"Antiwar": لا عودة من الإبادة الجماعية.. الهجوم المضاد العالمي الإسرائيلي قد بدأ
يتناول المقال التحولات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها مواقف دول عدة تجاه "إسرائيل" والقضية الفلسطينية.
-
"Antiwar": لا عودة من الإبادة الجماعية.. الهجوم المضاد العالمي الإسرائيلي قد بدأ
يتناول مقال الكاتب رمزي بارود في مجلة "Antiwar" التحولات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها مواقف دول عدة تجاه "إسرائيل" والقضية الفلسطينية، ولا سيما كولومبيا وفنزويلا وسلوفينيا، كما يرى أن "إسرائيل" تسعى إلى كسر عزلتها الدولية، داعياً الدول العربية والداعمين لفلسطين إلى مواجهة هذا المسار والحفاظ على المكاسب التي أحدثتها حرب غزة.
في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
يمثل قرار كولومبيا بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة نقطة تحول خطيرة. فمن خلال كونها ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة تؤيد ضم "إسرائيل" غير القانوني للأراضي السورية، أظهرت بوغوتا إلى انقلاب كامل على السياسة الخارجية التي انتهجها الرئيس السابق غوستافو بيترو، من قبل خليفته الرئيس اليميني المتطرف الجديد أبيلاردو ديلا إسبريلا.
لكن كولومبيا ليست حالة معزولة، بل تعكس حملة إسرائيلية أوسع نطاقاً وأكثر عدوانية لتفكيك وإلغاء المواقف المؤيدة لفلسطين والعرب التي تحققت بشق الأنفس في جميع أنحاء العالم. وفي الواقع، يأتي هذا التحول في بوغوتا بالتزامن مع تغييرات جذرية في كاراكاس، حيث سعت القيادة الفنزويلية المؤقتة إلى استئناف العلاقات القنصلية مع "إسرائيل" بعد تجميد دام 17 عاماً.
ويحدث الشيء نفسه في أوروبا. ومن الأمثلة البارزة على ذلك سلوفينيا، حيث قامت الحكومة الجديدة برئاسة يانيز يانشا بإزالة العلم الفلسطيني من المباني الحكومية وأعلنت نيتها تجميد اعتراف البلاد بدولة فلسطين في العام الماضي ونقل سفارتها إلى القدس.
تدرك "إسرائيل" أن ما يسمى بـ"مشكلة العلاقات العامة" لم تعد مجرد صورة مشوهة ناتجة عن تغطية إخبارية سلبية عابرة. فالإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب الخطاب التحريضي على الإبادة الجماعية وحروب العدوان في أنحاء الشرق الأوسط، تعني أن "إسرائيل" هذه المرة، لن تتعافى بسهولة من الضرر الذي ألحقته بسمعتها العالمية.
ورغم إصرار البعض من ضمنهم الذين يزعمون أنهم ينتقدون "إسرائيل"، على أن المشكلة تكمن في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة، إلا أن الحقيقة أكثر مرارة من ذلك، لأن "إسرائيل" كدولة ومشروع استعماري وأيديولوجية، باتت موضع تساؤل متزايد.
حتى إن بعض وسائل الإعلام الرئيسية في "إسرائيل" بدأت تقر بعمق الأزمة. مثلاً، قالت المذيعة التلفزيونية الإسرائيلية البارزة يونيت ليفي المذيعة التلفزيونية الإسرائيلية في العام الماضي، "ربما حان الوقت لنفهم أن هذا ليس مجرد فشل في العلاقات العامة، بل فشل أخلاقي". وفي الوقت نفسه، وصفت صحيفة "واشنطن بوست" أن "إسرائيل، تتحول إلى دولة منبوذة عالمياً.
ورغم رفضهم الاعتراف بالتغيرات التي لا رجعة فيها في المزاج العالمي تجاه بلادهم والصهيونية ككل، يشعر المسؤولون الإسرائيليون بالارتياح لعاملين، الأول هو الدعم الأمريكي المستمر ومعه الدعم الغربي، والثاني المرتبط مباشرة بالأول، حيث تظهر قدرتهم على تغيير مواقف الحكومات تجاه "إسرائيل" من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية وغيرها، دون اكتراث "إسرائيل" بأهمية الشعوب، فبالنسبة لها الحكومات فقط هي المهمة.
تجسد كولومبيا السبب بوضوح. لم تكن "إسرائيل" بحاجة إلى تغيير الرأي العام الكولومبي أو التراجع عن سنوات من التضامن مع فلسطين، بل كانت بحاجة فقط إلى تغيير الحكومة. وقد وفر انتخاب ديلا إسبريلا المؤيد ل"إسرائيل" على نحو صريح هذا التغيير.
كانت العواقب السياسية شبه فورية. فقد تحرك ديلا إسبريلا لاستعادة العلاقات الكاملة مع "إسرائيل"، وسحب دعم كولومبيا لقضية الإبادة الجماعية في جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، واستأنف صادرات الفحم والأخطر من ذلك كله اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.
يضفي هذا التحول السريع أهمية أكبر على تصريحات الرئيس السابق بيترو المتكررة بشأن التدخل الأمريكي والإسرائيلي في الانتخابات التي أطاحت بالمرشح اليساري إيفان سيبيدا. ورغم أن هذه الاتهامات ما تزال محل جدل، إلا أن النتيجة واضحة لا لبس فيها فقد كان تغيير الحكومة كافياً لبدء تفكيك سنوات من السياسة الكولومبية تجاه فلسطين و"إسرائيل".
وينطبق الأمر نفسه على فنزويلا. فقد اعتبر كثيرون في البداية اعتقال الولايات المتحدة للرئيس المؤيد لفلسطين نيكولاس مادورو، مجرد حلقة أخرى في تاريخ واشنطن الطويل من التدخل في أمريكا اللاتينية. لكن سرعة إعادة تشكيل فنزويلا اللاحقة تشير إلى تحول أوسع نطاقاً.
أوضح دليل على ذلك هو تقارب كاراكاس المتزايد مع تل أبيب. وكانت فنزويلا قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" في عهد هوغو تشافيز عام 2009، بسبب الحرب على غزة. وبعد 17 عشر عاماً، اتفقت الحكومتان على استئناف الخدمات القنصلية، وهي خطوة هامة نحو التطبيع ورمز قوي لتغير التوجه الجيوسياسي لفنزويلا.
لطالما كانت علاقة "إسرائيل" بمعظم دول الجنوب العالمي متوترة تاريخياً، وقد تشكلت هذه العلاقة بفعل طابعها الاستعماري وعدوانها العسكري وتحالفها الوثيق مع القوى الغربية. لكن في عهد نتنياهو، عملت "إسرائيل" بشكل منهجي على كسر هذا العزل، ووسعت نفوذها في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مع بدء ضعف النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
أدت غزة إلى تراجع حاد في تلك المكاسب، ليس فقط في الجنوب العالمي، بل في جميع أنحاء العالم. ويكمن التحدي الآن في جعل هذا التراجع دائماً، وتحويل المكاسب الإسرائيلية الأخيرة في كولومبيا وفنزويلا وسلوفينيا وغيرها إلى مكاسب مؤقتة.
كذلك، بإمكان الدول العربية، بل يجب عليها أن تفعل المزيد. فأدانتها السريعة لقرار كولومبيا بشأن الجولان بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 497 أمراً ضرورياً، لكن البيانات وحدها لا تكفي لمواجهة الهجوم الدبلوماسي الإسرائيلي النشط. ويجب تعزيز المواقف المبدئية بشأن فلسطين والأراضي العربية المحتلة من خلال شراكات اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية. وإلا، فإن المكاسب السياسية التي تحققت بشق الأنفس ستظل هشة، وعرضة للتراجع بسهولة كلما تغيرت الحكومات.
نحن على أعتاب لحظة تاريخية، حقيقة باتت يقر بها بشكل متزايد العديد من السياسيين والمؤرخين والإعلاميين الإسرائيليين أنفسهم. فإن إهدار هذه الفرصة لفضح "إسرائيل" ومحاسبتها على جرائمها في فلسطين وعموم الشرق الأوسط سيكون أمراً لا يغتفر. فلقد اكتسب النضال من أجل العدالة في فلسطين بعداً عالمياً، وعلى كل من يهتم بشدة بقضية غزة أن يدرك أهمية هذا التحول. "إسرائيل" تجهد لإنهاء عزلتها المتزايدة، ولا يتوقع منها الاستسلام قريباً.
لذلك، يجب علينا تسريع جهودنا، باستخدام كل الوسائل المتاحة والمتوافقة مع القانون الدولي وتطلعات الشعب الفلسطيني، لضمان عدم إمكانية التراجع ببساطة عن التحول التاريخي الذي أحدثته غزة. ويجب على "إسرائيل" أن تدرك أنه لا يمكن العودة إلى الوضع المعتاد، ولا يمكن التهرب من المساءلة، ولا يمكن التعافي من الإبادة الجماعية التي تنفذها "إسرائيل" في غزة والأراضي الفلسطينية.