كيف بلورت "السيدة الأولى" في لبنان نشاطها بطريقة مختلفة؟
في العمل الإنساني نهضت اللبنانية الأولى نِعمت عون بالجهود إلى حدودٍ قياسية، فالسيدة القادمة من ذلك الباع الطويل في مجال الأنشطة والبذل، قولَبت كل ذلك في إطار رسميّ محبب، من خلال الطريقة والأسلوب، فكانت "مرآة العهد" في عامه الأول.
-
أكدت اللبنانية الأولى أن الفرحة ستعود إلى الجنوب، الذي يمثل انطلاقة لبناء لبنان الجديد (غرافيك: ندين بدر الدين)
"عامٌ لم يكن عابراً" على العهد الرئاسي في لبنان، لا بل كان مثقلاً بالأحداث والتحديات، العماد جوزاف عون رئيساً، الرجل لم يعِد بالكثير في معمعة الظروف الداهمة والملفات الداخلية والخارجية الكبرى.
لكن عون نجح في تخطي الكثير من العقبات والألغام، وكان مجلياً مع عقيلته اللبنانية الأولى، على الرغم من صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، في بلدٍ واجه عدواناً إسرائيلياً قاسياً، وما زال يتعرّض يومياً لاعتداءات وعليه ضغوطٌ كبيرة لمنع الإعمار وغير ذلك...
وفي عام واحد، لمع إسم نِعمت عون كسيّدة فاعلة متفاعلة، أعادت السيدة الأولى في لبنان الحيوية والنشاط لهذا الموقع، ومنذ لحظة انتخاب عون رئيساً، لم تغفل المناسبات الإنسانية والوطنية والاجتماعية والصحية والتراثية وغيرها... فشاركت بها، لا بل نظّمتها داخل القصر وخارجه...
هي قامت أولاً بمبادرة مميزة، فدعت بهدف التعارف والتشاور، فاعليات نسائية لبنانية من كلّ المناطق وأطياف قوس قزح هذا البلد المتميّز بفرادته على المستويات كافة.
وهي لم تنسَ "السيدات السابقات"، فخصّتهم بالتحية، مؤكدة أن "كل واحدة منهن أنجزت أعمالها في موقعها، لكن التطوّر التكنولوجي لم يكن متاحاً حينها لإظهار أنشطتهنّ كما يحدث اليوم".
"مرآة العهد" الإنسانية ونبضه
في العمل الإنساني نهضت عون بالجهد إلى حدودٍ قياسية، فالسيدة القادمة من ذلك الباع الطويل في مجال الأنشطة والبذل، قولبت كل ذلك في إطار رسميّ محبب، من خلال الطريقة والأسلوب.
تخطت نِعمت عون "البروتوكول"، في تعاطيها مع الجميع، وهي المدركة لمعاناتهم وصعوبات حياتهم، فهي تارة تستمزج آراء اللبنانييات واللبنانيين في مواقع القرار وغيره... وطوراً تنزل على الأرض للحثّ على البذل بكل دينامية.
من المنبر الأممي: نساء بلادي صامدات
وكرئيسة للهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية كانت مشاركة مهمة لعون بفعالية على رأس وفد للمشاركة في أعمال الدورة 69 للجنة وضع المرأة CSW69 التي عقدت جلساتها في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وكان للّقاءات التي أجرتها ولكلمتها الصدى الإيجابي في المحفل العالمي.
هناك، كان للكلمة الصدى الإيجابي خاصة عندما خاطبت الدول بقولها "جئتكم مِن لبنان ليس فقط كسيّدة أولى ترأس الهيئة الوطنيةَ لشؤون المرأة، بل كزوجة، وأمٍّ، وجدّة، وموظَّفة، وربَّة منزل، ضحّت من أجل أسرتها وطموحها، كما تُضحِّي جميعُ نساء لبنان، على الرغم من عدم اكتمال الأطر اللازمةِ لحمايةِ حقوقِ المرأة! ومع ذلك تَصمُد نساء بلادي حتى في وجه الحروب التي حصدت آخرها أرواح آلاف النساء والأطفال وتركت وراءها إعاقاتٍ جسديةٍ ونفسيةٍ من دون أن تؤثر على إرادتها في الحياة! وتَصمد نساء بلادي في وجه الفَقر الذي يطال شريحةً كبيرة من الشعب مع كل ما يتفرّع عنه من تحديات".
-
نِعمت عون خلال إلقاء كلمتها حول المرأة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك
الجنوب صامد بفضل أبنائه وقياداته
وفي تجسيد لجذورها، وفي رمزية مهمة، أكدت اللبنانية الأولى نعمت عون، أن الفرحة ستعود إلى الجنوب، الذي يمثل انطلاقة لبناء لبنان الجديد، بفضل تضحيات أبنائه وصمودهم وتعلقهم بالأرض، إضافة إلى جهود جميع المؤمنين بلبنان.
وفي زيارة لها، أعربت عون عن سرورها بالوجود في النبطية، مشيرة إلى جذورها في العيشية القريبة من المدينة، وأكدت أن "الجنوب صامد بفضل أبنائه وقياداته، وأنه سيكون انطلاقة جديدة للبنان وفخره"، مشددة على أهمية التعاون بين جميع المسؤولين والمؤتمنين على الوطن لإعادة الفرحة إلى الجنوب.
الاستماع للشباب والأطفال
لطاما فتحت أبواب القصر للشباب اللبناني عضد المجتمع المعوّل عليه،وناقشتهم في هواجسهم وتطلعاتهم،كما أنها تولي أهمية للأطفال فتحتضن مواهبهم، وتستمع إلى كلماتهم البريئة، ولطالما شوهدت وهي تنحني لتستمتع بفرح إلى أصواتهم أو أغانيهم أو حتى شكاويهم.
ولذوي الحالات الخاصة، حصة كبيرة في اهتماماتها، عبر زيارات دعم وتوجيه إلى مراكزهم، أو من خلال دعوتهم إلى القصر الجمهوري ومشاركتهم في لغتهم الخاصة، وتحفيزهم من منطلق كونهم عناصر فاعلة في المجتمع.
"نملك الصوت"
تؤمن السيدة الأولى أنها لا تملك لا سلطة تشريعية ولا سلطة تنفيذية، ولكنها تملك صوتاً، هذا ما جاهرت به في بداية العهد.
وتعرف أيضاً، كسيدة أعمال، معنى أن تثبت نفسها في مجتمع يفرض على المرأة ضغوطًا مضاعفة، وأن توازن بين عملها وعائلتها، وأن تنجح رغم التحديات الاجتماعية والمهنية. كل هذه العوامل جعلتها "بنت الأرض"، بنت العائلة اللبنانية، بنت الواقع اللبناني الحقيقي.
فتح أبواب القصر
وكان القرار التلقائي لديها هو فتح أبواب القصر للجمعيات والهيئات، فشكّل ذلك نقلة نوعية مهمة، وعلى مدى أشهر طويلة، جرى العمل على مشروع مدرسة المواطنية، بالشراكة مع "منظمة الأونسكو".
وقد اختير لبنان ليكون أول بلد في العالم يُدرج مؤشر المواطنية في المدارس. مشروع أُنجز بقيادة السيدة الأولى، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، ووزارة التربية والتعليم العالي، والمركز التربوي للبحوث والإنماء (CRDP)، ضمن إطار العمل على المناهج التعليمية الجديدة.
التمسّك بالجذور والتراث
و أولت عون التراث اللبناني أهمية لافتة، ففي اليوم الوطني للتراث، نشرت السيّدة الأولى شريط فيديو في حساباتها الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأرفقته بمنشور جاء فيه: "المحافظة على التراث هي المحافظة على الهوية".
ويومها قالت: "من القصر الجمهوري حيث تُستكمل أعمال ترميم الأعمال الفنية والتاريخية، إلى المتاحف والمواقع السياحية، نعمل يداً بيد مع الجمعيات المتخصّصة ووزارة الثقافة، الشريكة الأولى في هذا المسار، لترميم إرثنا الثقافي وصونه".
ولعل اللقطة التي نقلتها وسائل الإعلام اللبنانية والعالمية لمشهد تصدّر فرقة "هياكل بعلبك" لمشهدية الاحتفال بقدوم قداسة البابا على مدخل القصر الجمهوري، خير دليل على ما توليه للتراث من أهمية.
-
أولت عون التراث اللبناني أهمية خاصة (غرافيك: ندين بدر الدين)
وقد تُفاجئ عون الفنانين بحضور مهرجاناتهم وأعمالهم المسرحية والفنية، مشجّعة الطاقات والابتكارات وحالات تحدي الواقع والمبارادت الإيجابية الناهضة.
وفي كل ذلك، كان فريق عمل نعمت عون متناغماً مع اندفاعها، متفاعلاً مع تطلعاتها، فكانوا سنداً لها، وهي بدوره، شكّلت رافعةً إنسانية ووطنية للرئيس عون في عامه الأول، مكمّلةً لخطواته وتطلعاته.
زيارة قداسة البابا
شهد لبنان محطة تاريخية، في أتون الوضع الذي يعيشه أهله، وهي زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر، التي كانت رافداً كبيراً، لا فقط على المستوى الرمزي، بل أيضاً على مستوى تعزيز القيم الإنسانية والوطنية التي تسعى السيدة الأولى إلى ترسيخها.
أهلاً وسهلاً بك قداسة البابا، ضيفًا كريمًا على أرضٍ تتوق دومًا إلى السلام، وحاملاً معك رسالة الرجاء والإيمان لكل اللبنانيين. pic.twitter.com/S7S1Tt8eaV
— First Lady Nehmat Aoun - نعمت عون (@lbfirstlady) November 30, 2025
وكان لحسن التنظيم الذي أشرفت عليه بحذافيره، الصدى الواسع في إعادة تعريف العالم بلبنان التعايش والنموذج العالمي لتلاقي الأديان، وطبعاً الوطن الذي تغلّب على الصعاب والمؤامرات لاحتلاله وتفتيته، وهي ترجمت هذا الكلام عبر الميادين بقولها في ختام الزيارة المشهودة "نشكر الجميع على الصورة التي أعطوها عن لبنان من الضاحية إلى عنايا فهذا هو لبنان السلام".
مسيرة عائلية ومهنية
وُلدت نعمت عون ونشأت في منطقة الشياح في بيروت، وتلقت تعليمها الجامعي في لبنان، وهي تتقن اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية. قبل أن تتولى مهامها الحالية، بنت مسيرة مهنية متميزة في مجال البروتوكول والعلاقات العامة، حيث شغلت منصب رئيسة دائرة المراسم والعلاقات العامة في الجامعة اللبنانية الأميركية لأكثر من عقدين.
إلى جانب دورها كلبنانية أولى، تولت مؤخراً رئاسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، وهي مؤسسة عامة رئيسية تعمل على الدفاع عن حقوق المرأة وتعزيز المساواة بين الجنسين.
ومع تحمّلها لهذه المسؤولية، تتطلع للعمل جنباً إلى جنب مع صانعي السياسات، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين لدفع مسيرة الهيئة وتعزيز الجهود نحو إدماج أكبر وفرص متساوية للنساء في لبنان.
اقرأ أيضاً: اللبنانية الأولى التي تعتبر التراث هوية وأكثر
ورغم انشغالها بالعمل العام، تبقى السيدة نٍعمت عون مخلصة لدورها العائلي. فهي زوجة وأم وجدّة، وتدرك أهمية الروابط الاجتماعية القوية ودورها في بناء مجتمع متماسك ومتعاطف.
وأمس السبت خاطبت اللبنانية الأولى زوجها عبر صفحتها بعبارة "ينعاد عليك و يخليلنا ياك"، وذلك في عيد مولده، كلمات تشي بالبساطة والعفوية... التي انطلقت منها نِعمت الإنسانة لتنسحب عليها كزوجة رئيس.