"فورين بوليسي": أهلاً بكم في عصر الفوضى

تشير أبرز المخاطر العالمية لعام 2026 إلى عالم يزداد اضطراباً.

  • "فورين بوليسي": أخطار رئاسة ترامب جاءت أسرع وأشدَّ مما تصوَّرنا بما يتعلق بغزة وأوكرانيا والمناخ

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر تقريراً استشرافياً شاملاً لأبرز ما تراه "مخاطر عالمية" خلال المرحلة الراهنة، مع تركيز خاص على تداعيات رئاسة دونالد ترامب على النظام الدولي.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

منذ عام 2017 نقدّم توقّعاتنا لأكبر التهديدات التي تواجه العالم. وإذا بدت بعض المخاطر الرئيسية هذا العام مشابهة لتلك التي توقّعناها للعام الماضي، فليس ذلك لأنها ثابتة، بل لأنّ الخطر مستمر من دون أن يصل إلى ذروته. ولقد جاءت أخطار رئاسة ترامب التي كُنّا نخشاها أسرع وأشدَّ مما تصوَّرنا بما يتعلّق بغزة وأوكرانيا والمناخ. أما الصين وتايوان فليستا من بين أبرز المخاطر الجيوسياسية، ونرى أنّ العام الجاري من غير المرجّح أن يشهد تصاعداً في التوترات إلى مستوى كبير في أعقاب القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.

ولا يزال العالم في مرحلة انتقالية طويلة مضطرباً ومتفرّقاً، ويشهد صراعات مستمرة، بينما تؤكّد استراتيجية الأمن القومي انسحاب الولايات المتحدة رسمياً من الهيمنة، حيث "ولّى زمن دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي برمّته"، والبنية النيوليبرالية القديمة القائمة على القواعد تتفكّك، والسلطة تتبعثر حيث يبحث جزء كبير من العالم عن ترتيبات متعدّدة الأطراف جديدة لتكون بمثابة حاجز في وجه 3 قوى عظمى طامعة وتسعى لتغيير النظام العالمي.

وتثير هذه الجهود سؤالاً حول ما إذا كان من الممكن وجود نظام عالمي متعدد الأطراف مستقر من دون قوة مهيمنة، بينما يقترب العالم من نقطة تحوّل، حيث تؤدّي الحروب والأزمات المالية والكوارث الطبيعية، إلى دفن حقبة ما بعد الحرب الباردة وإلى ظهور نظام جديد مجهول وغامض. ومع تبقّي 3 سنوات على انتهاء ولايته، يعدّ ترامب بالفعل الرئيس الأكثر تأثيراً منذ فرانكلين روزفلت، بل يمكن وصفه بأنّه شخصية تاريخية عالمية تغيّر مجرى التاريخ، وغالباً ليس نحو الأفضل، حيث تبدو الولايات المتحدة للكثيرين كدولة مارقة مفترسة، وقوة مزعزعة للاستقرار، حيث يقلّل ترامب من قيمة التحالفات والتعدّدية التي كانت سمة بارزة للسياسة الخارجية الأميركية منذ عام 1945.

وقد أدى انتشار العسكرة في المدن الأميركية، وتراجع القوة الناعمة الأميركية مثل "وكالة التنمية الدولية الأميركية"، وإذاعة "صوت أميركا"، وخفض ميزانيات البحث والتطوير، التي تعدّ سرّ الابتكار الأميركي، والتخلّي عن المؤسسات متعدّدة الأطراف مثل "قمة المناخ 30" و"مجموعة العشرين"، وإعادة هيكلة التجارة العالمية، إلى تنامي المخاوف من أميركا مارقة تسعى لتدمير نفسها والنظام الذي أنشأته، بينما تغيب المؤشرات على قدرة جهات أخرى على إعادة بناء النظام الليبرالي متعدّد الأطراف القائم على القواعد.

تستند هذه النسخة التاسعة من تقريرنا السنوي للتنبؤات، عن أهمّ 10 مخاطر عالمية، إلى خبرتنا في مجال التنبؤات في مجلس الاستخبارات الوطنية. وبلغة الاستخبارات، لدينا ثقة متوسطة إلى عالية في الاحتمالات جميعها التي حدّدناها لكلّ خطر، وذلك بالنظر إلى مستوى المعلومات المتاحة التي تتراوح بين "الموثوقة" و"عالية الجودة". وكما هو الحال في تقديرات الاستخبارات، فإنّ الحكم "العالي أو المتوسط الثقة" لا يزال يحمل في طيّاته احتمال الخطأ.

المأزق الاقتصادي الذي صنعه ترامب

يقرع العديد من الاقتصاديين ناقوس الخطر بالفعل، مُشيرين إلى توافر جميع الشروط المسبقة لانهيار اقتصادي. فالأصول المالية مبالغ في تقييمها بشكل كبير، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي غير المحدود بنسبة 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي و80% من نمو سوق الأسهم، على الرغم من أنّ مكاسب الإنتاجية التي تحقّقها الشركات التي تجرّب الذكاء الاصطناعي لا تزال بعيدة المنال حتى الآن.

وقد بدأ بعض الخبراء يشكّكون في قدرة الذكاء الاصطناعي على تجاوز مرحلة التعلّم الآلي والوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام الذي تحلم به شركات وادي السيليكون، بينما نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية قادرة على التعامل مع المشكلات البسيطة، لكنّها "تنهار تماماً" عند مواجهة المهام المعقّدة، حيث يقلّ تفكيرها عوضاً عن أن يتطوَّر مع ازدياد صعوبة المهمة. ووفقاً لنائبة مدير صندوق النقد الدولي السابقة غيتا غوبيناث، فإنّ انهيار سوق الأسهم قد يمحو 35 تريليون دولار من ثروة المستهلكين. كما أنّ إضفاء الطابع المؤسسي على العملات المشفّرة، مع تنظيمها بشكل محدود، يزيد مخاطر عدم اليقين.

كما تتصاعد هذه المخاطر مع الدور المتنامي الذي تؤدّيه المؤسسات المالية غير المصرفية غير الخاضعة للرقابة، أو ما يعرف بمصارف الظل في تمويل الشركات، وفي تمويل الدولة في الصين، مما يصعّب معرفة حجم مديونية الشركات. وقد كشف تحقيق داخلي أجري على شركة "فيرست براندز"، وهي شركة لتصنيع قطع غيار السيارات أعلنت إفلاسها عام 2025، كيف استخدمت أموالاً مستحقّة من العملاء للاقتراض عدة مرات. كما ساهم في انهيار "فيرست براندز" ضعف الطبقة المتوسطة المتزايد، الذي لم يعد بمقدورها صيانة أو شراء سيارات جديدة.

والوضع الحالي يذكّر بشكل مرعب بما حدث في عامي 2007 و2008، عندما عجز أصحاب قروض الرهن العقاري الرخيصة عن سداد أقساطهم. فالاقتصاد غير المتوازن، الذي يقتصر فيه استهلاكه على أغنى 20% من الأسر الأميركية، غير مستدام. كما بدأت الرسوم الجمركية في رفع التضخّم، وأدّى انخفاض معدلات التوظيف إلى أزمة في القدرة على تحمّل التكاليف، بينما لا يملك ترامب سوى حلول قليلة تتجاوز إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها على مواد غذائية مثل القهوة، والتفاوض مع شركات الأدوية الكبرى لخفض أسعار الأدوية، والوعد بتقديم شيكات بقيمة 2000 دولار لمعظم الأميركيين، الأمر الذي سيرفع الدين الأميركي الذي يعادل بالفعل نحو 125% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير مسبوق في زمن السلم.

قد تكون الأزمة المالية هذه المرة أشدَّ فتكاً بنفوذ الولايات المتحدة في العالم مما كانت عليه في عام 2008. ومن غير المرجّح أن تقدّم الصين ومجموعة العشرين أيّ مساعدة للمرة الثانية. ولن يكون الدولار الأميركي، الذي يعاني أصلاً من الضعف، الدرع الواقي الذي كان عليه لولا اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات جذرية لخفض الإنفاق ورفع الضرائب.

انحلال النظام

لخصّ الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي حقبة الثلاثينيات بعبارته الشهيرة، "العالم القديم يُحتضر، والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة في زمن الوحوش"، بوصف دقيق للفترة الانتقالية بين النظام الليبرالي المُحتضر اليوم وما سيأتي. وليس ترامب وحده من يهاجم النظام القديم، بل إنّ أكثر القوى العظمى الأخرى تسعى للقضاء عليه أيضاً.

ولقد كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول من بادر إلى شنّ حرب على أوكرانيا لإعادة تأكيد مصالح روسيا في مواجهة حلف "الناتو". ويسعى الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يطمح إلى الهيمنة الإقليمية، إلى الثأر لما عانته الصين خلال قرن من الإذلال، بينما يطمح الجنوب العالمي إلى دور أكبر في صنع القرار في الشؤون العالمية. ويبدو أنّ أوروبا مشلولة بسبب حنينها إلى النظام الليبرالي، لكنّ غزو روسيا لأوكرانيا وإضعاف ترامب للضمانات الأمنية الأميركية، كما ورد في استراتيجيته الأخيرة للأمن القومي، يجبران أوروبا على الاستعداد لعالم واقعي سياسياً.

ومع ذلك، ترى دول عديدة أنّ التعددية القطبية هي الحل. حتى إنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أقرّ بأنّها حتمية، لكن لا توجد خطة لضمان حماية الموارد المشتركة العالمية في ظلّ تزايد الفقر المدقع والصراعات، إلى جانب تفاقم آثار تغيُّر المناخ. وكما هو الحال مع الاقتصاد العالمي، فإنّ التعددية تتفكّك، حيث قامت إدارة ترامب بإخراج الولايات المتحدة من منظّمات الأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية وتقليص تمويل منظمات أخرى مثل برنامج الأغذية العالمي من خلال تخفيضات المساعدات الخارجية.

كذلك، تعمل روسيا والصين على توسيع منظمات بديلة مثل مجموعة "البريكس" بهدف التخلُّص من هيمنة الدولار الأميركي وإنشاء أنظمة عملات بديلة. ويشير مزيج ضعف المؤسسات وتنافس القوى العظمى إلى نقص في التعاون اللازم عند اندلاع جائحة عالمية أو أزمة مناخية أو مالية. أمّا على النطاق المحلي، فالاستياء أشدُّ مع تفاقم عدم المساواة وغضب الرأي العام الغربي من أنّ العولمة بدت وكأنّها تفيد الجميع.

يشهدُ جيل الشباب في كلّ مكان تراجع فرصهم في تحقيق حياة كريمة، في ظلّ سعي الشعبويين وراء حلول سهلة في عالم مُعقّد وسريع التغيُّر. ومهما بلغت قوتهم، فإنّ الدول والأفراد على حدّ سواء يرون أنفسهم ضحايا. وقد اشتكى الرئيس الصيني علناً من القمع الأميركي ومحاصرة الصين في محاولة لعرقلة صعودها، بينما يُلقي بوتين باللوم على الولايات المتحدة والغرب في بدء الحرب في أوكرانيا بتوسيع حلف "الناتو"، إلى جانب جهود الولايات المتحدة لتأجيج الثورات الملوّنة في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي والعقوبات المستمرة. وكان ترامب وقادة أميركيون آخرون قد اتَّهموا الصين بالغش في التجارة، وسرقة الملكية الفكرية الأميركية، ونشر جائحة كورونا في بقية أنحاء العالم.

على هذا المنوال انتهت فترة الفراغ السياسي التي تحدّث عنها غرامشي بإحدى أكثر الحروب دموية إطلاقاً في زمنه. ولا يمكن استبعاد مثل هذا الاحتمال اليوم، ولكن حالياً لا يزال ترامب وقادة آخرون يخشون الانزلاق إلى حرب كبرى بين الدول.

حوّل الولايات المتحدة نحو نصف الكرة الغربي

أكد ترامب استنتاجه الخاصّ من مبدأ مونرو في استراتيجيته للأمن القومي، وربطهُ بتهديداته ضدّ الكارتلات في المكسيك وتغيير النظام في فنزويلا، وقد تكون الرسوم الجمركية والجزاءات الصارمة ضدّ كولومبيا وكوبا هي الخطوة التالية. كما أنّ السعي إلى إقامة منطقة نفوذ مُهيمنة في نصف الكرة الغربي، مع تهميش التزامات الولايات المتحدة الإقليمية الأخرى، قد أربك معظم الاستراتيجيين في واشنطن. ومع أنّه من المؤكّد أنّ الولايات المتحدة قد تجاهلت جيرانها لفترة طويلة جداً، ولكنّ مزيجاً من الرسوم الجمركية والتهديدات والهبات للقادة "الأصدقاء"، ودبلوماسية القوة العسكرية لا يمكن أَنْ تُعيد عقارب الساعة إلى القرن الـ19، عندما كانت الولايات المتحدة لا تضاهى في نصف الكرة الغربي.

وتفهَّمت الصين بشكل أفضل ما تريده أميركا اللاتينية، وهو التنمية الاقتصادية. على الرغم من المخاوف من أنّ البضائع الصينية ستحلّ محلّ الصناعات المحلية، فقد ارتفع حجم التجارة بين الصين وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من 12 مليار دولار في عام 2000 إلى 315 مليار دولار في عام 2020، مع توقّعات تشير إلى أنّه قد يتجاوز 700 مليار دولار بحلول عام 2035. كما أنّ تجارة البرازيل مع الصين تجاوزت تجارتها مع الولايات المتحدة بأكثر من ضعفين.

ربما كان الوضع مختلفاً لو أنّ اتفاقية منطقة التجارة الحرّة للأميركتين التي اقترحها الرئيس بيل كلينتون قد تحقَّقت. لكن بدلاً من ذلك، انتهج ترامب سياسة "أميركا أولاً" التي غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، مثل خفض المساعدات الخارجية لأميركا الوسطى خلال ولايته الأولى، الأمر الذي أدّى إلى زيادة الهجرة. ومع التخفيضات الأخيرة في المساعدات الغذائية، تواجه فنزويلا وكولومبيا، وهما من أبرز أهداف ترامب أزمات أشدّ وطأةً، ذات آثار سلبية على المزارعين الأميركيين والتجارة وجهود مكافحة المخدرات.

يكمن الخطر في أنّه خلال 4 سنوات، ستكون معظم دول أميركا اللاتينية قد ابتعدت عن واشنطن، واقتربت أكثر من الصين. وبتركيزها المفرط على أميركا اللاتينية، تتجاهل الولايات المتحدة مصالحها وحلفاءها الآخرين. وإذا ما أرسل ترامب قوات برية للإطاحة بالنظام، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها متورّطة في تصعيد عسكري سيثير استياء شعبياً واسعاً في الداخل. ومن المرجّح أن يؤدّي منع صادرات النفط الفنزويلية إلى ضرر شريان الحياة لاقْتصادها، وإلى سقوط النظام تحت وطأة التضخّم الجامح والنقص في الغذاء والسلع الأساسية الأخرى، مما سيلحق دماراً بالفقراء والطبقات المتوسطة، بينما يبدو أنّ ترامب لا يملك أيّ خطة لمساعدة الفنزويليين على التكيّف مع عدم الاستقرار السياسي في حال سقوط نظامهم السياسي.

العصر النووي الثالث

يبدأ عام 2026 بتحذير علماء الذرة من أنّ التنافس بين القوى العظمى سيؤدّي إلى ظهور مخاطر نووية جديدة، حيث تسعى قوى قائمة كالولايات المتحدة وروسيا والصين إلى زيادة مخزوناتها أو إجراء تجارب جديدة، بينما تتكشّف في الوقت ذاته تهديدات الانتشار النووي، من إيران إلى اليابان، في حقبة نووية ثالثة..

كما تُشكّل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، والأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية، نقاط ضعف جديدة للقوى النووية. لقد ولّى زمن توازن الرعب الذي ساد خلال الحرب الباردة، كما ولّى زمن الجمود الذي أعقبها، حين تعهَّدت الولايات المتحدة وروسيا بخفض مخزونهما من الأسلحة النووية بأكثر من 80%. والآن تفككت بنية اتفاقيات الحدّ من التسلّح، وآخر ما تبقّى منها هي معاهدة ستارت الجديدة، التي تحدّ من عدد الرؤوس الحربية المنتشرة لدى الولايات المتحدة وروسيا إلى 1550 رأساً، ستنتهي صلاحيتها فِي الشهر المقبل، ومصير تجديدها غير واضح.

وفي سباق التسلّح الثلاثي الناشئ، يُفكّر الاستراتيجيون العسكريون الأميركيون في أمر لا يتصوّر، خوض حربين نوويتين في آن واحد. وتعمل الولايات المتحدة على تحديث أركان ثالوثها النووي في البر والبحر والجو بتكلفة تُقدّر بنحو 1.7 تريليون دولار. كما تحدّث روسيا قواتها النووية، وتنشر رؤوساً نووية جديدةً قصيرة المدى "غير استراتيجية"، على غرار الصين. ويقول البنتاغون إنّ بكين ستمتلك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030. وردّاً على الرؤوس النووية التكتيكية الروسية والصينية، طوَّرت الولايات المتحدة صواريخ كروز نوويةً قصيرة المدى.

ورغم أنّ القوى النووية الكبرى لم تجرِ تجارب نووية منذ عام 1996، فقد أمر ترامب بإجراء تجارب نووية جديدة في حال قيام دول أخرى، مثل روسيا والصين، بإجراء تجارب نووية. وتعمل الصين على توسيع موقعها التجريبي في "لوب نور"، بينما أشارت تهديدات موسكو باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في أوكرانيا، وخفض العتبة النووية، إلى إمكانية نشوب حرب نووية محدودة. ويمتد هذا الخطر ليشمل دولاً أقل قوة نوويةً، مثل كوريا الشمالية التي عززت قدراتها الصاروخية والنووية بشكل كبير، والهند وباكستان اللتين لا يزال تنافسهما النووي مستمراً.

وفي ظل الأوضاع الأمنية المتقلّبة في الشرق الأوسط وشرق آسيا، والشكوك حول مصداقية الولايات المتحدة، تثير الصفقات الأميركية الأخيرة مثل غواصات نووية لكوريا الجنوبية، وبرنامج نووي مدني أميركي سعودي مخاوف عديدةً. وقد ينطوي كلا الاتفاقين على إعادة معالجة الوقود النووي، ما قد يؤهّلهما للانضمام إلى اليابان كقوتين نوويتين فعليتين. وتناقش كوريا الجنوبية حالياً جدوى الأسلحة النووية، واليابان تُعيد النظر في موقفها الرافض لها.

 تمرُّد جيل "Z"

يُواجه الشباب من جيل زد المولدين بين عامي 1997 و2012 والذين يشكّلون نسبة 20% من تعداد سكان العالم، مُستقبلا مليئاً بالتحديات نتيجة لتفكُّك النظام العالمي. ويتركَّز هذا الجيل في الجنوب العالمي، حيث في جنوب شرق آسيا مثلاً، يقلُّ عمر ثلث السكان أو أكثر عن 25 عاماً، وفي أفريقيا كان ما يقرب من 60% من السكان نحو 890 مليون نسمة، دون سن 25 عاماً. وحتى العام 2024، بلغ متوسط عمر سُكّان القارّة 19.3 عاماً وهو مستمر. 

وبعد أن خاب أمل جيل الألفية الثانية من الرقابة على الإنترنت، والفساد الحكومي، ونقص فرص العمل، باتوا يحدثون فوضى عارمة في الحكومات في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. ومنذ العام 2024 أسقطت موجة عارمة من الاحتجاجات التي يقودها الشباب حكومات في بنغلاديش ومدغشقر ونيبال. كما دفعت دولاً أخرى مثل إندونيسيا وكينيا والمغرب إلى إلغاء سياسات غير شعبية. وأثارت قمعاً وحشياً كما حدث في تنزانيا.

وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، يتزايد التأثير السياسي لجيل الشباب، حيث شكَّل من هم دون سن 25 عاماً 60% من سكان المنطقة في حتى العام الماضي، على الرغم من أنّه لم يشعل بعد احتجاجات "ربيع عربي" جديد أو موجة احتجاجات أخرى في إيران. وتشير احتجاجات جيل الألفية الثانية في بلغاريا في كانون الأول/ديسمبر، والتي أطاحت بحكومتها، إلى أنّ الغرب قد لا يكون بمنأى عن ذلك.

إِنّ الوضع في أفريقيا أسوأ بكثير، حيث تضمُّ المنطقة 20 دولةً من أصل 39 دولة صنَّفها البنك الدولي على أنّها هشّة أو مُتأثّرة بالنزاعات للسنة المالية الجارية. وتعاني هذه الدول من صراعات داخلية حادّة، تتراوح بين الحروب الأهلية والهجمات الإرهابية. كما تعاني جميعها من تضخّم كبير في أعداد الشباب غير المهرة مع قلة فرص العمل. وعلى مستوى أبسط، يفتقر ما يقرب من 600 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى الكهرباء.

تُعاني الدول الأفريقية أيضاً من عبء ثقيل يتمثَّل في الديون الخارجية، التي تبلغ 746 مليار دولار أميركي إجمالاً. ويبلغ متوسط الدين الحكومي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي للدول. ويعيش ما يقرب من 57% من الأفارقة في دول تنفق على خدمة الدين الخارجي أكثر مما تنفقه على التعليم أو الرعاية الصحية.

يتعيّن على هذه الدول الفتية إيجاد سبيل للتنمية وسط ما وصفه البعض بالأزمة العالمية المتعدّدة، وهي مجموعة متفاقمة من المشكلات المتداخلة. وتشمل هذه التحدّيات اتساع الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية بين الشمال والجنوب، وتراجع المساعدات، والتعامل مع المفاوضات المالية العالمية لإدارة قضايا الديون المتفاقمة، وتغيّر المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والأمراض، فضلاً عن المخاطر التي تهدّد الوظائف من جرّاء الذكاء الاصطناعي.

ومع تطوّر دراما الجيل "زد"، سيمتدُّ تأثيرها في جميع أنحاء العالم، سواء أدّى ذلك إلى الازدهار، حيث تجد الحكومات الوسائل لتعليم وتوظيف هذه الفئة، أو حيث لا تفعل ذلك، سيرتفع الفقر والإرهاب والمرض والحروب الأهلية والهجرة الجماعية.

بوتين أكثر قوة في أوكرانيا

تميلُ النزاعات التقليدية، كالحرب الروسية الأوكرانية، إلى الاستمرار لأكثر من عقد من الزمن في المتوسط إذا لم تحُلَّ خلال عامها الأول، وتتحوّل إلى نزاع مُجمّد أو تفضي إلى وقف إطلاق النار. ولكن بعد 3 سنوات من الحرب، باتت روسيا تتمتّع بموقف مُتفوّق بشكل متزايد، ويبدو من غير المرجح أن تتوصل إلى تسوية من دون الاستيلاء بالقوة على دونباس أو الحصول على المنطقة بموجب اتفاقية سلام.

ولا يملك الأوروبيون وحدهم القدرة، ولا الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، على تزويد أوكرانيا بالأسلحة التي قد تمنحها فرصة للقتال. لقد كانت مفاوضات السلام أشبه بدائرة مُفرغة لا تنتهي، حيث وافق ترامب على شروط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أن يفرضها على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي حشد الدعم الأوروبي لرفضها.

وتستهدف استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة أوروبا، مُتوقّعةً "محو الحضارة" للقارّة، ومُحمّلة إياها مسؤولية مقاومة أوكرانيا لوقف إطلاق النار. وحتى الآن لم يبدِ بوتين أيّ تنازلات لتخفيف شروطه. وفي أسوأ الأحوال، سيتعب ترامب ويلقي بعبء مشكلة أوكرانيا على عاتق الأوروبيين، الذين لن يتمكّنوا من تغيير الوضع، ولا يملكون نفوذاً يُذكر لدى الكرملين.

ومع تقدّم القوات الروسية داخل أوكرانيا، قد يزداد عناد بوتين ويقلّ اهتمامه بالتسوية. وتُشير التقارير إلى أنّ روسيا تُخزّن صواريخ بعيدة المدى قادرة على تدمير أوكرانيا. وفي أحسن الأحوال، ستعوق كييف تحقيق نصر كامل لموسكو، لكنّها لن تستطيع تحقيق سلام عادل من دون دعم قوي من حلف "الناتو" الموحّد. كما أنّ أيّ تسوية سلمية مستدامة تجنّب نشوب صراع آخر تتطلّب دعماً قوياً من الولايات المتحدة. ورغم أنّ ترامب يصرّح برغبته في وقف إطلاق النار، إلا أنّ هدفه الحقيقي يبدو أنّه إبرام اتفاقيات تجارية واستثمارية ثنائية مع روسيا. ومع تصاعد الخلافات بين القادة الأميركيين والأوروبيين، يبدو أنّ روسيا قد حقّقت هدفها طويل الأمد المتمثّل في تقسيم الغرب وإضعاف حلف "الناتو".

تدهور المناخ

ومع تفاقم أزمة تغيُّر المناخ في ظلّ إضعاف التدابير المضادة، حيث تتحمّل الدول الأفقر والأكثر تضرُّراً بالفعل، وطأة هذا التأثير. كما أنّ معارضة الولايات المتحدة للجهود المناخية تفقدها زمام المبادرة لصالح الصين. وقد وصف ترامب تغيُّر المناخ بأنّه "أكبر خدعة مورست على العالم" في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي. ولم يكتفِ بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس 2015 للمرة الثانية، بل ضغط ترامب أيضاً على دول أخرى للتخلّي عن جهودها المناخية والتركيز على استغلال المزيد من الوقود الأحفوري.

وإلى حد ما نجح هذا النهج. وفي الولايات المتحدة، تراجعت العديد من الشركات عن وعودها السابقة بمكافحة تغيُّر المناخ، وكتب مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، مُذكّرةً لافتةً قلَّص فيها مكانة تغيّر المناخ في قائمة أهداف مؤسسته الخيرية. ولم يرد ذكر الوقود الأحفوري في البيان الختامي لمؤتمر الأمم المتحدة لتغيّر المناخ لعام 2025، فضلاً عن عدم وجود خارطة طريق، وذلك بفضل عرقلة روسيا والسعودية وغيرهما من منتجي النفط. ومع التزام الصين الصمت، أظهر الاتحاد الأوروبي عجزه عن مواجهة هذه الجهود المناهضة للمناخ.

قال أحد المحللين، إنّ صمت الاتحاد الأوروبي "يعكس جُزئياً تحوّل موازين القوى في العالم الحقيقي"، وربط بين صعود قوة تحالف البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وتراجع الاتحاد الأوروبي. وحتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ثمّة مخاوف من أن يؤدّي تحقيق هدفه الطموح لخفض الانبعاثات بحلول عام 2040 إلى تفاقم ضعف القدرة التنافسية الاقتصادية للمجموعة.

في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ، أُجّل هدف تمويل المناخ للدول الفقيرة بمبلغ 120 مليار دولار سنوياً لمدة 5 سنوات عن الموعد المقترح أصلاً في عام 2030، إلى عام 2035. ويزيد هذا من أخطار المناخ على الدول الفقيرة المُعرَّضة بشدّة للجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة الذي يعوق الإنتاج الزراعي وينشر الأمراض. وفي الوقت نفسه، توقّعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمالاً بنسبة 70% أن يتجاوز متوسط الاحترار العالمي خلال السنوات بين أعوام 2025، و2029، حاجز 1.5 درجة مئوية مُقارنةً باحتمال 47% للفترة (2024-2028) في تقرير العام الماضي.

ويُعدّ تحوُّل الصين إلى عملاق في مجال الطاقة المتجدّدة الجانب الإيجابي الوحيد في مجال المناخ هذا العام. إذ تستحوذ البلاد على 74% من إجمالي قدرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح واسعة النطاق قيد الإنشاء، مُقارنةً بـ 5.9% للولايات المتحدة. ولم تفوّت الصين هذه الفرصة، فاستثمرت بكثافة في تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات، والتي شكّلت أكثر من ربع نموها الاقتصادي في العام الماضي.

شرق أوسط خطير باستمرار

على الرغم من الآمال المتجددة في "شرق أوسط جديد"، فإنّ أكثر مشكلات المنطقة استدامة هي غزة، وإيران التي قد تقترب من صراع مُتجدّد بدلاً من السلام في عام 2026. والولايات المتحدة، الغارقة في كلا الصراعين، ومع التزامات أمنية جديدة تجاه المملكة العربية السعودية وقطر، تعمل على تعميق وجودها في المنطقة، على الرغم من تعهّدها في استراتيجية الأمن القومي الجديدة بتضييق نطاق مصالحها.

وقد بدأت المرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار التي وضعها ترامب لغزة تصطدم بالواقع. فالقطاع مُقسَّم بحكم الأمر الواقع، حيث تسيطر "إسرائيل" على أكثر من نصفه، بينما يعيش معظم الفلسطينيين في النصف الآخر وسط الخراب. وفي الوقت نفسه، ترفض حركة "حماس" نزع سلاحها، وقد أعادت تأكيد وجودها العسكري والسياسي، ولا تزال الاشتباكات تندلع بين الجانبين.

وتُشير الدلائل إلى أنّ الولايات المتحدة تدرس إعادة تطوير النصف الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من غزة. وهذه الحقائق تعوق تنفيذ خطة السلام، التي تتضمّن عناصر منها قوة استقرار دولية وإدارة فلسطينية انتقالية يديرها خبراء تقنيون.

وفي الضفة الغربية، يستمرُّ عنف المستوطنين الإسرائيليين وعملياتهم العسكرية في تأجيج التوتُّرات. ويبدو الوصول إلى المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة ورسم "مسار موثوق نحو حقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم" لا يزال بعيد المنال.

وتشمل العوامل الأخرى المزعزعة للاستقرار في المنطقة الهجمات الإسرائيلية على لبنان، والتي تهدف إلى منع عودة "حزب الله"، وعلى سوريا حيث تُهدّد عملية الانتقال السياسي في البلاد. أما إيران، التي تواجه فوضى واحتمال تجدُّد الحرب، فقد تُشكّل خطراً أكبر، إذا انهار اقتصاد البلاد بسبب تشديد العقوبات المفروضة عليها من جرّاء برنامجها النووي.

كما تواجه طهران أزمة مياه بعد 5 سنوات من الجفاف وسوء إدارة السياسات الزراعية والاقتصادية. وقد حذّر الرئيس الإيراني قبل شهرين من أنّ طهران قد تحتاج إلى إخلاء سكانها إذا استمر الجفاف. وتتفاقم هذه الأوضاع بسبب مرض المرشد الأعلى علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، والذي غالباً ما يغيب عن الأنظار، بينما لا يزال خط الخلافة غير واضح، مما قد يؤدي إلى اضطرابات أو انقلاب من قبل حرس الثورة الإسلامي.

في هذا السياق، تؤكّد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ إيران لا تزال تمتلك يورانيوم مُخصَّباً، رغم القصف الأميركي والإسرائيلي، وهناك دلائل تشير إلى استمرار طهران في برنامجها النووي، وهي تراجعت عن اتفاقها مع الوكالة لاستئناف المراقبة الخارجية لأنشطتها النووية، ورفضت عروض الولايات المتحدة لاستئناف المحادثات النووية (مع أنّها تُلمّح إلى إمكانية إجراء محادثات جديدة). ويُعدّ تجدّد الهجوم الإسرائيلي و/أو الأميركي لإيران احتمالاً وارداً.

الذكاء الاصطناعي: المُغيّر الهائل

تتعدّد أوجه التأثير التحويلي للذكاء الاصطناعي، فمن جهة على سبيل المثال قد يساعد على الكشف عن أمراض مثل السرطان والزهايمر وباركنسون وعلاجها، وربما حتى الشفاء منها تماماً خلال العقد المقبل. ومن جهة أخرى، قد يكون مصدراً جديداً للاضطرابات الاجتماعية ويُساهم في تراجع الديمقراطية. كما تتزايد مخاطر الذكاء الاصطناعي حالياً، حيث قد يلغي العديد من الوظائف، وهو يساهم بالفعل في فقدانها وتجميد التوظيف. ويحذّر بعض الرؤساء التنفيذيين من أنّ الذكاء الاصطناعي قد يحلُّ محلَّ نصف العاملين في المكاتب بالولايات المتحدة.

وفي العام الماضي خلص تحليل أجراه صندوق النقد الدولي إلى أنّ 60% من الوظائف في الدول ذات الاقتصادات المتقدمة ستتأثّر بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك، يبدو أنّ هناك قلَّةً مُلّحة لإعادة النظر في التدريب على المهارات والتعليم. لكنّ المشكلة الحقيقية قد تكمن في أنّ الذكاء الاصطناعي قد لا يكون على قدر التوقّعات، أو التهديدات.

فحتى لو كانت هذه التقنية ثوريةً على المدى البعيد، فإنّ التنافس المحموم على الهيمنة عليها على المدى القريب ينذر بمخاطر مالية قد تظهر آثارها في عام 2026. وهو يُؤجّج ازدهار الاستثمار في هذه التقنية، والمخاوف من فقاعة ستنفجر قريباً بينما يعاني جزء كبير من الاقتصاد الأميركي من الركود. وفي عام 2024، استثمرت شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى أكثر من 400 مليار دولار في مراكز البيانات، ويوجد منها الآن أكثر من 5000 مركز في الولايات المتحدة.

ومن المتوقّع أن يرتفع هذا الاستثمار بشكل هائل بحلول عام 2029، ليصل إلى 1.1 تريليون دولار، ويتوقّع أن يصل إلى 2.8 تريليون دولار في البنية التحتية المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي ككلّ. ومع ذلك، يتزايد اعتماد هذا الاستثمار على الاقتراض. ولا تتوقّع شركة "أوبن إي أل"، تحقيق أرباح حتى عام 2030، بينما تأمل "شركة أنثروبيك" في تحقيق نقطة التعادل بحلول عام 2028.

وكما لا يبلّغ الكثيرون من روّاد الذكاء الاصطناعي عن عائد على مبادراتهم. وتثير الفجوة بين الاستثمارات الضخمة وقلة الإيرادات مخاوف من انهيار يُذكر بانهيار فقاعة الإنترنت عام 2000، إن لم يكن أسوأ منه. كما توجد فجوة بين احتياجات الذكاء الاصطناعي من الطاقة والكهرباء المتاحة، على الرغم من إنشاء محطات توليد طاقة جديدة، مما يبقي بعض مراكز البيانات مُعطّلة ويرفع أسعار الكهرباء.

لا تنتهي المخاطر عند هذا الحدّ. ويعتقد بعض الأميركيين، من ضمنهم جينسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، أنّ الصين تتقدّم في سباق ابتكارات الذكاء الاصطناعي، ونهجها في ذلك مفتوح المصدر، كما أثبت برنامج الدردشة الآلي الشهير "ديب سيك"، عن قدرة إنتاج نماذج أرخص وأكثر فعاليةً، وإن كانت أقل تطوراً من الناحية التقنية، مُقارنةً بالمنتجات الأميركية. وبينما تسعى نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية إلى تحقيق ذكاء خارق، تُركز الصين على التطبيقات العملية. وقد تجذب هذه المنتجات شريحة واسعة من دول الجنوب العالمي، التي تستخدم بالفعل البنية التحتية الرقمية الصينية. إضافة إلى هذه المخاطر، هناك القلق، كما أعرب مؤسسو الذكاء الاصطناعي، من أنّه سيؤدّي إلى انقراض البشر.

عدم استقرار آسيا والمحيط الهادئ 

تتعدّد المخاطر في آسيا حالياً، لكنّ بعض الجهات المشتبه بها عادةً مثل كوريا الشمالية باتت أكثر وضوحاً لغيابها عن استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة. ورغم أنّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي في شرق آسيا لم تتراجع، فمن المرجّح أن تبقى العلاقات الأميركية الصينية مُستقرّةً خلال العام الجاري على الأقل. ومن غير المرجح أن يتصاعد الضغط العسكري الذي تمارسه بكين على تايوان، وكذلك في بحري الصين الجنوبي والشرقي إلى ما يتجاوز حدود الأنشطة غير المشروعة.

كذلك، تُشكّل تعريفات ترامب الجمركية وفائض الطاقة الإنتاجية الصينية تهديدين مزدوجين للاقتصاد الآسيوي، وهي تُقوّض شبكات الإنتاج الإقليمية في جنوب وشرق آسيا القائمة على استراتيجية "الصين + 1"، وهي خطة تنويع ينقل فيها المستثمرون المصانع خارج الصين مع استخدام مُكوّنات صينية. ورغم تشجيع الولايات المتحدة لمثل هذه الخطوات خلال إدارة ترامب الأولى، فإنّها تسعى الآن إلى استبعاد الصين تماماً من سلاسل التوريد هذه.

لقد وقّع ترامب اتفاقيات تجارية مع 4 دول أعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا، لكنّ الولايات المتحدة لم تحدّد بعد مستويات الرسوم الجمركية النهائية. وستعتمد هذه المستويات على كيفية تحديد ترامب لقواعد المنشأ، وهي المبادئ التوجيهية التي تحدّد، على سبيل المثال، ما إذا كانت السلع التي تستخدم مكوّنات صينية، والتي تمّت معالجتها وتحويلها إلى منتجات نهائية في فيتنام (أو دول أخرى) ثم تصديرها، قد أضافت قيمة محلية كافيةً لفرض رسوم جمركية عليها وفقاً للأسعار الفيتنامية، أو ما إذا كانت تُصنَّف كسلع عابرة تخضع لرسوم جمركية أعلى وفقاً للأسعار الصينية.

كما أنّ التعريفات الحالية تؤثّر بالفعل على آسيا، ولكن إذا اشترطت الولايات المتحدة مُسْتَويات عالية كأن تصل إلى 50% أو أكثر من القيمة المضافة، لتجنُّب تعريفات الشحن العابر، فقد يتضرَّر اقتصاد جنوب شرق آسيا بشدة، خاصة إذا أدى تدفّق فائض السلع الصينية إلى إغلاق مصانع رابطة دول مجموعة "آسيان".

وبينما تتركّز مخاطر الصراع الأمني في جنوب آسيا، تبرز التوترات بين الهند وباكستان، عقب الهجمات الإرهابية الأخيرة، وتبرز وضعاً مُتفجّراً، حيث ادّعى كلا الجانبين النصر بعد مناوشات وقعت هذا الربيع. وفي غضون ذلك، ازداد الجيش الباكستاني وأفراده، مثل قائد القوات المسلحة عاصم منير جُرأةً بفضل التعديلات الدستورية التي عزّزت سلطته.

لقد تعزّز موقف منير بفضل نجاحه الدبلوماسي في إقناع ترامب بالانحياز لباكستان وتوبيخ الهند، وبفضل اتفاقية الدفاع الباكستانية مع السعودية. في المقابل، يبدو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ضعيفاً من جرّاء تجاهل ترامب له. وكلا الزعيمين في الهند وباكستان لديه ما يريد أن يُثبته، في ظلّ مزيج من النزاع المتصاعد في منطقة كشمير، ومخاوف الإرهاب، والمشكلات مع أفغانستان، والخلافات المائية، التي قد تشعل فتيل التوتر من جديد.

تُواجه باكستان أيضاً جبهةً ثانيةً تتمثّل في الإرهاب، وصراعها المستمر مع الانفصاليين البلوش، وجماعة حركة طالبان باكستان المسلحة التي عادت إلى الظهور بقوة. وقد امتدت المواجهات مع هذه الجماعة الأخيرة إلى اشتباكات عسكرية مع كابول، وتقوم إسلام آباد بترحيل ثلث اللاجئين الأفغان البالغ عددهم ثلاثة ملايين لاجئ والذين يعيشون في باكستان عبر حدود متنازع عليها يسهل اختراقها.

بإيجاز، لا تزال التوترات في المنطقة مرتفعةً، مع وقف إطلاق نار متقطّع، بينما تُشير القضايا العالقة، بما في ذلك النزاعات الحدودية المتصاعدة بين الهند والصين، إلى مزيد من تأجج الصراع.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.