرؤساء الحديثين، فإنَّ ميله إلى العنف ليس فريداً.

وينبغي التأكيد على أنَّ سياسة ترامب الخارجية العدوانية الجديدة تبدو مختلفةً جوهرياً عما شهدناه في ولايته الأولى، حين أبدى ترامب العديد من الميول المقلقة، من ضمنها اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ونقض اتفاقيةً أميركيةً إيرانيةً كانت فعّالةً تماماً، وتحُدُّ من تخصيب اليورانيوم الإيراني. لكن ما لم يفعله ترامب في ولايته الأولى هو إشعال أي حروبٍ جديدةٍ. مع ذلك يستاءُ الكثيرون من اليسار من هذه الفكرة، لكنَّ الحقيقة هي أنَّ ترامب في ولايته الأولى، كان بالفعل من أقلّ الرؤساء ميلاً للحرب منذ عام 1945.

لكن، لماذا انحاز ترامب فجأةً وبشدَّةٍ إلى الحرب في ولايته الثانية، مُتخلّياً عن قاعدته الشعبية ووعوده بعدم شنّ حروبٍ جديدةٍ؟ يقول المؤرخ غيبس، على الأرجح أنَّ ترامب في غمرة جنون العظمة الفطري لديه، أراد ألّا يكون رئيساً لولايتين فحسب، بل رئيسا عظيماً، يُضاهي أبراهام لينكولن أو فرانكلين ديلانو روزفلت، وأن يكون قائداً مُنتصراً في الحروب يليقُ بجبل راشمور. كذلك، شملت دوافع أخرى رغبته في تعزيز سيطرة الولايات المتحدة على النفط العالمي، لاستخدامه كأداةٍ ضدَّ منافسين كالصين، وفتح آفاقٍ استثماريةٍ جديدةٍ للشركات الأميركية بالقوَّة، ولتمكين الفساد التقليدي الذي يرتبط دائما بالحروب والعمليات السرية، ولإرضاء جماعات الضغط الإسرائيلية المنتشرة في كل مكان، ولصرف الأنظار عن علاقاته المُحرجة بجيفري إبستين. ومع ذلك، أرجح أنَّ سعي ترامب نحو العظمة كان له دور كبير في قراره شنَّ الحرب.

ومن الواضح أنَّ هدف ترامب بوضع منحوتةٍ لوجهه فوق جبل راشمور يفشل، بسبب حربه المزعومة ضدَّ إيران التي تتَّجه بالفعل نحو كارثةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ. وتبدو الاستعدادات للحرب سطحيةً بشكلٍ ملحوظٍ، وعلى نحوٍ يُذكّرنا مُجدَّداً بالحروب السابقة، مثل الإخفاقات العديدة التي ارتبطت بالحرب على الإرهاب. وأكثر ما هو مُثير في الحرب على إيران هو مدى تشابهها مع مغامرات الولايات المتحدة الخارجية السابقة.

وحول تميُّز حقبة "لنجعل أميركا عظيمةً مُجدَّداً" بالانعزالية ورفض الرؤى المحافظة الجديدة بإعادة تشكيل العالم على صورة أميركا، وإدارة ترامب قد عادت إلى سياسةٍ خارجيةٍ مُحافظةٍ بِشكلٍ ما، يقول غيبس، إنَّ النزعة المحافظة الجديدة ظهرت خلال سبعينيات القرن الماضي، كردّ فعلٍ على الهزيمة العسكرية الأميركية في فيتنام. فبعد دراستي للوثائق الخاصة للمحافظين الجدد في جامعة ستانفورد وغيرها، أرى أنَّ أيديولوجِيتهم هي شكل من أشكال التطرُّف المؤيد للجيش، والذي يمجد التدخُّلات الأميركية الخارجية باعتبارها مرغوبةً بطبيعتها، استناداً إلى تجربة "إسرائيل"، حيث يُعجب المحافظون الجدد علناً بالإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي، الذي يشنُّ هجماتٍ شرسةً على خصومه دون اكتراثٍ لعدوانه المُتطير. وفي نظر المحافظين الجدد، يشير الجيش الإسرائيلي إلى كيفية تصرُّف أميركا في الساحة الدولية. ومنذ ظهورهم قبل نصف قرن، أصبح المحافظون الجدد تدريجياً المنظور المهيمن في السياسة الخارجية في كلا الحزبين الأميركيين.

يضيف غيبس، لا شكَّ في أنَّ ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، قاوم أجندة المحافظين الجدد القائمة على النزعة العسكرية المتواصلة، وانتقدهم علناً. وقد انتقل العديد من المحافظين الجدد البارزين من "الحزب الجمهوري" إلى "الحزب الديمقراطي" منذ العام 2016. إلا أنَّ ترامب تحوَّل الآن إلى استراتيجية المحافظين الجدد، لا سيما في حربه ضدَّ إِيران، وانضمَّ أخيراً إلى التيار السائد.، وهو يستجيب في هذا التحوُّل لنقطتي ضغط، الأولى، أنَّ أفكار المحافظين الجدد متغلغلة لدرجةٍ يصعب معها إيجاد متخصصون في السياسات غير منتمين إليها. ففي حكومة ترامب الحالية، يُصنف ماركو روبيو الذي يشغل منصبي وزير الخارجية ومُستشار الأمن القومي، دائماً ضمن معسكر المحافظين الجدد، وبرز كصانع السياسات الرئيسي. الثانية، تتوافق رغبة ترامب في تحقيق عظمةٍ وطنيةٍ من خلال الحرب مع فكرة المحافظين الجدد.

والآن لدى قاعدة ترامب شعور بالإرهاق من احتمالية حربٍ دائمةٍ. فثمَّة إدراك بأنَّنا أنفقنا الكثير على الأسلحة، والقليل على الضروريات الأساسية، وكان ينظر إلى ترامب في البداية على أنَّه الحلُّ لهذه المشكلة. وعندما يستخدم مُؤيدو ترامب مُصطلح " أميركا أولاً "، فإنَّ الكثير منهم يقصدون أنَّه ينبغي علينا التركيز على تحسين الظروف المعيشية هنا في الولايات المتحدة، مع تقليل تركيزنا على استعراض القوَّة العالمية. كما أنَّ تخلّي ترامب عن أجندة "أميركا أولاً" يحدث بالفعل انقساماتٍ داخل تحالفه، والتي من المؤكَّد أنَّها ستتفاقم مع تحوُّل الحرب إلى كارثةٍ. وستصبح هذه الانقسامات السياسية أكثر حدَّةً، أو على الأرجح عندما) يقرر ترامب إرسال قُوّاتٍ برّيةٍ إلى إيران، مما سيزيد الخسائر الأميركية.

لم تُستخدم الأسلحة النووية في الحروب منذ قصف الولايات المتحدة لمدينتي هيروشيما وناغازاكي في العام 1945. ويُخْشى أنَّ لا تتردَّد إدارة ترامب في استخدام الأسلحة النووية ضدَّ إيران إذا أدركت أنَّها ستخسر هذه الحرب؟ وفي حال تحقق أسوأ السيناريوهات، ما هو ردُّ إيران المحتمل؟ يقول غيبس من الآثار الواضحة للعدوان العسكري الأميركي على مرّ السنين تسريع انتشار الأسلحة النووية، حيث خلصت دول عديدة إلى أنَّ السبيل الوحيد لردع العدوان الأميركي هو امتلاك أسلحةٍ نوويةٍ. سينظر الكثيرون إلى كوريا الشمالية، التي تبنَّت استراتيجيةً نوويةً زائد صواريخ بعيدة المدى، ومن ثم فهي محميةٌ من الهجوم.

وفي حالة أخرى جديرة بالدراسة هي ليبيا في عهد معمر القذافي، الذي تخلَّى عن طموحاته النووية مقابل تفاهمٍ ضمني بأنَّ الولايات المتحدة وحلفاءها لن يطيحوا بحكومته. ثم، في عام 2011، استغلَّت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ضعف ليبيا، وأطاحوا بالحكومة بعنفٍ، وتعرَّض القذافي للتعذيب حتى الموت. فالنتيجة الحتمية لهذا التاريخ هي أنَّ المزيد من الدول ستُفكّر في تطوير أسلحةٍ نوويةٍ خاصةٍ بها، بدءاً بإيران بالطبع. كما ستؤدّي موجة الانتشار النووي القادمة إلى تفاقم أخطار استخدام الأسلحة النووية، مما يُهدّد الأمن العالمي، حيث سيكون أهمَّ إنجاز للحرب مع إيران هو تصاعد الخطر النووي العالمي.

ومن أكثر السمات المقلقة في السياسة المعاصرة غياب أي حركةٍ حقيقيةٍ مُناهضةٍ للأسلحة النووية في الولايات المتحدة أو أي مكانٍ آخر. وخلال الحرب الباردة، كانت الحركة المناهضة للأسلحة النووية واسعة الانتشار، وكان الخوف من الحرب النووية جُزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية، ومصدر قلقٍ دائمٍ. لكن مع انتهاء الحرب الباردة، اختفت الحركة المناهضة للأسلحة النووية تماماً، ويبدو أنَّ الناس الآن غير مُكترثين بالمخاطر الحقيقية للحرب النووية. ويبدو مُحيراً أنَّ اليسار السياسي تحديداً غير مُهتمّ تماماً.

يختم غيبس حول ما يمكن أن نفعل على المدى القريب، بأنَّه يجب على اليساريين التخلّي عن تحيُّزاتهم الضيقة، وأن يشكّلوا تحالفاً واسعاً مُناهضاً للحرب، يضمُّ أفراداً من اليمين واليسار ممَّن يُعارضون ما يفعله ترامب في إيران والحرب الدائمة بشكلٍ عامٍّ. ولنحيي أيضاً حركة مُناهضة الأسلحة النووية، بينما من الواضح أنَّ هناك حركة مناهضةً للحرب كبيرةً ومتنامية في اليمين، ولا ينبغي لليساريين الأذكياء أن يتردَّدوا في العمل معها. دعونا ننسى الصراعات الثقافية للحظةٍ ونُركّز على أهوال الحرب الحقيقية. 

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.