كيف تحولت الموسيقى إلى "إسعاف نفسي" في لبنان؟

​تجاوز دور الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى (L.A.M.T) الإطار الفني ليصل إلى "الإسعاف النفسي الأولي" (PFA)، حيث قدّم أعضاؤها الدعم النفسي-الطبي للمصابين والجرحى، مساهمين في تخفيف الأوجاع الجسدية ما بعد العمليات الجراحية.

0:00
  • الموسيقى
    الموسيقى"إسعاف نفسي" في وجه الحرب والنزوح

أوتار الصمود في سيمفونية البقاء..

في ظلّ طبول الحرب التي لا تهدأ،​ وبين ممرات مراكز الإيواء المزدحمة بوجوه أرهقها النزوح،  حيث يطغى صوت الرصاص على ما عداه، تبرز الموسيقى كقوة ناعمة جبّارة قادرة على ترميم ما تهدّم في النفس البشرية.

إنها أداة "التفريغ الانفعالي" الأسمى، التي تحوّل الصرخات المكتومة إلى نغمات، والتوتر المزمن إلى لحظات من السكينة. في هذه الأوقات، لا نستخدم الموسيقى لننسى الواقع، بل لنستطيع مواجهته، فهي تشكّل جسراً للدعم النفسي والاجتماعي، وتعمل كعلاج وقائي وتأهيلي لاضطرابات ما بعد الصدمة في ظلّ طبول الحرب التي لا تهدأ.

الموسيقى كقوة ناعمة قادرة على الترميم

تعدّ الموسيقى في الحروب أكثر من مجرّد وسيلة للترفيه، ​ فبينما تعمل أصوات الانفجارات على استثارة الجهاز العصبي ورفع هرمونات التوتر إلى مستويات قياسية، تأتي الموسيقى كقوة ناعمة قادرة على ترميم ما تهدّم في النفس. هي أداة لـ "التفريغ الانفعالي" الأسمى، تحوّل الصرخات المكتومة إلى نغمات، وتعمل كدرع حصين ضدّ اضطرابات ما بعد الصدمة والاضطرابات المعقّدة.

إنها شريان حياة يربط الإنسان بذاته وبمحيطه حين يتفتّت كلّ شيء آخر. فهي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة بيولوجية ونفسية ملحة تعمل كدرع حصين ضدّ الصدمات، ومساحة آمنة لإعادة تنظيم الفوضى الداخلية التي تخلّفها أصوات الانفجارات والقلق المستمر (PTSD) والاضطرابات المعقّدة الناتجة عن الصدمات المتكرّرة (C-PTSD).

الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى:"وسيط" علاجي واستراتيجية بقاء

​من توجيه طاقات الأطفال المشتتة إلى تسلية الكبار بما يغذّي الروح، تتسلل الموسيقى إلى تفاصيل يومنا، فنراها تندمج مع الحكايا، وترافق ريشة الرسم، وحتى في أدقّ الأنشطة الحياتية من تنظيم المنزل إلى تحضير الطعام، محوّلةً المهام الروتينية إلى طقوس من التوازن والصمود.

  • برز اسم الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى كوسيط
    برز اسم الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى كوسيط لمداواة جراح الحرب

برز صوت آخر في لبنان، صوتٌ لا يشبه ضجيج الحرب، بل يداوي الجراح التي لا تُرى. لم تكن الموسيقى خلال العامين الماضي والحالي مجرّد نغمات عابرة، بل تحوّلت عبر الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى (L.A.M.T) إلى "وسيط" علاجي واستراتيجيةِ بقاء، تثبت أنّ الروح الإنسانية قادرة على اجتراح الأمل من رحم الألم.

​الموسيقى: لغة التوازن في زمن الفوضى

​كيمياء الأمل: كيف تعيد الموسيقى ضبط هرموناتنا؟

​لا يقتصر تأثير الموسيقى على الشعور المعنوي فحسب، بل يمتدّ ليحدث ثورة كيميائية داخل أجسادنا، حيث تعمل الأنغام كـ "قائد أوركسترا" للهرمونات، مما يساعد في تخفيف حدّة الأزمات النفسية عبر الآليات الآتية:

​1. محاربة هرمونات التوتر (الكورتيزول)

​في أوقات الحرب، يرتفع هرمون الكورتيزول إلى مستويات سامّة بسبب حالة "الاستنفار" الدائم. الاستماع إلى الموسيقى الهادئة أو ممارسة الإيقاع يقلل من إفراز هذا الهرمون بشكل ملحوظ، ما يخفض ضغط الدم ويهدّئ نبضات القلب المتسارعة الناتجة عن القلق من المجهول.

​2. تفعيل "هرمونات السعادة" (الدوبامين والسيروتونين)

​تساعد الموسيقى في تحفيز إفراز الدوبامين، المسؤول عن نظام المكافأة والبهجة، ما يوفّر لحظات من "التسلية المفيدة" للكبار والصغار على حدّ سواء. كما يعزّز السيروتونين الذي يحسّن المزاج العامّ ويساعد في تقليل نوبات الهلع والاضطرابات النفسية العميقة.

​3. هرمون الروابط الاجتماعية (الأوكسيتوسين)

​عندما تدمج الموسيقى في النشاطات الجماعية، مثل الغناء أثناء تحضير الطعام أو الألعاب الرياضية المشتركة، يفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين. هذا الهرمون يعزّز الشعور بالأمان والانتماء، وهو أمر حيوي جداً في حالات النزوح أو العزلة الاجتماعية التي تفرضها الحروب.

​الموسيقى كنمط حياة: من الرسم إلى الألعاب الرياضية

​الموسيقى هي "الطاقة الموجّهة" التي تجعل الأنشطة اليومية وسيلة علاجية:

​دمج الموسيقى مع القصص والرسم: يساعد الأطفال على التعبير عن مخاوفهم (تفريغ الصدمة) من خلال تحويل النغم إلى لون أو حركة.

​الأنشطة الحياتية والرياضية: إدخال الإيقاع في "التنظيم" أو "التمارين البدنية" يقلّل من الجهد الذهني المبذول ويزيد من مستوى الإندورفين (مسكّن الألم الطبيعي)، مما يجعل الفرد أكثر قدرة على التحمّل الجسدي والنفسي.

​إنّ تفعيل هذه الأنشطة الموسيقية ليس مجرّد تمضية للوقت، بل هو استراتيجية ذكية لإعادة التوازن للجهاز العصبي.

​​مختبر الصمود: من التأليف الأكاديمي إلى الميدان

​تميّز عمل الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى (L.A.M.T) ببعد تخصصي عميق، حيث ابتكر أعضاؤها محتوى موسيقياً لبناني الهوية وعالمي المعايير، شمل مقطوعات متنوّعة تحاكي الحالات النفسية كافة:

-​مقطوعات الاسترخاء: لخفض مستويات الهلع والأرق.

-​مقطوعات التفريغ: لمساعدة النازحين على إخراج الشحنات العاطفية المكبوتة.

-مقطوعات التحفيز: لتعزيز روح المقاومة النفسية والصمود.

​ولم يتوقّف الإبداع عند حدود الاستوديوهات، بل نزل أعضاء الجمعية بآلاتهم إلى مراكز الإيواء، محوّلين ضجيج الخوف إلى نغمات تفاعلية تعيد للطفولة توازنها المفقود.

​الموسيقى كنمط حياة: دمج الفن بالأنشطة اليومية

​أصبحت الموسيقى "الطاقة الموجّهة" التي تجعل الأنشطة اليومية وسيلة علاجية، حيث تمّ دمجها مع:

-​القصص والرسم: لمساعدة الأطفال على التعبير عن مخاوفهم وتحويل النغم إلى لون أو حركة.

-​الأنشطة الحياتية: إدخال الإيقاع في مهام تنظيم المكان، تحضير الطعام، والألعاب الرياضية، مما يزيد من إفراز "الإندورفين" (مسكّن الألم الطبيعي) ويجعل الفرد أكثر قدرة على التحمّل.

​استجابة شاملة وحراك ثقافي

​تجاوز دور الجمعية الإطار الفني ليصل إلى "الإسعاف النفسي الأولي" (PFA)، حيث قدّم أعضاؤها الدعم النفسي-الطبي للمصابين والجرحى، مساهمين في تخفيف الأوجاع الجسدية ما بعد العمليات الجراحية. هذا الجهد الوطني توّج بشراكات مع منظمات دولية رائدة لضمان تقديم الدعم وفق أرقى المعايير.

​وعلى الرغم من الظروف، استمر العطاء عبر "الواقع الافتراضي" ووسائل التواصل الاجتماعي لبثّ "الأمان السمعي"، ليكون الهاتف المحمول نافذة للسكينة وسط الركام.

 شهادة حيّة: "الهارموني" قادر على مواجهة القبح

​إنّ تجربة الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى هي شهادة حيّة على أنّ "الهارموني" قادر على مواجهة القبح، وأنّ الأوتار التي عزفت للأطفال كانت أقوى من أصوات المدافع. هي دعوة للعالم ليدرك أنّ حماية الإنسان تبدأ من حماية روحه، وأنّ الموسيقى هي الحارس الأمين لتلك الروح في زمن الانكسار.

وتعدّ الموسيقى في أوقات الحروب أكثر من مجرّد وسيلة للترفيه؛ إنها شريان حياة يربط الإنسان بذاته وبمحيطه حين يتفتّت كلّ شيء آخر. فهي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة بيولوجية ونفسية ملحة تعمل كدرع حصين ضد الصدمات، ومساحة آمنة لإعادة تنظيم الفوضى الداخلية التي تخلّفها أصوات الانفجار والقلق المستمر وتخفيف حدّة الأعراض الانسحابية والاكتئابية التي تفرضها ظروف الحرب القاسية.

اقرأ أيضاً: علاج على سلّم "النوتات" الموسيقية في لبنان!

اخترنا لك