"ذا إنترسبت": البنتاغون يدير موقعاً للدعاية بالذكاء الاصطناعي يستهدف أميركا اللاتينية

تحقيق لـ"ذا انترسبت" يكشف تفاصيل نشر صحيفة "لا تيلد" مزيجاً غير مألوف من أدلة التمويل الشخصي ومقالات تُشيد بالجهود العسكرية الأميركية في أميركا اللاتينية.

  • "ذا إنترسبت": البنتاغون يدير مصنعاً للدعاية بالذكاء الاصطناعي يستهدف أميركا اللاتينية

كشف تحقيقٌ، أجرته صحيفة "ذا إنترسبت"، أن الولايات المتحدة تُزوّد مستخدمي الإنترنت في دول أمريكا اللاتينية بدعاية البنتاغون عبر منصةٍ جديدةٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وأشار التحقيق إلى أن تطوير منصة "لا تيلد" بدأ بهدوءٍ مطلع هذا العام، ويبدو أنها لا تزال قيد الإنشاء، إذ تُسوّق لنفسها كعلامةٍ إعلاميةٍ عصريةٍ تستهدف جمهور أميركا اللاتينية، وتنشر مقالاتها باللغتين الإسبانية والإنكليزية. ويُشير اسمها إلى علامة التشكيل التي تُبرز حروف العلة في اللغة الإسبانية؛ وشعار الموقع هو "أخبارٌ بلمسةٍ مميزة".

حتى الآن، تُقدّم صحيفة "لا تيلد" مزيجاً غير مألوف من نصائح التمويل الشخصي ("لماذا تُعدّ المدفوعات الفورية مهمة للغاية لعملك ولميزانيتك") ومقالات تُشيد بقيمة العمليات العسكرية الأميركية في أميركا اللاتينية (عملية العزم المطلق: المهمة التي تم فيها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو).

وأشادت مقالةٌ نُشرت على موقع "لا تيلد" حول اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي بالعملية، واصفةً إياها بـ"العملية المثالية - والتي لم يسبق لها مثيل من حيث التنسيق والدقة". واستناداً إلى "معلوماتٍ حصلت عليها "لا تيلد" حصرياً"، وصفت المقالة البراعة التكتيكية للعملية، وتنفيذها المُتقن، والتنسيق الدقيق للغاية للأصول العسكرية جواً وبراً.

إذا بدت هذه المقالة وكأنها بيانٌ صحفيٌّ صادرٌ عن البنتاغون، فذلك لأنها كذلك بالفعل، تقول "ذا إنترسبت"، التي لفتت أيضاً إلى أنه يمكن الاطلاع على تفسيرٍ لتغطيتها المُبالغ فيها للجيش الأميركي بالنقر على رابطٍ صغيرٍ في أسفل الموقع. وجاء في صفحة "نبذة عنا" الخاصة بالموقع: "لا تيلد هي نتاجُ مؤسسةٍ إعلاميةٍ دوليةٍ ممولةٍ من ميزانية حكومة الولايات المتحدة".

وبحسب مسؤول دفاعي مطلع على عمليات المعلومات الأميركية، تُدار منصة "لا تيلد" كمنصة مراسلة عسكرية تابعة لقيادة العمليات الخاصة الأميركية الجنوبية (SOCSOUTH)، التي تُنفذ مهام القوات الخاصة في جميع أنحاء أميركا الجنوبية والوسطى ومنطقة الكاريبي.

وعند سؤال المتحدث باسم SOCSOUTH، تريفور وايلد، عن دور "لا تيلد"، أرفق نص صفحة "نبذة عنا" في الموقع، مشيراً إلى أنها عملية حكومية، لكنه امتنع عن الإدلاء بمزيد من التعليقات.

ونفت القيادة الجنوبية الأميركية (SOUTHCOM)، المسؤولة بشكل عام عن تنسيق الأصول العسكرية في الدول التي تستهدفها "لا تيلد"، أي صلة لها بالموضوع. ووفقاً للمتحدث باسمها، ستيفن ماكلاود، الذي لم يُجب على المزيد من الأسئلة، فإن SOUTHCOM "لا تُموّل أو تُشغّل أو تربطها أي علاقة رسمية بــ لا تيلد".

وعلى عكس معظم المواقع الإخبارية، لا تحمل "لا تيلد" أي أسماء أو عناوين أو أي إشارة إلى أي من العاملين فيها. رغم ادعاء الموقع توظيفه "عشرات الصحفيين المستقلين وصناع المحتوى"، يبدو أن جزءاً منه على الأقل قد أُنشئ بواسطة نموذج لغوي ضخم.

فقد أسفر تحليل المقالات باستخدام "بانغرام"، وهي خدمة لكشف النصوص تعتمد على الذكاء الاصطناعي، عن نتائج متعددة لنصوص باللغتين الإنكليزية والإسبانية، بعضها مكتوب جزئياً والبعض الآخر كلياً بواسطة آلات (مع العلم أن هذه الأدوات قد تُعطي نتائج خاطئة).

ورغم تدني جودة المقالات المُنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا النهج قد يُساعد البنتاغون على تسريع جهود الدعاية بشكل غير مسبوق، وفقاً لـ "ذا انترسبت".

يكشف تحليل النطاقات الفرعية المستضافة على موقع "LaTilde.co" عن خطط الموقع لإطلاق نسخ مخصصة للقراء في الإكوادور والسلفادور وغيانا وهندوراس وجامايكا وبنما وبيرو.

ويتضح جلياً أن بعض المحتوى المؤيد للولايات المتحدة مصمم خصيصاً لهذه الدول. إذ تسلط مقالة نُشرت في قسم "في أيدٍ أمينة" على الموقع الضوء على فوائد التدريبات المشتركة بين الولايات المتحدة وبنما في حرب الأدغال، وتصف كيف "ترتفع درجات الحرارة ومعدلات ضربات القلب في قاعدة كريستوبال كولون الجوية البحرية بينما تتقدم قوات الأمن البنمية عبر "الميل الأخضر"، وهو الاختبار النهائي الشاق لدورة عمليات الأدغال المشتركة".

ووفقاً لموقع "LaTilde"، تُشكل هذه المبادرات المشتركة حصناً منيعاً ضد مساعي الصين للمشاركة في تدريبات مشتركة مماثلة في أميركا اللاتينية. وبدلاً من الانخراط في "ممارسات بكين العدوانية"، تقترح المقالة أن تحذو الدول حذو بنما و"تبحث عن فرص تدريبية أقرب إلى ديارها أو مع شركاء تاريخيين كالولايات المتحدة".

لم يتطرق المقال إلى الجدل الدائر حول مناورات باناماكس، وهي مناورات عسكرية مشتركة بين القيادة الجنوبية الأميركية والقوات البنمية، والتي أثارت احتجاجات متزايدة بدعوى انتهاكها للسيادة الوطنية.

وتُعدّ أهمية اتفاقيات تبادل المعلومات العسكرية والاستخباراتية مع الولايات المتحدة موضوعاً متكرراً. ويقول أحد المقالات: "بدلًا من إضعاف السيادة، يُمكن لهذا النوع من التعاون أن يُعززها".

تتناول تقارير أخرى من صحيفة "لا تيلد" الجانب الأميركي من الخلافات في أميركا اللاتينية، متجاهلةً قضايا السيادة الوطنية. حيث يصف أحد التقارير كيف أن اختطاف الولايات المتحدة لمادورو "أعاد إحياء أملٍ طال أمده لدى ملايين الفنزويليين داخل البلاد وخارجها".

ويزعم تقرير آخر أن الإكوادور مركزٌ لتجارة الكوكايين الدولية، مردداً مزاعم استخدمتها إدارة ترامب لتوسيع عملية "الرمح الجنوبي"، وهي حملة غارات جوية شنتها القيادة الجنوبية الأميركية في منطقة الكاريبي، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 مدني حتى الآن.

لا يزال من غير الواضح من يدير الموقع بشكل يومي. ويبدو أن شبكة مماثلة من صفحات الدعاية العسكرية، وهي امتداد لبرنامج حرب المعلومات الذي أُطلق في عهد أوباما تحت اسم "مبادرة الويب العابرة للأقاليم"، تُدار من قِبل شركة "جنرال دايناميكس لتكنولوجيا المعلومات"، وهي شركة متعاقدة مع الجيش.

وصرّحت رينيه ديريستا، التي شاركت في تأليف تقرير عام 2022 حول جهود الدعاية الإلكترونية المدعومة من القيادة المركزية الأميركية، لموقع "ذا إنترسبت"، أن المواقع الإلكترونية التي خلفت "مبادرة الويب العابرة للأقاليم" تشترك في رمز تعريف مشترك لإعلانات جوجل مملوك لشركة "جنرال دايناميكس"، وذلك وفقاً لتحليل شامل أجرته مؤخراً للشبكة.

كما ينشر موقع "لا تيلد" إفصاحاً قانونياً بنفس الصياغة المستخدمة في تلك المواقع.

من جهتها، أبلغت شركة "هالسيون جروب إنترناشونال"، وهي شركة أخرى متعاقدة مع الجيش لإدارة حرب المعلومات وتُشغّل موقع "ديالوجو أميريكاس"، وهو موقع إخباري زائف مماثل مدعوم من البنتاغون، موقع "ذا إنترسبت" أنها غير منخرطة في "لا تيلد".

وبحسب التحقيق، تم التعاقد من الباطن مع شركة "Antpack"، وهي شركة تسويق رقمي كولومبية، لتصميم موقع "La Tilde" الإلكتروني.

تحتوي العديد من الملفات الموجودة على الموقع، والتي أنشأتها خدمة "Midjourney" لتوليد الصور بالذكاء الاصطناعي، على كلمة "Antpack" في أسمائها.

يُذكر أنّ قيادة العمليات الخاصة الأميركية تتمتع بسجل حافل في قيادة جهود الدعاية الإلكترونية الأميركية، بدءاً من الجهود التقنية المتقدمة وصولاً إلى مشاريع أقل تعقيداً مثل غرف الأخبار الإلكترونية المزيفة.

ومنذ عام 2018، تدير قيادة العمليات الخاصة مركز عمليات الويب لعمليات دعم المعلومات العسكرية المشتركة، الذي ينسق عمليات الحرب المعلوماتية والعمليات النفسية عبر الإنترنت.

وفي عام 2023، أفاد موقع "ذا إنترسبت" أن قيادة العمليات الخاصة كانت تعمل على اقتناء أحدث تقنيات التزييف العميق للفيديوهات بهدف "توليد رسائل والتأثير على العمليات عبر قنوات غير تقليدية"، وفقاً لوثائق الشراء.

ويبدو أن موقع "لا تيلد" يستخدم أدوات ذكاء اصطناعي بسيطة بدلاً من التقنيات المتطورة. غالباً ما تتضمن الصور المصاحبة لتقاريره جزءاً من التعليمات المستخدمة لتوليد الصورة بسرعة في اسم الملف، وتُظهر نتائج متباينة، مثل صورة لرواق البيت الأبيض بدون عدة أعمدة أو شهادة بنص مشوش.

مع ذلك، فإن الصور التي توضح رسائل مؤيدة لقيادة العمليات الخاصة الجنوبية (SOUTHCOM) مأخوذة من خدمة توزيع المعلومات المرئية التابعة لوزارة الحرب، وهي مكتبة إعلامية رسمية تابعة للبنتاغون.

من هنا، يقول أحد الخبراء لـ"ذا إنترسبت": "ربما يكون الهدف هو ملء هذه المواقع بمحتوى عام، وبناء قاعدة جماهيرية، ثم دسّ المزيد من الدعاية الصريحة، مثل ذلك السرد المطوّل للهجوم الأميركي على فنزويلا. هكذا تُبنى هذه الشبكات. لكن المحتوى رديء، والذكاء الاصطناعي ضعيف، والإفصاحات المطلوبة تجعل الأمر برمّته مهزلة".

اقرأ أيضاً: 600 موظف في "غوغل" يطالبون برفض صفقة سرّية للذكاء الاصطناعي مع البنتاغون