"مرحبا".. من الشرق إلى العالمية!

لم تقف كلمة "مرحباً" عند حدودٍ جغرافية ضيقة، بل تخطت سياقاتها لتستقر في صلب القاموس العربي وتفرعاته البلاغية، وتتجاوزها لتصبح جزءاً من لغات شعوب شقيقة وصديقة وجارة وعالمية.

0:00

"مرحبا".. نستهل بها حديثنا ومداخلاتنا وكلماتنا، وربما نشتق منها استهلالات خطاباتنا ومواقفنا، وقد نطلقها جزافاً على أي شخص لا نعرفه، وفي سبيلنا إلى مقاصدنا اليومية!

تتداخل المفردات واللغويات بين شعوب الشرق مثلما تتمازج عاداتهم وتقاليدهم في كنف أرضٍ واحدة لا تعرف الحدود. وعلى مدى العصور، تحدثت شعوب بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام لغاتٍ مشتركة، تمازجت وتكاملت مع لغة الضاد، لتمتزج لغة أرض كنعان بلسان شبه الجزيرة العربية، ويزهر في هذا التراب مشهد لقاء فريد.

وفي هذا الفضاء اللغوي المتشابك، أضحت كلمات عديدة ذات جذور آرامية وسريانية جزءاً لا يتجزأ من النسيج اللغوي العربي محكياً ومدوّناً.

وكان من البديهي أن تتصدر مفردات التأهيل والترحاب قائمة الكلمات التي تشاركها أبناء هذه الحضارات في تفاصيل حياتهم اليومية، لتبزغ كلمة "مرحباً" كواحدة من أعمق التشاركات الدلالية وأعرقها في وجدان المنطقة.

من عمق التاريخ إلى القاموس العربي

لم تقف كلمة "مرحباً" عند حدود جغرافية ضيقة، بل تخطت سياقاتها لتستقر في صلب القاموس العربي وتفرعاته البلاغية، وتتجاوزها لتصبح جزءاً من لغات شعوب شقيقة وجارة.

وفي بحثٍ مُسهب حول الأصول والجذور لهذه اللفظة، يُضيء المتخصص في اللغات القديمة سليمان الذيب في مؤلفه القيّم بعنوان "معجم المفردات الآرامية القديمة" على البُعد اللساني السامي المشترك، مشيراً إلى احتمالية اشتقاق هذا الاسم من جذر المحبة (ح ب ب)، حيث تدغمت الباء الأولى في الثانية وأضيفت ألف التعريف، وهو جذر تجلى بوضوح في النقوش.

 الموروث العربي يحفظ للكلمة مكانة كبرى

على أن الموروث العربي يحفظ للكلمة مكانة كبرى، إذ يوثّق "ابن عساكر" في كتابه "الأوائل" (صفحة 86) أن أول من نطق بـ "مرحباً وأهلاً" هو ملك اليمن ذائع الصيت سيف بن ذي يزن، حين استقبل بها عبد المطلب بن هاشم -جد النبي محمد (ص)- والوفد القرشي المرافق له مهنئين باستعادة ملكه، فردّ مرحباً بحفاوة بالغة تعكس كرم الملوك: "مرحباً وأهلاً وناقة ورحلاً ومناخاً سهلاً وملكاً ربحلاً يعطى عطاء جزلاً".

وتبيّن المعاجم المعنى الدلالي الأصولي هنا في قولهم: "وجدت رحباً" أي سعة ومسحة أمان، و"أهلاً" أي وجدت منزلك ومألك كأهلك.

وفي رواية أخرى، يقول الفراهيدي في كتابه "العين": "والعرب تقول: مرحباً وأهْلاً، ومعناه: نزلت رُحْباً، أي: سعة، وأتيت أهلًاً لا غرباء". ونجد أيضاً لدى أهل الخليج والشام تحية "هلا ومرحب" ثم اختصر ليصبح السلام: "مرحبا"، والرد بـ" "هلا"، أو "أهلا"، وفي لهجة أهل العراق نجد أن "هلاو" مع مد الألف، قد تستخدم للتحية بدلاً من "مرحبا".

من العربية إلى العالمية!

واللافت أن كلمة "هلا" أو "أهلا" أو "هلاو"، أصبحت اليوم هي كلمة السلام والتحية عالمياً، فكلمة "هالو Hallo" في اللغة الإنكليزية وكثير من اللغات الأوروبية هي ذاتها "هلاو" أو "هلا" بإسقاط الألف أو إبدالها بواو، والـ"هلا" العربية هي الأصل الذي لا لبس فيه للتحية الناس في القارتين الأوروبية والأميركية.

الأصل من الـ"هلل"!

الأصل في "أهلا وهلا" من الـ"هلل"، وهو رفع الصوت بالغناء فرحاً في حالتين، الأولى لرؤية وجه القمر بظهور الأول كـ"هلال" بعد غيابه حيث يسود الظلام خلالها، والثانية تهليلات القدماء عند رؤية سحاب المطر، والـ"هلالو" Alālu أصلها موجود في اللغات القديمة ومنها الآكادية والسريانية وصولًا للعربية.

  • وردت عبارات الترحيب في النقوش الأرامية
    وردت عبارات الترحيب في النقوش الآكادية والسريانية وصولًا إلى العربية

جاء في كتاب "الامتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي: قال سفيان الثوري: "إني لألقى الرجل فيقول لي: مرحباً، فيلين له قلبي، فكيف بمن أطأ بساطه؟".
ونعثر على أثر اللغة العربية في كثير من اللغات العالمية، ولعل خير هدية يقدمونها للبشرية كرسالة على الحب والسلام، هي الكلمة الاولى التي ينطق بها إنسان بإنسان آخر: "هلا ومرحبا"، أو Hallo، أي ليحل عليك سلام الإله وبركاته وخصبه.

"الله محبة"... جذر النقاء ونشأة "Hello"

وفي طبقات أعمق من التحليل اللساني، يرى باحثون أن كلمة "مرحباً" تعود بجذورها العميقة إلى ما قبل الإسلام، حيث تداول على استخدامها المسيحيون المتحدثون بالآرامية والسريانية. وتنقسم التركيبة اللغوية هنا إلى مقطعين بليغين: "مار" التي تعني "السيد أو الإله"، و"حبّاً" التي تحملك إلى معاني "الحب"، ليترجم المجموع بعبارة "الله محبة"، وكأن السامقين قديماً أرادوا للسلام أن يحلّ حتمياً حيث تحلّ بركة المحبة الإلهية.

  • نقوش نبطية ترمز إلى المحبة والترحيب
    نقوش نبطية ترمز إلى المحبة والترحيب

ولم تنتهِ رحلة الكلمة عند ضفاف الشرق، بل امتدت صداها في طرق ردود التحية، إذ دأب الناس على الرد بعبارات التأهيل مثل "هلا"، وفي بلاد الرافدين تحديداً كان الرد يتردد بصيغة "هلاو"، وهو الجذر الصوتي والأثري الذي يرجحه لغويون ليكون الأصل التاريخي للفظة الترحيب العالمية "Hello" في اللغة الإنكليزية..

إذاً.. فعبارة "مرحبا" ليست مجرد كلمة ترحيبية عادية، بل هي جسر ثقافي ممتد من الشرق الأوسط إلى العالم أجمع، تعكس قيم الكرم، والانفتاح، والتواصل الإنساني.

وتبقى المشرقية - العربية شاهدٌ ساطع على أن لغات الشرق الأوسط العميقة ما زالت تكتب حروفها على ألسنة العالم بأسره.

اقرأ أيضاً: ما هي قصة "ألو"؟

 

اخترنا لك