"مأزق جديد".. هل ينسحب ترامب من حلف "الناتو"؟
تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف "الناتو" تثير الشكوك حول معاهدة الدفاع المشترك، في حين أنّ المسؤولين الأوروبيين أكثر تشاؤماً إزاء مستقبل الحلف، مع اعتقادهم بأنّ الأخير "لن يعود كما كان".
-
تأتي تصريحات ترامب الأحدث في أعقاب مؤشرات أخرى على تزايد هشاشة حلف "الناتو"
نجا حلف شمال الأطلسي في السنوات القليلة الماضية من تحديات وجودية متباينة من الحرب في أوكرانيا وموجات متعددة من الضغوط والإساءات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شكك في المهمة الأساسية للحلف، وهدد بالسيطرة على غرينلاند.
لكن المحللين والدبلوماسيين، بحسب "رويترز"، يقولون إنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي تبعد آلاف الأميال عن أوروبا، هي التي "تكاد أن تكسر التكتل الذي يبلغ عمره 76 عاماً، وتهدد بتركه في أضعف حالاته منذ إنشائه".
فبعد أن استشاط ترامب غضباً من رفض الدول الأوروبية إرسال قواتها البحرية لتأمين الملاحة العالمية في مضيق هرمز بعد أن بدأ العدوان الجوي على إيران في الـ28 من شباط/فبراير، قال إنّه "يفكر في الانسحاب من الحلف".
هل دخلت العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو مرحلة تهديد حقيقي؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) March 31, 2026
مدير مكتب #الميادين في بريطانيا موسى سرور@MoussaSrour pic.twitter.com/6gSTcx1SAr
وتساءل ترامب خلال مقابلة، مع "رويترز" يوم الأربعاء، قائلاً: "ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟".
وفي خطاب ألقاه يوم الأربعاء، انتقد ترامب حلفاء الولايات المتحدة. وإلى جانب انتقادات أخرى موجهة لدول أوروبية في الأسابيع القليلة الماضية، أثارت تصريحات ترامب مخاوف غير مسبوقة من أنّ الولايات المتحدة "لن تقدم المساعدة لأعضاء أوروبيين في حلف الأطلسي في حال تعرضهم للهجوم، سواء انسحبت واشنطن رسمياً أم لا".
ويقول المحللون والدبلوماسيون إنّ النتيجة هي أنّ التحالف الذي جرى إنشاؤه في الحرب الباردة، وظل لفترة طويلة يمثل النسيج الأساسي للأمن الأوروبي، "يتلاشى"، بحيث "لم يعد اتفاق الدفاع المشترك الذي يشكل جوهر الحلف أمراً مفروغاً منه".
"أسوأ وضع"
وفي السياق، قال ماكس بيرجمان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، والذي يرأس حالياً برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إنّ "هذا هو أسوأ وضع وصل إليه حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه".
وبدأ هذا الواقع يترسخ في أذهان الأوروبيين، الذين اعتمدوا على حلف "الناتو" كـ"حصن منيع في مواجهة روسيا"، وفق "رويترز".
ففي شباط/فبراير الماضي، رفض الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، فكرة دفاع أوروبا عن نفسها من دون الولايات المتحدة بوصفها "فكرة سخيفة". أمّا الآن، فيعتبرها الكثير من المسؤولين والدبلوماسيين توقعاً تلقائياً.
وقال الجنرال فرانسوا ليكوانتر، الذي شغل منصب رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية من عام 2017 إلى 2021، إنّ "حلف شمال الأطلسي لا يزال ضرورياً، ولكن يجب أن نكون قادرين على تصور الحلف من دون الأميركيين".
اقرأ أيضاً: بغياب واشنطن.. بريطانيا تستضيف اجتماعاً دولياً بشأن الملاحة في مضيق هرمز
الأمر مختلف هذه المرة
بالعودة إلى الوراء، واجه حلف شمال الأطلسي تحديات من قبل، وخاصة خلال ولاية ترامب الأولى من 2017 إلى 2021، عندما فكر أيضاً في الانسحاب من الحلف.
لكن في حين كان الكثير من المسؤولين الأوروبيين يعتقدون حتى وقت قريب أنّه يمكن إبقاء ترامب في الحلف "من خلال التملق"، فإنّ عدداً أقل منهم الآن يحمل هذا الاعتقاد، وفقاً لحوارات مع عشرات المسؤولين الأميركيين والأوروبيين السابقين والحاليين.
وأعرب ترامب ومسؤولون أميركيون عن استيائهم ممّا يعتبرونه "عدم رغبة حلف شمال الأطلسي في مساعدة الولايات المتحدة في وقت الحاجة، بما في ذلك عدم تقديم المساعدة المباشرة بشأن مضيق هرمز وتقييد استخدام الولايات المتحدة لبعض المطارات والمجال الجوي.
وصرّح مسؤولون أميركيون بأنّ حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون "طريقاً ذا اتجاه واحد".
بعد تصريحات دونالد ترامب عن حلف الناتو، هل وصل الشرخ داخل القوة الغربية إلى ذروته؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) March 26, 2026
محلل #الميادين للشؤون السياسية والدولية قاسم عزالدين#إيران pic.twitter.com/zvPvJHHVXu
ويرد مسؤولون أوروبيون بأنهم لم يتلقوا طلبات أميركية لتوفير أصول محددة لأي مهمة لفتح المضيق، ويشكون من تضارب مواقف واشنطن بشأن ما إذا كانت هذه المهمة "ستنفذ في أثناء الحرب أو بعدها".
ووصف جيمي شيا، المسؤول السابق في الحلف والباحث الكبير حالياً في مركز أبحاث "أصدقاء أوروبا"، وضع الحلف بـ"الكارثي"، مشيراً إلى "ضربة موجعة للحلفاء الذين بذلوا، منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، جهوداً حثيثة لإظهار استعدادهم وقدرتهم على تحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم".
مؤشرات على هشاشة الحلف
وتأتي تصريحات ترامب الأحدث في أعقاب مؤشرات أخرى على تزايد هشاشة الحلف.
وتشمل هذه المؤشرات تهديداته المتصاعدة في كانون الثاني/يناير بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، والتحركات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة، والتي يراها الأوروبيون "تساهلاً مفرطاً مع روسيا".
وبحسب الوكالة، فقد التزمت الإدارة الأميركية الصمت حيال التقارير التي تفيد بأنّ "موسكو تزوّد إيران ببيانات لمهاجمة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط"، و"رفعت عقوبات عن النفط الروسي في محاولة لخفض أسعار الطاقة العالمية التي ارتفعت بشكل حاد خلال الحرب".
"تصريح نائبة رئيس الاتحاد الأوروبي بأن حرب #إيران ليست حربهم، في ظل وجود ترامب في السلطة، سيجلب تداعيات خطيرة على مستقبل حلف الناتو"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) March 17, 2026
المحلل السابق لدى البنتاغون، مايكل معلوف #الميادين pic.twitter.com/l29bxnfeos
ووفقاً لخمسة مصادر مطلعة، فقد "دار نقاش حاد بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع قرب باريس الأسبوع الماضي، ما يؤكد توتر العلاقات على جانبي الأطلسي".
وتساءلت كالاس عن موعد نفاد صبر الولايات المتحدة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا، فيما ردّ روبيو زاعماً أنّ الولايات المتحدة "تسعى لإنهاء الحرب مع تقديم الدعم لأوكرانيا في الوقت نفسه، لكن الاتحاد الأوروبي سيكون محل ترحيب للتوسط إذا رغب في ذلك".
"الناتو لن يعود كما كان"
من الناحية القانونية، ربما لا يملك ترامب صلاحية الانسحاب من الحلف، فبموجب قانون صدر عام 2023، لا يستطيع أي رئيس أميركي الانسحاب من الحلف من دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، وهو شرط شبه مستحيل.
لكن المحللين يقولون إنّ ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يملك صلاحية تحديد ما إذا كان الجيش الأميركي سيدافع عن أعضاء الحلف. ويمكن أن يؤدي رفضه القيام بذلك إلى تقويض الحلف من دون انسحاب رسمي.
وعلى الرغم من تصريحاته المتناقضة، لا يرى الجميع الأزمة الحالية وجودية. فقد وصف دبلوماسي فرنسي خطاب الرئيس الأميركي بأنه "مجرد نوبة غضب عابرة".
فسبق أن غيّر ترامب موقفه من الحلف، حين قال في عام 2024، خلال حملته الانتخابية، إنّه سيشجع بوتين على مهاجمة أعضاء الحلف الذين لا يدفعون حصتهم العادلة في الإنفاق الدفاعي، لكن بحلول آخر قمة سنوية له في حزيران/يونيو 2025، كان الحلف يحظى برضى ترامب الذي ألقى خطاباً أشاد فيه بحرارة بالقادة الأوروبيين، ووصفهم بأنّهم "يحبون أوطانهم".
كيف تبدّل واقع حلف الناتو، وكيف تأثرت العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وأوروبا في ضوء المواجهة الروسية–الأوكرانية؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) February 25, 2026
محلل #الميادين للشؤون السياسية والدولية،قاسم عز الدين في #بين_عواصم_القرار #الميادين pic.twitter.com/nIzKWxCgBZ
ومن المقرر أن يزور روته الأمين العام للحلف، والذي تربطه علاقة وثيقة بترامب، واشنطن الأسبوع المقبل في محاولة لتغيير موقف الرئيس الأميركي مجدداً.
ويقول محللون إنّ لدى الدول الأوروبية أسباباً وجيهة لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في الحلف رغم الشكوك حول ما إذا كان ترامب سيدافع عنها.
ومن بين هذه الأسباب، أنّ الجيش الأميركي يوفر مجموعة من القدرات التي يصعب على الحلف إيجاد بديل لها، مثل الاستخبارات عبر الأقمار الاصطناعية.
وحتى لو وجد ترامب والأوروبيون سبيلاً للبقاء معاً في الحلف، يرى دبلوماسيون ومحللون ومسؤولون أنّ التحالف عبر الأطلسي، والذي كان محورياً للنظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، قد "لا يعود كما كان".
وقالت جوليان سميث، مندوبة الولايات المتحدة لدى الحلف في عهد الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن: "أعتقد أننا نطوي صفحة 80 عاماً من العمل المشترك"، مضيفةً أنّ هذا يعني "نهاية العلاقة عبر الأطلسي، ودخول مرحلة ستكون مختلفة تماماً".