"فورين أفيرز": حدود القوة الأميركية

لم تكن الحرب على إيران المرّة الأولى التي يفشل فيها صنّاع القرار الأميركيون في إدراك حدود القوة الأميركية.

0:00
  • إيرانيون يحرقون علماً أميركياً في طهران
    إيرانيون يحرقون علماً أميركياً في طهران

مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول إخفاق الولايات المتحدة في إدراك حدود قوتها العسكرية، متّخذاً من الحرب الأميركية على إيران نموذجاً جديداً للإفراط في الثقة بالتفوّق العسكري.

ويرى أنّ إدارة ترامب ارتكبت خطأً استراتيجياً في حربها على إيران، من خلال خوضها الحرب من دون أهداف واضحة أو شرعية دولية أو تحالف واسع، مع تجاهل الجغرافيا الإيرانية، وأهمية مضيق هرمز، وقدرة إيران على الصمود ومواصلة القتال. كما يحذّر من أنّ تزايد تركّز السلطة في يد الرئيس، وتسييس القيادة العسكرية، والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية، قد يدفع الولايات المتحدة إلى ارتكاب أخطاء أكثر خطورة مستقبلاً.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

لم تكن الحرب على إيران المرّة الأولى التي يفشل فيها صنّاع القرار الأميركيون في إدراك حدود القوة الأميركية. لكن استخدام إدارة ترامب القوة العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية منذ 28 شباط/فبراير يقدّم مثالاً صارخاً بصورة خاصة على خطأ لطالما ميّز الاستراتيجية الأميركية في العقود الأخيرة. فقد شُنّت الحرب من دون مبرّر واضح، وبمجموعة من الأهداف المتغيّرة باستمرار، بدءاً من تغيير النظام في طهران والقضاء على طموحاتها النووية، وصولاً، في الآونة الأخيرة، إلى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يُغلق أصلاً إلا بعد بدء الحرب. ولم تكن النتائج، كما هو متوقّع، سيئة للمصالح الأميركية والشرق الأوسط على حدّ سواء.

ومع ذلك، فإن التركيز حصراً على الأخطاء المرتكبة في إيران يعني إغفال مشكلة أعمق في السياسة الخارجية الأميركية، سبقت رئاسة دونالد ترامب وستستمر بعدها. وعلى الرغم من أنّ الأخطاء المحدّدة التي ارتُكبت في إيران قد تكون ناجمة عن أوجه القصور لدى هذا الرئيس والفريق المحيط به، فإنّ المبالغة في تقدير قدرة القوة العسكرية أصبحت سمة متنامية في الاستراتيجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل.

وقد أسهم الميل إلى تجاهل حدود القوة في بعض أكبر أخطاء السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة، وكانت فيتنام المثال الأوضح والأكثر تأثيراً في هذا السياق. لكن، على الرغم من الالتزام الظاهري باستيعاب الدروس المستخلصة من ذلك التوسّع المفرط في استخدام القوة، فإنّ هذا الوهم الأميركي، أي إيماننا المفرط بقدرة القوة العسكرية على تحقيق النصر، وبالتالي بلوغ أهداف سياسية في جوهرها، ازداد سوءاً بدلاً من أن يتراجع، ولا سيّما خلال ربع القرن الماضي.

وللأسف، ثمة أسباب وجيهة للقلق من أنّ هذا الوهم سيتعمّق في السنوات المقبلة. فالسلطة الرئاسية تزداد تمحوراً حول شخص الرئيس، فيما تستمر القيود المفروضة عليها في التآكل. كما أنّ تسييس المؤسسة العسكرية، إلى جانب السلك الدبلوماسي وأجهزة الاستخبارات، يقلّل من احتمال حصول صنّاع القرار على أفضل المشورات، بما في ذلك التحذيرات الصريحة بشأن المخاطر والتكاليف. ويعزّز صعود الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأسلحة الجديدة الشعور بامتلاك وعي كامل بما يجري في ساحة المعركة والسيطرة التامة عليها، ما يغذّي غطرسة القوة العظمى. ولم يكن خطر التمادي في استخدام القوة أعلى مما هو عليه اليوم، في وقت تزداد فيه صعوبة إصلاح الأضرار الناجمة عن هذا التمادي.

الفوز في كل معركة

في نيسان/أبريل 1975، كان العقيد هاري سامرز، أحد أعضاء الوفد الأميركي المكلّف بمعالجة قضايا ما بعد الحرب في فيتنام، يجتمع في هانوي مع نظيره الفيتنامي الشمالي، العقيد تو. وقال سامرز: "كما تعلم، لم تتمكّنوا قط من هزيمتنا في ساحة المعركة". فأجابه تو: "قد يكون ذلك صحيحاً، لكنه أيضاً غير ذي صلة".

لاحقاً، ألّف سامرز كتاباً مرجعياً عن الحرب بعنوان "حول الاستراتيجية: تحليل نقدي لحرب فيتنام". وكانت الخلاصة الأساسية التي توصّل إليها بسيطة: هناك حدود للقوة الأميركية، وتجاهلها يترتّب عليه ثمن باهظ. فالحرب كانت، ولا تزال، صراعاً بين الإرادات البشرية، تتشكّل ملامحه بفعل البطولة والجبن، والخوف والنشوة، والمصادفة وعدم اليقين؛ ومهما بلغت القوة العسكرية من تفوّق، فإنّ ذلك لا يضمن لها تحقيق نصر استراتيجي.

أصبح الكتاب من القراءات الإلزامية للعديد من الضباط العسكريين، وكنتُ من بينهم. فقد التحقت بوحدة تدريب ضباط الاحتياط التابعة للقوات البحرية في جامعة تكساس قبل عامين من اللقاء بين سامرز وتو. وكان التجنيد الإجباري قد انتهى للتو، ولم تكن سايغون قد سقطت بعد، لكن النقاشات بشأن فيتنام كانت تستحوذ على اهتمام صفوفنا.

ومع دراستي للإخفاق الأميركي، بدأت أدرك أنّ إحدى أعظم نقاط قوتنا تحوّلت إلى نقطة ضعف قاتلة، وهي إيماننا الراسخ بأننا، نحن الولايات المتحدة الأميركية، لا بدّ أن ننتصر، وبالتالي سننتصر. لقد انتصرنا في الحرب العالمية الأولى، وانتصرنا في الحرب العالمية الثانية، وتمكّنّا على الأقل من الوصول إلى حالة تعادل في كوريا، بعدما صمدنا في مواجهة الكوريين الشماليين والصينيين. وبطريقة ما، ومهما كان الثمن، كنّا سننتصر في فيتنام.

إنّ الإيمان بإمكانية الانتصار أمر مهم، فهو يلهم الجنود ويحافظ على انخراط الرأي العام. لكن عندما لا يقترن الالتزام بتحقيق النصر بحُسن التقدير السياسي، وعندما يجري تجاهل مبادئ الحرب استناداً إلى اعتقاد خاطئ بأنّ التكنولوجيا أو القوة النارية قادرتان على تجاوز الاحتكاكات الملازمة للقتال، وعندما يُنظر إلى النجاحات التكتيكية بوصفها طريقاً مضموناً نحو نصر استراتيجي، وعندما تستمر تكلفة الحرب بالأرواح والأموال في الارتفاع بلا هوادة، فيما تنهار أيّ مزاعم بشأن عدالة القضية، يصبح من الضروري إعادة التقييم.

في فيتنام، كان الردّ على الخسائر المتزايدة ببساطة هو "المزيد": المزيد من الجنود، والمزيد من القنابل، والمزيد من الأموال. وكان يُنظر إلى خسارة المعركة بوصفها أمراً يتناقض مع كل ما نؤمن به؛ ولذلك واصلنا القتال على الرغم من أنّ حدود قوتنا كانت تزداد وضوحاً. وعندما جاءت النهاية أخيراً، مع الانسحاب الأميركي المتعجّل من سايغون عام 1975، ظلّ العديد من القادة العسكريين والسياسيين عاجزين عن فهم كيف تمكّنت الولايات المتحدة من الانتصار في كل مناوشة ومعركة ومواجهة تقريباً، لكنها خسرت الحرب.

أصبحت الأضرار الناجمة عن التمادي في استخدام القوة أكثر صعوبة في الإصلاح.

كانت المؤسسة العسكرية التي التحقت بها عام 1977 تعاني تداعيات حرب فيتنام. فقد أدّت "عوائد السلام" إلى تقليص كبير في عديد القوات والإنفاق العسكري. ووصل مستوى الجاهزية إلى أدنى مستوياته في مختلف أفرع القوات المسلحة، إذ انخفض عدد المجنّدين في الجيش بمقدار 60 ألفاً، وتراجع عدد سفن البحرية من نحو 650 سفينة إلى ما يزيد قليلاً على 500 سفينة.

وفي الوقت نفسه، تبيّن أنّ الانتقال إلى جيش يعتمد بالكامل على المتطوّعين ينطوي على تحديات كبيرة؛ فقد ارتفعت معدلات تعاطي المخدرات والتوترات العرقية، وتراجعت الروح المعنوية لدى كبار القادة والجنود الشباب على حدّ سواء، فيما افتقر المجنّدون الجدد إلى المهارات الأساسية.

وعندما تولّى الرئيس رونالد ريغان منصبه عام 1981، بدأ أكبر توسّع للمؤسسة العسكرية الأميركية في زمن السلم منذ الحرب الكورية. وعلى مدى ثماني سنوات، زاد الإنفاق الدفاعي بنسبة 35%. وشهدت تلك الفترة سلسلة من صفقات شراء المعدات العسكرية الكبرى، شملت دبابة "إم-1 أبرامز"، ومركبة "برادلي" القتالية، ومروحيتي "أباتشي" و"بلاك هوك"، والمقاتلتين "إف-15" و"إف-16"، والقاذفة "بي-1"، وطائرة "إي-3 سنتري".

وعادت البحرية إلى التوسّع باتجاه أسطول يضم 600 سفينة، بما في ذلك 15 حاملة طائرات، و100 غواصة هجومية، وطرّادات ومدمّرات مجهّزة بنظام القتال الثوري "إيجيس". أما بالنسبة إلى الجنود، فقد ارتفعت الرواتب، وتحقّقت أهداف التجنيد، واستُعيدت المعايير المطلوبة.

وبالقدر نفسه من الأهمية، أقرّ الكونغرس قانون "غولدووتر-نيكولز" عام 1986، الذي غيّر المؤسسة العسكرية بصورة جذرية، من خلال تعزيز دور رئيس هيئة الأركان المشتركة، وتكريس قادة القيادات القتالية الإقليمية بوصفهم المسؤولين عن خوض الحروب، وضمان تكامل القوات المشتركة، وتحسين التخطيط والمشتريات المشتركة، وصولاً إلى إنشاء قيادة العمليات الخاصة الأميركية.

وبحلول عام 1990، كانت المؤسسة العسكرية التي التحقت بها في سبعينيات القرن الماضي قد شهدت تحوّلاً جذرياً. فقد أصبح جنودنا مدرّبين تدريباً جيداً، ومجهّزين بأفضل المعدات، ويتمتّعون بدافعية عالية، والأهم من ذلك، بقيادة كفوءة.

في تموز/يوليو 1990، غادرت سان دييغو في مهمة انتشار روتينية مدتها ستة أشهر إلى غرب المحيط الهادئ. وكنت قائداً لوحدة مهام تابعة لقوات "سيل" الخاصة، ملحقة بالسرب البرمائي الخامس ووحدة مشاة البحرية الاستكشافية الثالثة عشرة. ولم أكن أعلم أنّ هذه المؤسسة العسكرية التي استُعيدت حيويتها، إلى جانب قادتنا المدنيين، كانت على وشك مواجهة اختبار، يثير التساؤل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قد تعلّمت شيئاً من فيتنام وغيرها من المهمات الفاشلة في الماضي القريب.

هل يستحق الأمر ذلك؟

في 2 آب/أغسطس 1990، أمر الرئيس العراقي صدام حسين الجيش العراقي بدخول الكويت. وفي غضون ساعات من الغزو، انعقد مجلس الأمن القومي، وعُرضت على الرئيس الخيارات المتاحة للتحرّك الأميركي.

وشدّد نائب وزير الخارجية لورانس إيغلبرغر قائلاً: "هذا هو الاختبار الأول لنظام ما بعد الحرب؛ فمع تراجع حدّة الاستقطاب في العالم الثنائي القطب، أصبح ذلك ممكناً. وإذا نجح صدام، فقد يحاول آخرون فعل الشيء نفسه".

ولحسن الحظ، لم تكن القيادة الأميركية في أي وقت مضى أقوى أو أكثر خبرة، والقيادة تكتسب أهمية خاصة في زمن الحرب. فقد كان الرئيس جورج بوش الأب طياراً شاباً في البحرية عندما أُسقطت طائرته قرب إيو جيما، قبل أن تنقذه غواصة أميركية. وكان بوش يفهم الحرب.

وفي مراحل لاحقة من حياته، شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وسفيرها الفعلي لدى الصين، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، ونائب الرئيس. ولم يسبق لأي رئيس في التاريخ الأميركي أن تولّى منصبه وهو يمتلك خبرة أكبر في شؤون الأمن القومي.

ومع ذلك، أحاط بوش نفسه ببعض أبرز الدبلوماسيين والضباط العسكريين والمتخصّصين في الاستخبارات والمفكّرين الاستراتيجيين في عصرهم، ومن بينهم مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت، ووزير الخارجية جيمس بيكر، ووزير الدفاع ديك تشيني، ورئيس هيئة الأركان المشتركة كولن باول، وكثيرون غيرهم.

وكانت القيادة المركزية الأميركية، التي ستتولّى قيادة الجهد العسكري ضد صدام، تحت إمرة الجنرال نورمان شوارزكوف. وكان شوارزكوف من قدامى المحاربين في فيتنام، وقد مُنح ثلاثة أوسمة "النجمة الفضية" تقديراً لبطولته، ووسامي "القلب الأرجواني" لإصابته بجروح قتالية.

وعند عودته من فيتنام، قال شوارزكوف متأمّلاً: "لا أحد يعارض الحرب أكثر من شخص ذكي خاضها بالفعل... وعندما يستعدون لإرسالي مجدداً، سأضطر إلى التوقّف وسؤال نفسي: هل يستحق الأمر ذلك؟ إنها مرحلة بالغة الخطورة بالنسبة إلى الأمة عندما يبدأ جيشها نفسه بالتوقّف وطرح التساؤلات".

إنّ التعامل بصدق مع هذا السؤال، "هل يستحق الأمر ذلك؟"، هو المطلب الأساسي للقيادة الجيدة. وقد درس بوش بعناية التكاليف والمخاطر المرتبطة بمواجهة صدام، وقرّر أنّ الحرب تستحق ذلك. ووضع القادة السياسيون والعسكريون الأميركيون معاً استراتيجية ذات غايات وأهداف واضحة، وحشدوا الدعم الشعبي والدولي للعمليات المرتقبة.

وقد تبيّن لاحقاً أنّ ذلك كان أفضل توظيف للقوة السياسية والعسكرية في التاريخ الأميركي الحديث، ولهذا يستحق نجاحه التوقّف عنده.

استند نجاح حرب الخليج إلى عدد من المبادئ الأساسية التي كانت في صميم الاستراتيجية الأميركية.

أولاً، ينبغي للولايات المتحدة أن تبدأ بتبنّي موقف يمنحها التفوّق الأخلاقي. فالموقع المتفوّق يعني امتلاك موقع مهيمن عند مواجهة العدو، أما التفوّق الأخلاقي فيُظهر أنّ المعركة تستحق خوضها. ومن خلاله، يستطيع القادة إلهام الجنود، وحشد الشعوب، واستنهاض الحلفاء.

ومباشرة بعد غزو صدام، أمر بوش بنشر قوات عسكرية في المنطقة، وعمل مع السعودية لترسيخ وجود عسكري في المملكة تحسّباً للحاجة إلى التحرّك العسكري. وكان بوش لا يزال يأمل في تجنّب الصراع، لكنه رأى تشابهاً "بين الخليج الفارسي والوضع في منطقة الراين خلال ثلاثينيات القرن الماضي، عندما تحدّى هتلر ببساطة معاهدة فرساي ودخل المنطقة بقواته".

ومع ذلك، كان يدرك أنّ عليه إقناع المجتمع الدولي والشعب الأميركي بأنّ أيّ خطوات قد يتّخذها ستكون أخلاقية ومشروعة وتخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وبذل بوش وفريقه جهداً دبلوماسياً مكثّفاً لحشد الدعم من الدول العربية في المنطقة، والحلفاء الأوروبيين، وموسكو وبيجين. وعلى الرغم من تشكّكه في الأمم المتحدة، سعى بوش إلى استصدار سلسلة من قرارات المنظمة التي أدانت الغزو العراقي، وفرضت عقوبات اقتصادية واسعة، وأجازت استخدام القوة إذا لزم الأمر.

وفي الوقت نفسه، عمل على إقناع الشعب الأميركي بمبرّرات التحرّك، حتى إنّ أغلبية كبيرة منه أيّدت في نهاية المطاف طريقة تعامله مع الأزمة. وعلى الرغم من اعتقاد بوش أنّ صلاحياته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة تخوّله إرسال القوات العسكرية من دون موافقة الكونغرس، فإنه سعى إلى الحصول على دعم الكونغرس وناله بالفعل.

ثانياً، أدرك بوش وإدارته أهمية بناء تحالف دولي، حتى لو كانت الولايات المتحدة تمتلك من القوة النارية ما يسمح لها بالتحرّك منفردة من الناحية العسكرية البحتة. وكان ذلك يرتبط جزئياً بالشرعية، وجزئياً بفرصة توجيه رسالة.

فقد أتاح غزو صدام فرصة لصوغ ما اعتبره بعض المسؤولين في الإدارة "نظاماً عالمياً جديداً"، تُواجَه فيه الاعتداءات بتحرّك جماعي، وتتكاتف فيه القوى الكبرى على الرغم من خلافاتها الأيديولوجية، وتؤدي فيه الأمم المتحدة والقانون الدولي دوراً محورياً بدلاً من تجاهلهما.

واستفاد بوش من العلاقات الشخصية القوية التي بناها خلال مسيرته الطويلة في الخدمة العامة، فحصل على دعم شخصيات تراوحت بين المستشار الألماني هلموت كول والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، والملك السعودي فهد والرئيس المصري حسني مبارك، وصولاً إلى الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف.

كذلك، أطلق وزير الخارجية بيكر حملة من الدبلوماسية المكوكية قادته إلى أنحاء مختلفة من العالم، وساهمت في توسيع التحالف.

وفي النهاية، لم تحصل الولايات المتحدة على دعم المجتمع الدولي فحسب، بل تحمّل الآخرون أيضاً جزءاً كبيراً من تكاليف الصراع. وقد بلغ عديد قوات الحلفاء التي جرى حشدها 750 ألف جندي من 36 دولة، بينهم 540 ألف أميركي، لتشكّل أكبر قوة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية.

وضمّ التحالف، وهو أمر بالغ الأهمية، قوات عربية من السعودية والكويت ومصر وسوريا وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والبحرين.

وكانت إدارة التحالف مهمة صعبة. وقد قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ذات مرة: "هناك شيء واحد فقط أسوأ من القتال إلى جانب الحلفاء، وهو القتال من دونهم". لكن بوش أدرك أنّ الدعم الدولي يمنح العمليات شرعية ويعزّز الاستقرار الإقليمي. كما أنّه يوجّه رسالة إلى صدام وإلى العالم.

ثالثاً، حرص بوش ومستشاروه على تحديد غايات وأهداف واضحة، مع ضمان التوافق بين الأبعاد السياسية والعسكرية. فعلى المستوى السياسي، كان الهدف التمسّك بالقانون الدولي وإعادة السلام إلى المنطقة، فيما جاءت الأهداف العسكرية دعماً لهذه الغايات السياسية.

وكان على التحالف طرد القوات العراقية من الكويت، لكن مع السعي إلى تقليل الخسائر في صفوف القوات الصديقة، والحفاظ على التحالف، والحدّ من مدة الحرب. وكان القادة الأميركيون واضحين منذ البداية: لن يكون هناك تقدّم نحو بغداد أو انخراط طويل الأمد في مواجهة الجيش العراقي.

لهزيمة العدو، عليك أن تقف على الأرض التي يعتز بها وتفرض سيطرتك عليها. لكن حتى مع هذه الأهداف المحدودة، لم يكن القادة المدنيون أو العسكريون يتوهّمون أنّ النجاح سيكون سهلاً أو بلا تكلفة.

فطرد عدو مصمّم على القتال ويسيطر على الأرض يتطلّب قوة نارية ساحقة واستعداداً لتنفيذ عمليات برية. وكما شدّد كارل فون كلاوزفيتز في كتابه "عن الحرب"، فإنّ الدفاع أقوى من الهجوم، لأنّ المدافع ليس عليه سوى الحفاظ على ما يمتلكه وحمايته، بينما يتعيّن على المهاجم فرض إرادته على العدو.

ويرى كلاوزفيتز أنّ السبيل الوحيد للتغلّب على القوة الكامنة في الدفاع هو استخدام قوة نارية ساحقة.

وكان العراقيون مستعدّين للدفاع عن الأراضي التي سيطروا عليها في الكويت؛ فقد كانوا يسيطرون على الأرض، وكانت الجغرافيا في مصلحتهم، وامتلكوا قوة قتالية متمرّسة بعد ثماني سنوات من القتال ضد الإيرانيين.

لكن تشيني وباول وشوارزكوف فهموا مبادئ الحرب. فقد امتلكوا هدفاً محدّداً بوضوح، وحشدوا القوة النارية الأميركية في المناطق الأكثر أهمية، وقبلوا بالمخاطرة في المناطق الأقل أهمية، وكانوا مستعدّين للمناورة ضد العدو. كما التزموا بالانسحاب فور تحقيق الأهداف، وعدم السماح للحرب بالاستمرار مدة أطول من اللازم.

وكان تحقيق هذه الأهداف يتطلّب نشر قوات على الأرض، وبأعداد كبيرة. فقد أدرك القادة العسكريون والمدنيون الأميركيون أنّ هزيمة العراقيين تتطلّب أكثر من مجرد قوة جوية.

وفي وقت مبكر، أشار تشيني إلى أنّ "تاريخ الحملات الجوية يُظهر أنّها ليست ناجحة كثيراً".

ووافقه باول قائلاً: "إنّ تعزيز ردع أيّ تحرّك عراقي ضد السعودية سيتطلّب وجود قوات أميركية على الأرض... وهذا يعني مواجهة كبرى. وسيتعيّن الالتزام بمعظم القوات الأميركية لدعم العملية، وليس ليوم أو يومين فحسب".

إذا كان هناك درس مهم تعلّمته خلال أكثر من أربعة عقود من الخدمة العسكرية، فهو أنّه لهزيمة العدو، يجب أن تقف على الأرض التي يعتز بها وتفرض سيطرتك عليها.

ولهذا السبب غزا الإسكندر بلاد فارس، وعبر وليام الفاتح القناة الإنجليزية إلى إنكلترا، وتوغّل جنكيز خان في الصين، وزحف شيرمان إلى أتلانتا، ونزل الحلفاء في نورماندي، ودخلت الولايات المتحدة الكويت بقواتها.

لكن، كما حذّر تشيني، "لا ينبغي لنا أن نبدأ هذا الأمر إلا إذا كنّا مستعدّين للمضي فيه حتى النهاية... والمشكلة أنّ صبر الشعب الأميركي على الحرب قد يكون قصيراً".

بدأت عملية "عاصفة الصحراء" بغارات جوية عند الساعة الثانية و38 دقيقة فجراً بتوقيت بغداد، في 17 كانون الثاني/يناير 1991.

وبعد 43 يوماً من العمليات الجوية و100 ساعة من العمليات البرية، تحقّقت الأهداف السياسية والعسكرية لواشنطن. فقد طُرد الجيش العراقي من الكويت، وكانت معظم القوات الأميركية في طريقها إلى الوطن بعد ذلك بوقت قصير.

وكتب بوش في مذكّراته: "نحن نفعل شيئاً لائقاً، ونفعل شيئاً جيداً. وقريباً ستصبح فيتنام وراءنا".

دروس لم نستوعبها
شكّلت عملية "عاصفة الصحراء" نقطة تحوّل، ولكن ليس بالطريقة التي كان ينبغي أن تكون عليها. فقد أتاحت فرصة لاستيعاب الدروس المتعلّقة بكيفية استخدام القوة بفاعلية، وبما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه وما تعجز عنه. لكنها، بدلاً من ذلك، أطلقت موجة من نشوة الانتصار.

عندما عدت من عملية "عاصفة الصحراء"، حيث كنت قد قدتُ قوة مهام للعمليات الخاصة، كانت مشاعر الابتهاج واضحة؛ لقد أصبحنا منتصرين مجدداً. وكان الانتصار مسكراً إلى حدّ أعادنا إلى الاعتقاد الخاطئ بأنّ قوتنا قادرة على فعل أيّ شيء تقريباً لتشكيل العالم وفق رغباتنا.

وزاد من هذه النشوة مستوى التكنولوجيا الذي ظهر خلال العمليات ضد العراق. فقد أصبحت الذخائر الموجّهة بدقة قادرة على إصابة هدف متحرّك بقنبلة تزن 500 رطل من ارتفاع 20 ألف قدم. وكان بالإمكان إطلاق صواريخ "توماهوك" المجنّحة من السفن والغواصات على أهداف تبعد مئات الأميال.

كما أمكن لقمر اصطناعي تابع لنظام تحديد المواقع العالمي توجيه كتيبة مشاة عبر صحراء منبسطة ليلاً، وإيصالها بدقة إلى وجهتها المحدّدة. وكان نظام الرادار المشترك للمراقبة واستهداف الهجمات قادراً على رصد تحرّكات الجيش العراقي.

وأتاحت أنظمة القيادة والسيطرة الرقمية إصدار أوامر المهام الجوية المحوسبة، وتأمين الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، واستخدام أدوات التخطيط الرقمي.

ولم يسبق لأيّ جيش في التاريخ أن امتلك القدرة على السيطرة على ساحة المعركة بالدقة التي حقّقناها خلال عملية "عاصفة الصحراء".

وكان من المنطقي البناء على هذا النجاح لإطلاق ثورة في الشؤون العسكرية من شأنها تحسين أسلوب خوض الولايات المتحدة للحروب. لكن هذه التجربة غذّت أيضاً اعتقاداً واسع الانتشار بأنّ التكنولوجيا قادرة على تجاوز الاحتكاكات والتكاليف والمخاطر المتأصّلة في الحرب.

ستقيّدنا أيضاً حدود الوقت. وهذا ليس قيداً أميركياً حصرياً، لكننا نبدو أكثر معاناة منه مقارنة بمعظم الدول. ويُقال إنّ الروس مستعدّون لأكل العشب قبل الاستسلام. أما سمعة الولايات المتحدة، فهي أننا سنسأم القتال عاجلاً أم آجلاً وننسحب.

وتنبع هذه السمعة إلى حدّ كبير من حقيقة أنّ نظامنا الديمقراطي يتطلّب دعماً شعبياً للحفاظ على انخراط عسكري طويل الأمد. وحتى عندما يكون هناك سبب مقنع لإرسال شبابنا وشاباتنا إلى المعركة، فإنّ التكلفة بالأرواح والأموال قد تتجاوز سريعاً إحساسنا الجماعي بضرورة القتال.

وأخيراً، ستقيّدنا نوعية قيادتنا السياسية والعسكرية. فمن دون قادة ذوي خبرة، يفهمون ضرورة إرساء الشرعية، وبناء التحالفات، وتحديد أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، والالتزام بالمهمة، وحصر مدة القتال بما هو ضروري فقط، لن يكون لكل ما نمتلكه من قوة في العالم أيّ جدوى.

في تسعينيات القرن الماضي، ركّزت المهمات العسكرية الأميركية، انسجاماً مع الثقة التي أعقبت عملية "عاصفة الصحراء" والآمال التي أفرزها عالم ما بعد الحرب الباردة، على دعم المعايير الدولية واحتواء الأضرار الإنسانية. وقد نجح بعضها، كما في البوسنة وكوسوفو، فيما كان بعضها الآخر أقلّ نجاحاً، كما في الصومال.

لكن الإخفاق في استيعاب الدروس الصحيحة من حرب الخليج أصبح واضحاً بصورة خاصة بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، مع استمرار سوء فهم حدود القوة الأميركية وما تستطيع المؤسسة العسكرية تحقيقه وما تعجز عنه.

الحرب في أفغانستان تحوّلت إلى صراع طويل الأمد بأهداف متغيّرة، وغايات عسكرية وسياسية غير متوافقة، في مواجهة حركة طالبان المصمّمة على القتال فوق أرضها.

وحتى بعد عملية القوات الخاصة التي أسفرت عن مقتل زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، ظلّت الغايات والأهداف في أفغانستان تتغيّر.

وكما هي الحال دائماً، كانت قوة المؤسسة العسكرية تكمن في جنودنا؛ فقد كانوا شجعاناً ومنضبطين ومتمكّنين من التكنولوجيا. وارتكبنا أخطاء، لكن لم يكن هناك نقص في الروح القتالية أو النجاحات التكتيكية.

وحتى الدعم الشعبي ظلّ قوياً خلال معظم سنوات الحرب. لكننا أخفقنا عندما افترضنا أنّ النصر السريع يمكن أن يمتدّ إلى المهمة المعقّدة المتمثّلة في محاربة التمرّد، وتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب، وبناء دولة.

وحتى لا أبدو متعالياً في انتقادي للاستراتيجية الأميركية، لا بدّ من توضيح أمر: بصفتي قائداً ميدانياً في أفغانستان، وقعتُ في الفخ نفسه، معتقداً أنّ المزيد من الجنود والأسلحة والأموال يمكن أن يحلّ بعض أكثر المشكلات استعصاءً. لكن ذلك لم يكن ممكناً.

أما حرب العراق، التي استندت منذ بدايتها إلى مبرّرات أكثر هشاشة بكثير، فقد تحوّلت هي الأخرى إلى مهمة لمكافحة التمرّد والإرهاب، مع قوات غير كافية، وتحالف محدود، وجدول زمني متغيّر.

ومرة أخرى، كان جنودنا على قدر كل ما كان يمكن للشعب الأميركي أن يأمله منهم، لكن قادتنا تجاهلوا مراراً المبادئ الأساسية للحرب.

فقد استند ادّعاؤنا با إلى معلومات استخباراتية خاطئة، وكان دعمنا الدولي محدوداً، فيما تحوّلت أهدافنا من الإطاحة بصدام إلى محاولة بناء ديمقراطية على النمط الغربي.

في العراق وأفغانستان لم تتحقّق سوى مكاسب محدودة، مقابل تكاليف هائلة تكبّدتها مؤسستنا العسكرية وجنودنا، وجبهتنا الداخلية، وشرعيتنا الدولية.

شبه منيعين على الهزيمة

ومع ذلك، لم تنجح حتى هذه التجارب الحديثة، التي شهدها عدد من الأعضاء البارزين في إدارة ترامب بأنفسهم خلال خدمتهم العسكرية، في غرس الحذر لديهم عندما تعلّق الأمر بإيران في وقت سابق من هذا العام.

وفي ضوء سقوط حكومة الأسد في سوريا، وتدمير قوة حماس في غزة، وإضعاف حزب الله في لبنان، يسهل فهم الإغراء الذي تمثّله محاولة تغيير النظام الإيراني.

وفضلاً عن ذلك، في أعقاب العملية اللافتة لأسر الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، حيث أظهرت القوات الأميركية سرعة استثنائية وقدرة قتالية فتاكة وشجاعة في التغلّب على منظومة دفاعية بالغة التطوّر، كان من السهل جداً على صنّاع القرار الأميركيين أن يفترضوا مجدداً أنّ قوة تكنولوجيتنا وشجاعة جنودنا وخبرتهم تجعلنا شبه منيعين على الهزيمة.

لكن هناك سبباً لعدم محاولة أيّ رئيس أميركي تغيير النظام في إيران منذ عام 1979، ولا يرتبط هذا السبب كثيراً بالعزيمة أو الإرادة السياسية.

فقد كانت التحديات المتعلّقة بالشرعية، وبناء التحالفات، والجغرافيا، وإرادة العدو، فضلاً عن حقيقة أنّ تحقيق هدف طموح كهذا سيتطلّب نشر قوات برية أميركية، جميعها عوامل تعارض الإقدام على مثل هذه الخطوة.

ومنذ بداية الحرب على إيران، لم تُبذل أيّ محاولة لبناء شرعية دولية. فقد بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير بضربة أميركية - إسرائيلية مشتركة.

ومما زاد الأمور سوءاً أنّ غارة جوّية أصابت مدرسة ابتدائية إيرانية، ما أسفر عن مقتل 120 طالباً.

الأخطاء تقع في الحروب، لكن عدم اعترافنا بخطئنا عزّز الشعور بانعدام الشرعية والنزعة الانتقامية، وأفقدنا ما كان يمكن أن نتمتّع به من تفوّق أخلاقي.

ولم تُبلغ إدارة ترامب أيّاً من حلفاء الولايات المتحدة بالضربة الوشيكة، ولا سيّما الدول العربية المجاورة، ما أدّى منذ البداية إلى انعدام الثقة الإقليمية.

وفي وقت لاحق، عندما طلب الرئيس دعم الحلفاء لفتح مضيق هرمز، قوبل بفتور دولي. ولم يكن هذا الرفض مفاجئاً، فقد اشتهر ترامب بأسلوبه اللاذع في التعامل مع القادة الأوروبيين.

لا تستخفّ أبداً بإرادة العدو في القتال.

ولم يكن هناك قط فهم واضح للأهداف. فقد أعلنت الإدارة في البداية أنّها تريد تغيير النظام، لكن ترامب قال لاحقاً للصحافيين إنّه لم يكن مهتمّاً قط بتغيير النظام.

وادّعت الإدارة أنّ هناك ضرورة ملحّة للتحرّك استباقياً لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وشيك. لكن عندما وُجّهت الأسئلة إلى ترامب لاحقاً، قلّل من أهمية هذه المخاوف، قائلاً إنّه لم يتبقّ في إيران سوى "غبار نووي".

وبعدما أغلقت إيران المضيق، وأصبحت إعادة فتحه أمام الملاحة البحرية المحور الأساسي للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية على حدّ سواء، قال ترامب للعالم إنّ ذلك لا يهمّ كثيراً، لأنّ الولايات المتحدة لا تحتاج إلى النفط.

وبدا أنّ الأهداف تتغيّر يوماً بعد يوم. ولا يساورني شكّ في أنّ المخطّطين العسكريين الأميركيين كانوا يدركون حدود القوة الجوية عندما يتعلّق الأمر بتحقيق أهداف الولايات المتحدة في إيران. وكان ينبغي أن يشكّل ذلك إشارة إلى البيت الأبيض بأنّ تحقيق النصر غير مرجّح ما لم تكن المؤسسة العسكرية تعتزم غزو إيران.

وكانت الجغرافيا ستشكّل دائماً عاملاً مقيّداً. فخلال ما يقرب من 40 عاماً من خدمتي العسكرية، أمضيتُ معظمها في الشرق الأوسط، لم أقابل جنرالاً أو أميرالاً يتحدّث عن إيران من دون أن يتحدّث عن مضيق هرمز.

فقد كان المضيق سلاح الدمار الشامل الذي تمتلكه إيران، وحصنها في مواجهة الغزو، وورقتها الرابحة مهما كانت طبيعة المواجهة.

إضافة إلى ذلك، كانت القيادة الإيرانية في موقع المدافع؛ فلم يكن عليها سوى الحفاظ على نفسها وحمايتها كي تنتصر. وهذا ما فعلته بالفعل. وفي هذه المرحلة، من المستبعد جداً أن تقف القوات الأميركية يوماً على الأرض التي يعتزّ بها الإيرانيون وتعلن أنّها أصبحت تحت سيطرتها.

وكانت الحرب الأميركية مقيّدة أيضاً بإرادة العدو. فمن عام 1980 إلى عام 1988، خاضت إيران والعراق حرباً شرسة أودت بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين.

وكان ينبغي أن يكون واضحاً منذ بداية هذه الحرب أنّ الإيرانيين سيقاتلون، وسيقاتلون بشراسة.

حدود القوة

إنّ هذا الإخفاق الجسيم في إدراك حدود القوة وفهمها ليس ظاهرة جديدة في التاريخ الأميركي، أو في التاريخ العسكري عموماً.

فمع كل ثورة في التكنولوجيا العسكرية، من سلاح الفرسان إلى الوحدات الآلية، ومن البنادق التي تطلق طلقة واحدة إلى رشاش "غاتلينغ"، ومن الطائرات ذات المراوح إلى الطائرات النفاثة، يرغب القادة بشدة في الاعتقاد بأنّ بإمكانهم تجاهل الطبيعة الأساسية للحرب.

ومع ازدياد قدرتنا على بسط قوتنا في مختلف أنحاء العالم، نرغب بشدة في الاعتقاد بأنّ الجغرافيا لم تعد مهمة.

ومع إتاحة وسائل الإعلام الجديدة لنا رؤية الغضب الشعبي داخل مجتمع الخصم، نرغب بشدة في الاعتقاد بأنّ بإمكاننا إحداث التغيير بأقلّ قدر من المخاطر أو الالتزامات.

ومع تسريع الذكاء الاصطناعي عملية اتخاذ القرارات التكتيكية، نرغب بشدة في الاعتقاد بأنّ بالإمكان تجاهل الدروس المستخلصة من الخبرة العسكرية.

لكن هذه المعتقدات ليست سوى أوهام. والأكثر إثارة للقلق أنّ هناك عدداً من الاتجاهات البنيوية في الولايات المتحدة يشير إلى أنّ المشكلة ستزداد سوءاً بدلاً من أن تتحسّن، مهما بدت الدروس المستخلصة من الحرب على إيران واضحة في الوقت الراهن.

ويتمثّل الاتجاه الأول في التوجّه المتزايد نحو قيادة رئاسية تتمحور حول شخص الرئيس، بحيث يصبح الولاء للقائد أكثر أهمية من الولاء للمؤسسات.

فعندما يتولّى موالون للرئيس قيادة المؤسسات المصمّمة لتزويده بأفضل المشورات العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الاستخباراتية، ينشأ خطر أن تُصاغ تلك المشورات، عن قصد أو من دون قصد، بما يتوافق مع رغبات الرئيس.

وهذه وصفة لكارثة. فالقائد يحتاج إلى الحقيقة من دون تجميل، وإلى أفضل مشورة ممكنة، بصرف النظر عن موقفه الشخصي من القضية المطروحة.

وقد تزايد تركّز السلطة في يد السلطة التنفيذية على مدى إدارات متعاقبة، وعلى الرغم من بعض الاعتراضات التي تصدر بين الحين والآخر عن الكونغرس، لا توجد مؤشرات كثيرة على أنّ هذا الاتجاه سيتغيّر.

وهنا أيضاً، قد يكون ترامب مثالاً صارخاً بصورة خاصة، لكنه على الأرجح لن يكون آخر رئيس يقع تحت تأثير هذه الإغراءات، ويمارس سلطاته في ظلّ قيود محدودة.

وتتفاقم مخاطر القيادة الرئاسية المتمحورة حول شخص الرئيس بصورة خطيرة بسبب التسييس المتزايد للقيادة العسكرية.

فحملة التطهير المستمرة التي ينفّذها وزير الدفاع بيت هيغسيث ضد القيادات العسكرية ستقوّض العلاقة بين القيادتين المدنية والعسكرية لسنوات مقبلة.

وقد أجبر ترامب وهيغسيث كبار الضباط على مغادرة مناصبهم في معظم أفرع القوات المسلحة تقريباً، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة، وقائد العمليات البحرية، ورئيس أركان الجيش.

كما تدخّل هيغسيث لعرقلة التقدّم المهني للضباط بطرق غير مسبوقة، إذ شطب شخصياً أسماء عشرات الضباط من قوائم الترقيات، وغالباً من دون تقديم أيّ تفسير، على الرغم من أنّ نسبة غير متكافئة منهم تبدو ممن عملوا تحت قيادة مسؤولين اعتُبروا عقبات أمام تحقيق أهداف ترامب السياسية الداخلية.

وعلى الرغم من أنّ القادة العسكريين الذين بقوا في مناصبهم سيظلون، إلى حدّ كبير، ملتزمين بأداء واجباتهم بشرف، وتقديم أفضل المشورات إلى القادة المدنيين في البنتاغون والبيت الأبيض، فإنّ حملة التطهير هذه ستؤدي حتماً إلى تأثير مثبّط في استعداد كبار الضباط وقدرتهم على تقديم المشورة الصريحة، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بتكاليف استخدام القوة وحدود ما يمكنها تحقيقه.

وأخيراً، فإنّ الإدخال السريع للتكنولوجيات الجديدة، من الذكاء الاصطناعي والمركبات غير المأهولة إلى الروبوتات والأنظمة السيبرانية والفضائية، سيجعل من السهل جداً، مرة أخرى، تجاهل الحقائق الأساسية للحرب.

ستظلّ التكنولوجيا دائماً عاملاً مهماً في كيفية خوض الحروب، وعلى كل مؤسسة عسكرية أن تسعى إلى تعزيز قدرتها على إلحاق خسائر بالعدو، وزيادة فرص بقاء قواتها، وتحسين وعيها بالوضع الميداني.

لكن، على الرغم من ضرورة هذه القدرات، فإنّها ليست كافية للتغلّب على المبادئ الأساسية للحرب.

ويجب على القادة أن يفهموا التكنولوجيا على حقيقتها، بوصفها أداة تمكين. فهي تستطيع تحسين استخدام القوة العسكرية، لكنها لا تستطيع التعويض عن السياسات الخاطئة التي تدفعنا إلى الصراع في المقام الأول.

إنّ المؤسسة العسكرية الأميركية اليوم هي أفضل قوة مسلحة وأكثرها احترافاً في تاريخ العالم، نعم، في تاريخ العالم بأكمله. لكن هذا لا يعني أنّ بإمكاننا تجاهل حدود قوتنا.

وستقيّدنا الجغرافيا. فمهما بلغت التطوّرات التكنولوجية، ستظلّ الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد نتائج أيّ مواجهة. ويدرك كل قائد عسكري أنّ طبيعة الأرض تحدّد كيفية قتال العدو، وأماكن تمركز قواته، وكيفية إمداد جنوده.

فالمحيطات والأنهار تشكّل حواجز طبيعية أمام القوات المتقدّمة، كما أنّ طبيعة الأرض والممرات المائية تحدّ من قدرة القوات المهاجمة على المناورة، والسيطرة على الأرض، وإعادة الإمداد، وبسط القوة.

ويمثّل مضيق هرمز ومضيق باب المندب التحديات نفسها التي تمثّلها القناة الإنكليزية، أو نهر الراين، أو نهر الفولغا.

ستقيّدنا إرادة العدو. فهناك "عملاق نائم" في كل مجتمع، سينهض من سباته ويقاتل بشراسة، مدفوعاً بإحساسه بعدالة قضيته، أو برغبته في البقاء، أو بكليهما.

فالغزاة والمعتدون وأولئك الذين يوجّهون الضربة الأولى يثيرون جميعاً ردّ فعل غريزياً وعميقاً لدى الشعوب التي يسعون إلى استرضائها. لا تستخفّ أبداً بإرادة العدو في القتال، فهذا خطأ ارتكبناه مراراً وتكراراً.

ستقيّدنا أيضاً ممانعتنا لنشر قوات برية. فلا أحد في أميركا يريد أن يفقد شبابنا وشاباتنا في ساحة معركة أجنبية، لكن ذلك يكون ضرورياً أحياناً لتحقيق مصلحة أكبر.

ستقيّدنا حدود الوقت. وهذا ليس قيداً يقتصر على الولايات المتحدة، لكننا نبدو أكثر معاناة منه مقارنة بمعظم الدول. ويُقال إنّ الروس مستعدّون لأكل العشب قبل الاستسلام. أما سمعة الولايات المتحدة، فهي أنّنا سنسأم القتال عاجلاً أم آجلاً وننسحب.

وينبع جزء كبير من هذه السمعة من حقيقة أنّ نظامنا الديمقراطي يتطلّب دعماً شعبياً للحفاظ على انخراط عسكري طويل الأمد. وحتى عندما يكون هناك سبب مقنع لإرسال شبابنا وشاباتنا إلى المعركة، فإنّ التكلفة بالأرواح والأموال قد تتجاوز سريعاً إحساسنا الجماعي بضرورة خوض القتال.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.