فوق بيروت.. "راجع يتعمّر لبنان" من طائرة "الميدل إيست"!

في الحرب، لا يختبر الناس فقط قدرتهم على الصمود، بل يكتشفون أيضاً أصواتهم الحقيقية. بعضهم يصرخ، بعضهم يصمت، وقلة قليلة… تغنّي. ليس لأنّ الغناء ترف، بل لأنه وسيلة لقول ما لا يُقال. هكذا، في طائرة عائدة إلى لبنان، كانت هناك حكاية تُكتب بالنغمة لا بالكلمات.

  • فوق بيروت..
    صور  للعزف من طائرة "الميدل إيست" (وسائل التواصل)

هي ليست مجرّد قصة موسيقيين عالقين بين مطارات وحدود، بل قصة علاقة أعمق: بين الإنسان وصوته، بين الفنان وبلده، بين الخوف وما يشبه الطمأنينة المؤقتة. تبدأ الحكاية مع هبة رضوان، لكن لا تنتهي عندها.

تقول الشابة اللبنانية من جبل لبنان لـ الميادين نت، "خلال رحلة طائرة لشركة "الميدل إيست" اللبنانية لشبابٍ وشابات من لبنان قادمين من قطر ، واجهتنا مطبّات هوائية، وكان هناك قصف على لبنان، والطائرة لم تكن ممتلئة، ما أضاف جواً من التوتر والخوف."

وهنا يجب التنويه بما يجترحه طيارو الشركة  من إنجازاتٍ مضنية يتطلّبها الهبوط والإقلاع من مطار رفيق الحريري الدولي والتحليق فوقه، في ظلّ المخاطر بسبب استهداف العدوان لمحيط المطار بغاراته بالحربي والمسيّر.

عفوية بقلوب معلّقة

مشهد يمكن تخيّله بسهولة: طائرة، خوف صامت، وقلوب معلّقة بما يحدث في الأسفل.

"وبطريقة عفوية وغير مخطّط لها، قرّرنا إخراج آلاتنا الموسيقية والعزف قليلاً، وما وجدنا سوى أن نعزف أغاني فيروز مثل "نسّم علينا الهوى"، و"راجعين يا هوا"، و"راجع بتعمّر لبنان".

تقول رضوان للميادين نت: "أنا عضو مؤسس في فرقة "فوضى منظّمة". نشأت في بيئة موسيقية، حيث تأثّرت بخالي وأخي اللذين كان لهما حضور في هذا المجال، ما ساهم في تنمية موهبتي منذ الصغر، ورافقتني أيضاً خبرات مع أساتذة في التعليم الخاصّ، ما ساهم في صقل مهاراتي".

بهذا التعريف البسيط، تبدأ هبة رسم ملامحها. لكن ما لا تقوله الجملة مباشرة، يظهر بين سطورها: أنّ الموهبة في لبنان ليست خياراً سهلاً، بل مساراً مليئاً بالتشظّي، بين ما نحبّ وما يفرضه الواقع.

 ليست القصة عن طائرة، ولا عن موسيقى هامشية في السماء. هي عن لحظة قرّر فيها بعض الناس أن يواجهوا الخوف بالنغمة. أن يقولوا، ولو لثوانٍ: نحن هنا، وما زلنا قادرين على الغناء! 

"بدأت علاقتي بالموسيقى في سن مبكر، إذ كنت أعزف سمعاً وكان لديّ شغف خاصّ بآلة الكمنجة، فالتحقت بالمعهد الوطني العالي للموسيقى حيث درست الكمنجة الغربية. لكنّني تربّيت على أغاني مارسيل خليفة، وأحمد قعبور، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وميادة…. وغزّ أذني الطرب، فكانت الموسيقى الشرقية تستهويني، التي شعرت بأنها أكثر انسجاماً مع إحساسي وهويتي. وبسبب هذا الانجذاب، قرّرت أن أبحث عن طريق ينسجم أكثر مع هويتي الموسيقية".

  • رضوان للميادين: الفن والموسيقى يعبران عن المشاعر بطريقة مباشرة
    رضوان للميادين نت:  ليس هناك أصدق من لغة الفن والموسيقى للتعبير عن الواقع

هنا، لا تتحدّث هبة عن موسيقى فقط، بل عن هوية. عن ذلك الصراع الصامت بين ما نتعلّمه وما نشعر به. بين "الغربي" كمنهج، و"الشرقي" كروح.

بين الهندسة والموسيقى… حيث لا تعارض بين العقل والروح

"خلال هذه الفترة، كنت أدرس الهندسة الداخلية إلى جانب الموسيقى، ما أتاح لي دمج الإبداع الفني مع الحسّ التقني والتصميمي، وفتح آفاقاً جديدة في الرسم والأعمال اليدوية."

قد يبدو هذا الجمع متناقضاً، لكنه في الحقيقة انعكاس لشيء أعمق: الإنسان الذي يرفض أن يكون نسخة واحدة. في عالم يطالبك بالاختيار، قرّرت هبة أن تكون أكثر من شيء في آنٍ واحد.

مشهد يمكن تخيّله بسهولة: طائرة، خوف صامت، وقلوب معلّقة بما يحدث في الأسفل!

"مع الوقت، توسّعت علاقتي مع الآلات الموسيقية، فأنا أعزف على البيانو والعود، وكان لديّ فضول دائم لاكتشاف أصوات جديدة وتجربة العزف على أكثر من آلة. أؤمن أنّ الموهبة قد تمرّ بمراحل من الضياع قبل أن تجد طريقها، خاصة في عالم موسيقي غني ومتنوّع، لكنّ هذا التنوّع كان بالنسبة لي جزءاً أساسياً من رحلة الاكتشاف."

هذا "الضياع" الذي تتحدّث عنه، هو في الحقيقة ما يصنع الفنان. ليس الخط المستقيم، بل الالتفافات الكثيرة التي تقود في النهاية إلى نقطة واحدة: الذات.

"فوضى منظّمة"… البحث عن صوت يشبه الواقع

"وبالعمل مع ربيع زيتوني، الكاتب والملحن والمخرج المسرحي ومؤسس فرقة "فوضى منظمة"، وجدت المساحة التي أبحث عنها للتعبير بشكل أعمق وأكثر حرية. مع فرقة "فوضى منظّمة"، عملنا على بناء هوية فنية تعبّر عنا وتشبه واقعنا في لبنان، من خلال مزج الموسيقى مع المسرح والتعبير البصري. وخلال السنوات الماضية، قدّمنا أعمالنا على مسارح مختلفة، واشتغلنا على إنتاج أغانٍ أصلية نابعة من تجاربنا اليومية، حاملةً صوتنا وقصصنا إلى الجمهور بأسلوب صادق وقريب".

لا يكفي أن تكون فناناً

في لبنان، لا يكفي أن تكون فناناً. عليك أن تكون شاهداً أيضاً. أن تحمل الواقع، بكلّ تناقضاته، وتحوّله إلى عمل فني. وهذا ما تحاول "فوضى منظّمة" فعله: ترتيب الفوضى، من دون أن تفقدها صدقها.

رغم محاولات تزوير التاريخ وتشويه ذاكرة الناس، الفن والموسيقى كانا دائماً الأقوى. أصوات المغنيين، وأنغام العازفين، وريشة الرسامين حافظت على الحقيقة والهوية، ولا يزال حنظلة رمزاً لهذا الصمود".

تقول هبة: "الفنّ والموسيقى يعبّرون عن المشاعر بطريقة مباشرة، عن طريق النغمة والإيقاع واللحن، فمن دون كلمات يقدر الفنان على أن يوصل إحساسه الحقيقي، والمستمع يحس مباشرة، لأنها لغة كلّ الناس، صغيرهم وكبيرهم،  وليس هناك أصدق من هذه اللغة للتعبير عن الداخل".

ربما لهذا، في لحظة الخوف، لا يبحث الإنسان عن تفسير… بل عن صوت.

الوطن حين يصبح إحساساً لا مكاناً

"في أوقات الأزمات، يصير التعلّق بالوطن أقوى بكثير. الفنان يحسّ بمسؤولية أكبر أن يكون صوتاً، أو حتى مساحة أمل. الأغاني في هكذا ظروف تمسي شهادة، وذاكرة، ومقاومة بطريقتها الخاصة".

نحن كفنانين لبنانيين، نحمل الوجع والجمال بالوقت نفسه، ويظهر تلقائياً بأعمالنا، من دون تصنّع. "الوطن هنا ليس جغرافيا فقط. هو شعور، يظهر حين يختفي كلّ شيء آخر".

في مواجهة الحرب… ماذا تقول النغمة؟

"لو إن آلة الحرب والإجرام تسمع ماذا تقول النغمة فلن يكون لها وجود أصلاً!

الموسيقى هي لغة لا يُستهان بها، وفي شعوب رغم ضعف تسليحهم، حافظوا على هويتهم وكرامتهم بالفن والموسيقى وقالوا: "نحن ما منموت".

ورغم محاولات تزوير التاريخ ومحو شعوب وتشويه ذاكرة الناس، الفن والموسيقى كانا دائماً الأقوى. أصوات المغنيين، وأنغام العازفين، وريشة الرسّامين حافظت على الحقيقة والهوية، ولا يزال حنظلة رمزاً لهذا الصمود".

الطائرة… حين يصبح الخوف مسرحاً مؤقتاً 

تصل الحكاية إلى ذروتها هنا. "سافرنا إلى قطر للعمل خلال شهر رمضان المبارك، لكن بسبب الحرب لم نتمكّن من استكمال نشاطنا هناك، وأُلغيت رحلتنا المقرّرة للعودة إلى لبنان.

  • صورة أرشيفية لهبوط طائرة
    صورة أرشيفية لهبوط طائرة "ميدل إيست" خلال عدوانٍ على الضاحية الجنوبية لبيروت

كنا في انتظار معرفة موعد فتح مطار قطر لنتمكّن من العودة، وكان الحلّ بالعودة عبر البر إلى السعودية، والتي استغرقت نحو 9 ساعات، وانتظرنا في مطار الرياض نحو 5 ساعات، ومن ثمّ سافرنا إلى لبنان على متن طائرة MEA."

رحلة طويلة، مرهقة، ومفتوحة على الاحتمالات

"من المهم أن نوضح أننا لم نكن عازفين في فرقة معاً، كلٌ منا كان مسافراً كموسيقي مستقل، وليس كفرقة واحدة. إلا أنّ الموسيقى جمعتنا، وجمعتنا أيضاً محبة وطننا وفرحتنا بالعودة إليه".

في هذه اللحظة، لا تعود الموسيقى مهنة. تصبح رابطاً.

مشهد يمكن تخيّله بسهولة: طائرة، خوف صامت، وقلوب معلّقة بما يحدث في الأسفل.

هنا، يحدث التحوّل. "هذه اللحظة خلقت جواً من الفرح وهدّأت التوتر، وجمعتنا كموسيقيين على حبّ لبنان واشتياقنا للعودة إليه.

عبّرت الموسيقى عن محبتنا للبنان وعن قدرتها على توحيدنا ونقل المشاعر، حتى في أصعب الظروف، وساعدتنا على الوصول إلى وطننا بأمان وسلامة".

أسماء حملت الصوت في الهواء:

شذا مرقص: قانون

جنى شيبان: كمنجة

هبة رضوان: عود

سرينا شمالي: رقّ

شربل صفير: طبلة

في النهاية، ليست القصة عن طائرة، ولا عن موسيقى هامشية في السماء. هي عن لحظة قرّر فيها بعض الناس أن يواجهوا الخوف بالنغمة. أن يقولوا، ولو لثوانٍ: نحن هنا، وما زلنا قادرين على الغناء! 

اقرأ أيضاً: خولة طفيلي تتحدى: ريشتي يجب أن تتكلم الآن

اخترنا لك