"الأتلانتيك": الحرب بأي اسم آخر

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عادت إلى الحرب مع إيران دون أن تعترف بذلك علناً.

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب

أكدت مجلة "الأتلانتيك" الأميركية أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عادت فعلياً إلى الحرب مع إيران، لكنّها لا تريد الاعتراف بذلك، بحيث أنّها لا تقدّم إحاطات سرية لمسؤولي الكونغرس، ولا مؤتمرات صحافية، ولا إجابات بشأن الأسئلة الأساسية، لافتةً إلى أنّه حتى مقتل الجنود الأميركيين عُومل وكأنه ناجم عن "صراع آخر".

فيما يلي النص منقولاً إلى اللغة العربية:

في الأيام الأحد عشر التي انقضت منذ استئناف الولايات المتحدة غاراتها الجوية على إيران، لم يُدلِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولا أي مسؤول رفيع آخر في الإدارة الأميركية بأي تصريح علني بشأن هذه الحملة.

بدأت القوات الأميركية بضرب المنشآت العسكرية الإيرانية، ثم توسعت لاحقاً لتشمل مهاجمة البنية التحتية المدنية التي تقول الإدارة الأميركية إنها تُستخدم لأغراض عسكرية.

وحتى اليوم، لم يتلقَّ مسؤولو الكونغرس أي إحاطات سرية حول المرحلة الأخيرة من الحرب، وفقاً لما أفاد به مساعدون للمجلة.

لم يعقد البنتاغون، الذي ظهرت قيادته أمام الكاميرات في الأسابيع التي تلت بدء الحرب في أواخر شباط/فبراير الماضي، أي مؤتمر صحافي منذ أيار/مايو الماضي للإجابة حتى على الأسئلة الأساسية: لماذا استئناف الحرب ضروري؟ ما هي الأهداف الاستراتيجية، وكيف تغيرت؟ كم عدد الخسائر التي تكبدتها القوات الأميركية؟ ما الذي سيحدد النجاح؟

ترامب، الذي ادعى مراراً وتكراراً أن الحرب قد حُسمت بالفعل، كان قد حدد موعداً لخطاب متلفز للأمة الأسبوع الماضي. لكن بدلًا من الحديث عن الحرب، ركز على أمن الانتخابات، ولم يذكر إيران إلا عرضاً، قائلًا للأمة: "نحن أيضاً نحقق انتصارات كبيرة في إيران، وسترون ثمار هذا العمل قريباً جداً". (يصعب التوفيق بين هذا وبين سجله خلال الأشهر القليلة الماضية).

تواجد وزير الدفاع بيت هيغسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في مبنى الكابيتول بعد ظهر اليوم للمطالبة بتخصيص 67.1 مليار دولار كتمويل عسكري طارئ لتجديد الذخائر وتلبية الاحتياجات الأخرى، إضافةً إلى طلب ميزانية البنتاغون العادية البالغ 1.5 تريليون دولار . ولم يذكر أي منهما اسم إيران في بيانهما الافتتاحي. ووصف هيغسيث الحرب في شهادته بأنها "عملية عسكرية".

قُتل ما لا يقل عن 18 جنديًا أميركياً في المعارك منذ بدء الحرب على إيران، وهو عدد يفوق عدد القتلى في أفغانستان في أعوام 2016 و2017 و2018 مجتمعة

حتى وفيات الجنود الأميركيين عُوملت وكأنها ناجمة عن صراع آخر. فبعد مقتل جنديين أميركيين في الأردن بصاروخ إيراني يوم الجمعة الماضي، صرّح البنتاغون في البداية بأنهم لقوا حتفهم أثناء دعمهم لعملية "العزم الصلب"، وهي الحملة التي استمرت لأكثر من عقد ضد "تنظيم داعش".

ثم أصدر البنتاغون بيانًا آخر ذكر فيه أن الجنديين، بالإضافة إلى جندي ثالث قُتل في العراق إثر انفجار طائرة مسيّرة، لقوا حتفهم أثناء "دعمهم عمليات خارجية"، لكنه لم يذكر صراحةً عملية "الغضب الملحمي"، وهو الاسم الذي أطلقه البنتاغون على الصراع مع إيران. (وأعلن البنتاغون اليوم عن وفاة جندي آخر كان قد أُبلغ عن فقدانه في الأردن).

مع احتساب هذه الوفيات، يكون قد قُتل ما لا يقل عن 18 جنديًا أميركياً في المعارك منذ بدء الحرب، وهو عدد يفوق عدد القتلى في أفغانستان في أعوام 2016 و2017 و2018 مجتمعة، ويقل قليلًا فقط عن إجمالي عدد القتلى المسجل خلال 12 عاماً من العملية ضد "داعش".

من المقرر أن يحضر ترامب مراسم نقل جثامين الجنود القتلى في قاعدة دوفر الجوية. إلا أن كلمته الموجزة التي أشاد فيها بهم أعقبها سريعاً إصراره المعتاد على أن الحرب تسير على ما يرام.

وقد شنّ ترامب هجوماً لاذعاً على إيران عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متوعداً بمعاقبة نظامها على قتل الأميركيين. لكن مسؤولًا رفيع المستوى أقرّ بأن التقييمات الاستخباراتية الأولية كشفت أن الموجة الجديدة من الضربات الأميركية لم تُحدث على الأرجح تغييراً يُذكر في سلوك إيران.

وتوقع ترامب نصراً سريعاً، ولذا لم يستعد الجيش لصراع طويل الأمد. لم يكن هناك حشد للقوات على مدى أشهر، ولا انتشار واسع النطاق للقوات.

ورغم أن الجيش ضخ قوات إضافية في المنطقة، إلا أن العديد من الأصول - لا سيما سفن البحرية - حُوّلت من جبهات حرب أخرى بدلًا من تدريبها لهذا الصراع.

ومنذ ذلك الحين، مدد البنتاغون انتشار ما يقرب من نصف تلك السفن، مما زاد من الضغط على قوة عسكرية تعاني أصلًا من نقص الموارد.

تحالفت الولايات المتحدة مع "إسرائيل" في شن الحرب، لكنها لم تطلب الدعم مسبقاً من حلفائها الآخرين. ولم تعرض أي دولة التدخل نيابةً عن القوات الأميركية أو تحمل عبء حصار ترامب لمضيق هرمز وحماية القوات الأميركية في المنطقة.

 لا يبدو أن هناك مخرجاً من الفخ سوى الاعتراف بالهزيمة في إيران، لذا فمن المتوقع أن تستمر إدارة ترامب في القتال، على أمل أن يؤدي ذلك إلى نتيجة أفضل.

في مبنى الكابيتول، لم يلقَ هيغسيث وكين ترحيباً حاراً لطلبهما أن يغطي دافعو الضرائب تكلفة "جوانب معينة" من الحرب، والتي قدروها بمبلغ 37.5 مليار دولار.

وقال ضابط عسكري رفيع سابق: "لقد اختارت الإدارة خرق جميع القواعد، وقالت إن كل من سبقها كان أحمقاً لاتباعه استراتيجية التواصل مع الشعب والحلفاء ووضع الأهداف. والآن نحن في حرب بلا خيارات جيدة، وبلا دعم أميركي أو دولي. إنه فخٌّ صنعناه بأنفسنا".

ونظراً لأنه لا يبدو أن هناك مخرجاً من هذا الفخ سوى الاعتراف بالهزيمة، فمن المتوقع أن تستمر الإدارة في القتال، على أمل أن يؤدي ذلك إلى نتيجة أفضل.

حتى بعض أقرب حلفاء ترامب أقروا سراً بأنه في مأزق. أمامه خياران: إما تصعيد الصراع والمخاطرة بفقدان المزيد من الجنود الأميركيين واستنزاف مخزونات الذخيرة مع الإضرار بفرص الجمهوريين في الانتخابات هذا الخريف، أو الانسحاب الآن لتقليل خسائره السياسية مع ترك إيران في وضع استراتيجي أقوى مما كانت عليه منذ عقود.

هذا النوع من الإذلال هو ما يكرهه ترامب. لكن أحد حلفاء ترامب لفت الانتباه إلى تحول في الخطاب على قناة "فوكس نيوز"؛ ففي الأيام الأخيرة، طرح عدد من المذيعين المؤثرين، إمكانية التخلي عن الحرب في محاولة أخيرة لمساعدة الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع. وأشار الحليف إلى أن ترامب غالباً ما يستخدم قناته المفضلة كمقياس للرأي العام.

وأخبر المجلة شخصان مقرّبان من الرئيس أن ترامب قد يُفكّر في وقتٍ ما في هذا النوع من الانسحاب. لكن في الوقت الراهن، ورغم التكاليف المتزايدة، فهو يُواصل القتال.

وبينما كان يجلس بجوار الرئيس اللبناني في المكتب البيضاوي اليوم، بدا الرئيس وكأنه يُؤكّد التزامه بنوع الحرب الأبدية التي كان يسخر منها سابقاً: "لم ننتهِ على الإطلاق"، قال ترامب للصحافيين. "لن ننسحب الآن". كما قال إن الولايات المتحدة تُخطّط لقصف جبل "رأس الفأس" للاشتباه في أنه يضم جزءاً من البرنامج النووي الإيراني.

كثيراً ما يقول المخططون العسكريون إن الأمل ليس استراتيجية، وكذلك خوض حرب مع التعامل معها على أنها أقل من ذلك. إحدى النتائج المحتملة هي مناورة طويلة الأمد تتراجع منها الولايات المتحدة في نهاية المطاف، بعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات. يقول برايان كلارك، الباحث البارز في معهد هدسون والخبير في العمليات البحرية: "لقد تحولت هذه المناوشات إلى ماراثون لم نستعد له أصلاً. والآن، نضطر إلى الاستعداد له على عجل".

إن الحرب في "الشرق الأوسط"، على ما يبدو، تتجه نحو التوسع لا الانتهاء، بغض النظر عما يقوله البيت الأبيض أو لا يقوله.

يبدو أن هدف الإدارة الأميركية هو زيادة تكلفة تعطيل إيران لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان ممراً مائياً مفتوحاً حتى أغلقته طهران في بداية الحرب. في المقابل، تسعى إيران إلى زيادة تكلفة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، مستخدمةً القوة لمنع السفن من عبور المضيق دون إذنها. كما كثّفت إيران استهدافها للسفن البحرية الأميركية، وفقًا لما أفادنا به مسؤولون أميركيون؛ ويواصل البلدان تصعيد الموقف.

مع استمرار الحرب، يبدو أن طهران قد تكيفت. ففي البداية، تمكنت إيران من إغراق الدفاعات الجوية الأميركية بطائرات مسيرة رخيصة نسبياً. لكنها تتجه بشكل متزايد إلى الصواريخ الباليستية الرخيصة سريعة الإنتاج. هذه الصواريخ أسرع من الطائرات المسيرة وقادرة على إحداث دمار أكبر بكثير.

على مدار الصراع، أهمل ترامب الالتزام بالمواعيد النهائية مراراً وتكراراً، بينما تعلمت إيران ألا تخشى تهديداته العدائية. وأخبرنا مستشاروه أن الرئيس يدرك أن الحرب تضره سياسياً، لكنه يثور غضباً على من يقولون إن الاتفاق الذي اقترحه بشأن البرنامج النووي الإيراني أضعف من الاتفاق الذي توسط فيه الرئيس السابق براك أوباما قبل عقد من الزمن.

وأعلن اليمن نيته ​ إغلاق أجزاء من البحر الأحمر أمام الملاحة، الأمر الذي قد يُفاقم أزمة الطاقة العالمية. بل إن الحرب، على ما يبدو، تتجه نحو التوسع لا الانتهاء، بغض النظر عما يقوله البيت الأبيض أو لا يقوله.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.