إبراهيم ذو الفقاري.. أيقونة المتحدث العسكري في صناعة التأثير والردع الاستراتيجي الإعلامي
قدّم ذو الفقاري نفسه أنموذجاً استثنائياً لما يُمكن تسميته "المتحدّث الأيقوني"، فكلّ مقطع يُعاد إنتاجه ونشره هو ساحة معركة جديدة يعزز فيها روايته.
-
عسكري بحجم قائد للقوة والسلاح.
عسكري بحجم قائد للقوة والسلاح، نقل معركة بلاده إلى رواية يقين الانتصار على الشاشات، برز لعدوه بثلاث لغات عدا فارسية انتمائه، بوجه واحد وجمهور لا يتوقّع ما سيسمعه؛ حين يُطلّ المتحدّث باسم مقرّ خاتم الأنبياء وهو أعلى هيأة لقيادة العمليات العسكرية الموحّدة للقوات المسلحة الإيرانية الضابط (إبراهيم ذو الفقاري) مخاطباً العدو بلغته العبرية، يُنجز في ثوانٍ ما لا تُنجزه ساعات القصف الذي يستهدف بلده: يُسقط جدار الغرابة، يزرع الشكّ حيث تدور اليقينيات في فلك الرأي العامّ، ويُثبت أنّ أشدّ أسلحة هذا الزمان ليست في الظهور الإعلامي كمتحدّث رسمي ناقل للبيانات، بل في ظاهرة إعلامية استراتيجية، ومدرسة تستحقّ أن تُدرَّس في مناهج (تقنيات وفنون الاتصال والتواصل) و (أساليب الردع والحرب النفسية) من نافذة الإطلالة الاحترافية.
ذو الفقاري يطبّق في ظهوره منطقيّات الفلسفة التي تخصّص فيها مع اللحظة التي يسبق فيها الحضورُ الكلامَ عند أيّة إطلالة له، وهو إدراك بائن في أداءٍ دُرّب عليه للسيطرة على المتلقّي الذي يُصدِر ثمانين من المئة في حكمه الإنطباعي على المتحدّث خلال (الثلاثين ثانية الأولى) من الظهور، قبل طرح أيّ مضمون لغوي أو سردي معزّز بالأرقام والتهديد والوعيد.
فحين يدخل المشهد سواء خلف منصة البيان الصحفي، أو يحمل رسالة مُوازية تُكمل الكلام بصناعته للترند؛ تجد قامةً منتصبة من دون تصنّع، كتفان في خطّ أفقيّ مستوٍ يُعبّران عن الثقة من دون استعلاء، وتنفّس بطيء مُتحكَّم بالقارئ الآلي يُنتج من خلاله ذلك الهدوء المُحيّر، الذي يجعل المشاهد يعدّل جلسته لا إرادياً ويُصغي إليه.
يؤثّر ذو الفقاري في المتلقّي عدواً كان أم صديقاً، من خلال مِران الإطلالة التي تتطلّب أن يكون المتحدّث مستقراً ومتماسكاً داخلياً، مع ما يقوله وما يُترجمه الجسد من لغات الحركات والسكنات، محمّلاً بثقل تجربة حقيقية من الميدان، تمنحه شعوراً أصيلاً بالنصر المتواصل، ويجعل من هدوئه أمام الكاميرا إسقاطاً طبيعياً لما في داخله وليس أداءً مُصطنعاً.
إنّ المتحدّث العسكري الذي لا يرتجف حين يتحدّث عن الحرب؛ يُرسل رسالة أعمق من كلّ ما يقوله السلاح في ميدان الدفاع والهجوم، إذ إنّ نظرات ذو الفقاري إلى الكاميرا تفعّل تقنية "التواصل البصري الاستراتيجي"، فهو لا يُحدّق بعدوانية، ولا يتهرّب بانكسار في لغة جسده وتضاريس وجهه وحركة حاجبيه، بل يُقيم جسراً بصرياً هادئاً مع المُخاطَب يُوحي بأنه يُكلّمه مباشرة، لا يُشعره بفوقيّة الإملاء، وهذا فارق دقيق تجاه النظرة وزاويتها، نميّز من خلاله المتحدّث الاستثنائي من غيره في تحقيق الاستمالة العاطفية، وبخاصة إنه لا يرتدي (الطاقة- البيرية- الخوذة) العسكرية.
أما في تعدّد لغات التواصل: فهي سلاح يخترق الجدار النفسي وحواجز المُرسل والمُستقبل، ولعلّ أشدّ ما في شخصية ذو الفقاري إثارةً للدراسة في منطقتنا العربية والإسلامية وأكثرها تمييزاً في مشهد المتحدّثين العسكريين العالميين؛ هو قدرته على التحدّث بلغات أطراف الحرب المختلفة: (العبرية، العربية، الفارسية، الإنكليزية)، وهذه ليست كفاية لسانية مكتسبة وحسب، إنما هي ترسانة ردع نفسي مُحكمة البناء، أطلقتها الجمهورية الإسلامية في فضاء الرواية الحربية المكافئة للعمليات العسكرية في الردّ على سردية العدو.
فحين يتوجّه إلى الجمهور الإسرائيلي باللغة العبرية، يُنجز اختراقاً رمزياً مُوجِعاً من ثلاثة مداخل:
أولها: تجاوزه لوسيط الترجمة بما يحمله من لحن أو تليين للحدّة أو النبرة وإعادة صياغة للمعنى؛ فالرسالة تصل مباشرةً إلى قاعدة العدو من دون فلترة.
ثانيها: إسقاط ورقة "الغريب المجهول" أو "النزعة المتصارعة لتاريخ القِدم في اللغات والحضارة" التي يُديرها الخطاب الإسرائيلي، حينما يُقدّم خصومه بوصفهم مجموعات بربرية لا تُحسن خطاباً راقياً، ولا تملك وعياً استراتيجياً ولا عمقاً تاريخياً.
ثالثها وهو الأخطر: الرسالة المُضمَرة التي يُرسلها إتقان العبرية إلى الوجدان الجمعي الإسرائيلي: "نحن نفهم ما تفكّرون به وما تخافون منه"، "نفهم ما تحاولون إخفاءه عن شعبكم"، وسواها من العبارات التي تتأطر في حرب المرايا التي تعكس تصدير القلق إلى مصدره، وهي من أشدّ تقنيات الحرب النفسية تعقيداً، لأنها لا تُهدّد العدو من الخارج بل تُفكّك الثقة في جبهته الداخلية.
وإذا أخذنا مفهوم الاختراق اللغوي كسلاح نفسي في نظرية الردع الموسّع؛ فإنّ المتحدّث الذي يُخاطب عدوه بلغته، يُحقّق ما يُسمّى بـ"تحييد جدار التغريب"، وهو الحاجز النفسي الذي يبنيه المجتمع المستهدَف بين نفسه وخطاب الخصم، فحين يسمع (الإسرائيلي) ضابطاً إيرانياً يتحدّث العبرية، يُصاب بما يُسميه علماء النفس "الاضطراب المعرفي للنموذج"، إذ تتعطّل من خلاله آلية رسم صورة العدو المُبسَّطة التي يحتاجها المجتمع للتعبئة، حتى لو كان هذا التعطيل مؤقتاً ويبدأ بالذوبان بعد الإطلالة الثالثة أو الرابعة، لكنه عميق في التأثير.
وفي قبال العبرية يستثمر ذو الفقاري (العربية) سلاحاً لغوياً في الخطاب لحكومات جغرافية منطقته العربية والإقليمية، متفاوتة المواقف والإسناد العروبي- الإسلامي مع شديد الأسف، فلا يصرف وقتاً لجبهات مُطبّعة مع العدو خاضعة له، بل يوجّه خطابه لجمهور مُهيّأ عاطفياً- عقدياً- إسلامياً- أخلاقياً لتلقّي روايته وهو يقف مدافعاً في وجه العدو الصهيوأميركي، فتتحوّل كلّ جملة في بيئة المجتمعات الحرّة إلى مادة انتشار فيروسي طبيعي في الفضاء الرقمي.
إذ إنه يقدّم مهارة في الاشتغال الوجداني لهذا الجمهور أو ذاك، ويُوظّف المرجعية الثقافية والدينية المشتركة بدقة سياقية تجعل خطابه نسيجاً لا غرزة عشوائية فيه، إذ يُسمّى هذا التوظيف الدقيق لمرجعيات المتلقّي في علم التواصل بـ"التأطير الثقافي المُلائم" ويُعدّ من أعلى مستويات مهارة الخطيب.
وفي موجات النبرة أو الصوت بوصفها أداة ردع؛ يُخطئ كثيرون حين يظنون أنّ قوة الخطاب تكمُن في رفع الصوت وحدة الأداء؛ إذ إنّ خبراء التواصل الإقناعي يبرهنون بالتجربة العكسَ في سياقات الردع والمصداقية، فالصوت المنخفض المُتحكَّم فيه هو أشدّ الأصوات تأثيراً، وبخاصة حين يُعلن معطيات بالغة الخطورة. ذلك أنّ المتلقّي يُرسل تلقائياً إشارة إلى دماغه: (هذا الرجل لا يصرخ لأنه واثق، ولا يغلّظ نبرته لأنه لا يخشى التشكيك في ما يرويه للناس)، وذو الفقاري يُتقن (الوقفة المُتنفِسَة) قبل المعلومة الحساسة لا بعدها، فيُعطي بذلك الجملة المفتاحية مساحتَها في الصمت كيْ تمتزج مع الموجات والتردّدات الصوتية في وعي المتلقّي، هذه (الوقفة) عندنا في الأداء الإعلامي للمراسل أو المذيع أو المقدّم ليست فراغاً؛ بل هي جزء محسوب من الخطاب، تُتيح للرسالة إنتاج صداها الداخلي في وعي المتلقّي من دون ضجيج، وتمنح مساحة من التنفّس للمُلقي والمُتلقّي وبذلك يتحقّق الإصغاء.
كذلك يشتغل ذو الفقاري في إيقاعه على ما يُسمّى في الخطابة بـ"تنويع السرعة الوجدانية" فهو: يتمهّل حين يُعلن، يتسارع قليلاً حين يُحلّل، ويعود إلى البطء الرصين حين يُفصّل ثم يَختُم، فهذا التنويع يُبقي المتلقّي في حالة يقظة انتباهية مستمرة من دون أن يُشعره بالإرهاق أو الخوف، وهي مهارة تُميّز الخطيب المحترف من القارئ المُؤدّي.
أما كاريزما الظهور بوصفها صناعة ومهارة بمراس تراكمي: فهناك توافق بينيّ كامل بين ما يقوله لسان ذو الفقاري وجسده، يُؤكّده صوته وتُعمّقه ونظرته الراكزة. هذا الاتساق الكامل بين قنوات التعبير المختلفة يُنتج ما يُسمى "المصداقية الوجدانية"، أي الشعور الفوري عند المتلقّي بأنّ المتحدّث يقول ما يؤمن به، فضلاً عن الانضباط الانفعالي تحت الضغط فهو رجل عسكر وميدان، لا استوديوهات ومدن إنتاج إعلامي رقمي أو ذكي، وعلى الرغم من ذلك لا يُبدي ذو الفقاري في اطلالاته انفعالاً يُفسد نمط الثقة المبنية على مهارات الإلقاء الثابت، إذ إنه يُعيد توجيه الخطاب بهدوء مُحكم من دون أن يبدو دفاعياً أو هجومياً، وهو من أشدّ المهارات الإعلامية تعقيداً التي يستثمرها من واقع وثقل ما يَحمل من تجربة ميدانية ومعرفة عسكرية استراتيجية حقيقية، لا مجرّد بيانات مكتوبة.
هذا الثقل يشعر به المتلقّي: وهو يصنع بذلك فارقاً مهنياً هامّاً، بين من يقرأ التقرير أو البيان ونسمّيه (مؤدٍّ) وبين من عاش ما في التقرير من أحداث وصنع روايته وترجم سرديته سلوكاً في إطلالته؛ التي تتيح له التحكّم في ميزان القوة الدرامية التي استثمرها ذو الفقاري أيّما استثمار في صناعته للترند داخل الفضاء الرقمي، فالمتحدّث العسكري- الرسمي أيقونة لا مجرّد مصدر، وفي سياق ما بعد الثورة الرقمية، لم يعد المتحدّث العسكري ظاهرةً تُقاس فقط بقدرته على إدارة المؤتمرات الصحافية وإجابة الصحافيين؛ بل تحوّل بواسطة أدوات ونوافذ الفضاء الرقمي إلى الانتشار الفيروسي وشبكات التأثير الموزّعة على ميادين موازية تُختبر فيها (الشخصية الترند) بمعايير مختلفة تماماً عن مواصفات المتحدّث العسكري.
وهنا قدّم ذو الفقاري نفسه في هذا السياق أنموذجاً استثنائياً لما يُمكن تسميته "المتحدّث الأيقوني"، أي المتحدّث الذي تتحرّر صورته وجملُه من سياق إنتاجها الأصلي لتعيش حالة فيروسية مستقلة في الفضاء الرقمي، فكلّ مقطع يُعاد إنتاجه ونشره هو ساحة معركة جديدة يعزّز فيها روايته، وكلّ صورة ثابتة لوجهه الهادئ في لحظة إعلان عملية كبرى؛ هي رسالة تشتغل بمعزل عن سياقها الأصلي، وهذا النوع من الحضور لا يَصنعه الإخراج الفني وحده؛ بل يصنعه الاتساق في الأداء المُتزن، والتكرار الذي يُرسّخ الهوية البصرية والخطابية في ذاكرة الجمهور، إذ إنّ ذو الفقاري يظهر في كلّ مناسبة بالأسلوب والإيقاع والحضور نفسه فضلاً عن المظهر العامّ نفسه، وهذا الاتساق عبر الزمن هو ما يُحوّل المتحدّث من مجرّد وظيفة إلى مؤسسة أو كما نُسمّيه اليوم سلاح ردع في حرب الرواية الإعلامية.
إذ إنه يُصبح ظاهرة متطوّرة من مصدر للمعلومة إلى مُنتج للردع الرقمي في ميدان "الاقتصاد الانتباهي"، فالشخصية ذات الأداء المتسق؛ تُنتج ما يُسمّى بـ"رأس مال الانتباه المتراكم": وهو ثروة إعلامية حقيقية تعني: أنّ جمهوراً واسعاً سينتبه ويصدّق أيّ شيء يصدر عنه. وهذا ما أبدع فيه ذو الفقاري عندما بنى اقتصاداً انتباهياً بصورة ممنهجة، حتى بات ظهوره بحدّ ذاته حدثاً، وغيابه إشارة تستوجب التفسير.
وهنا تجاوز دوره كـ (متحدّث كلاسيكي)، ليُصبح فاعلاً في منظومة الردع الشامل: (الردع العسكري الذي يُمارَس في الميدان، الردع الإعلامي الذي يُمارَس في المنصات الإعلامية)، أما الردع الرقمي فأصبح يُمارسه بنفسه التي باتت محرّكاً مستقلاً في معادلة الرأي العامّ. وهنا أُذكّر القارئ في ترند (سيلڤي إطلاق الصواريخ وهو يشرب العصير).
إذ إنّ ذو الفقاري صنع بذلك الترند لوناً جديداً في سجل المتحدّثين العسكريين، فإذا وضعناه في سياق تاريخي مقارن مع أقرانه الكبار الذين تركوا أثراً في تاريخ الإعلام الحربي، نُدرك أنه يُمثّل لوناً مختلفاً لم يظهر بهذه الكثافة من قبل في المنطقة.
إذ إنّ المتحدّث العسكري الذي تختزنه ذاكرة جمهورنا العربي، إما كان عسكرياً خشناً يتحدّث بلغة المؤسسة الجافة، أو شخصاً مدنياً ناعماً يفتقر إلى ثقل الميدان. أما ذو الفقاري فجمع النقيضين في حضور واحد: (الخشونة المؤسساتية والنعومة الخطابية).
كذلك ما ينماز به عن أقرانه من المتحدّثين الإقليميين؛ قدرته على التحدّث إلى جماهير متعدّدة بمرجعيات ولغات مختلفة، من دون أن يبدو مُتقلّباً أو متناقضاً، فالمتحدّث الفارسي الذي يخاطب الجمهور العبري بعبريته والعربي بعربيته والدولي بإنكليزية ومنطق استراتيجي مُقنع؛ هو في الحقيقة يُدير ثلاث معارك روائية في آنٍ واحد، وكلّ معركة بأدواتها ومدخلاتها الخاصة أهّلته ليكون أنموذج "المتحدّث الاستراتيجي الشامل" منه إلى الأنموذج التقليدي للمتحدّث الرسمي، أي إنه يُفكّر بمنطق المعركة الإعلامية الكاملة، لا بمنطق البيان المحدود، وهذا التفكير الشامل هو ما يُنتج ذلك التماسك الاستثنائي بين كلّ تصريح وآخر، وبين كلّ ظهور وإطلالة.
وإذا أردنا بناء "معادلة ذو الفقاري" في الردع الإعلامي كمرجع قابل للاستخدام والاستنساخ في تدريب المتحدّثين وتحليل الأثر الإعلامي، يُمكن صياغتها في خمسة محاور متشابكة- متداخلة:
الأول: الردع بهوية المؤسسة التي ينتمي إليها:
كلّ ظهور يُرسّخ صورة الجهاز العسكري الإيراني بوصفه منظومة استراتيجية راسخة لا تتعامل بردود أفعال عشوائية، وهذا التموضع في الهوية يُعيد رسم صورة الخصم لدى الرأي العامّ الدولي المتردّد.
الثاني: الردع باللغة والثقافة:
إنّ التعدّدية اللغوية تُلغي الحواجز التي تصنعها الدعاية المضادّة التي يصرف عليها العدو الاسرائيلي وماكنات التطبيع الإعلامية العربية ملايين الدولارات، وتُوصل الرسالة مباشرةً إلى الوجدان الجمعي في بيئته الثقافية الأصيلة من دون وسيط يُفلتر ما يريد، يُخفّف زخم الحدث، يُليّن التصلّب الحادّ في الموقف والردّ.
الثالث: الردع من خلال الثبات الزمني:
إنّ المتحدّث الذي يظهر بعد كلّ حدث كبير بالهدوء نفسه يُرسّخ في الوعي الجمعي أنّ جبهته تمتلك خطة لا ارتجالاً، واستراتيجية لا أزمات. وهذا الثبات الزمني هو من أقوى أشكال الردع غير المباشر.
الرابع: الردع بالشخصية كأصل:
حين تصبح شخصية المتحدّث أصلاً استراتيجياً مستقلاً معروفة لدى الخصم قبل الحليف؛ يتحوّل كلّ ظهور إلى رسالة، حتى بمعزل عن محتواها الفعلي، إذ إنّ الوجه نفسه -ذو الفقاري- أصبح علامة تحمل معنى.
الخامس: وهو محور لا يُصرَّح به لكنه يعمل بصمت في الخفاء، وهو الردع بالغموض الاستراتيجي المُدار باحتراف:
إذ إنّ المتحدّث يُعلن ما يُراد إعلانه، ويصمت عمّا يُراد إخفاؤه، ولكنه يصمت بطريقة تُوحي بأنّ الصمت نفسه يحمل معطيات، إذ إنّ هذا الغموض المُدار: هو فنّ رفيع في علم الإعلام الاستراتيجي يُبقي الخصم في حالة حساب مستمر وترقّب لا يستقر.
ولا يكتمل التحليل المهني بالإعجاب المُطوَّل لـ (ذو الفقاري) من دون أن نستحضر السياق النقدي الذي يمنحه معناه. فالمتحدّث العسكري، مهما بلغت مهارته الإعلامية، فهو يعمل ضمن إطار مؤسساتي صارم، يُحدّد ما يُقال وما يُحجب وكيف تُقدَّم المعطيات وما يُسمح بالاعتراف به.
فهو -ذو الفقاري- كسائر المتحدّثين العسكريين في جيوش العالم كلّها، يمارس "الإدارة الانتقائية للمعلومة" بامتياز، إذ إنّ ما يُميّزه ليس تجاوزه لهذا القيد البنيوي- فذلك مستحيل في طبيعة الدور- بل هو أسلوبه في إدارة هذا القيد بحيث؛ لا يبدو قيداً في عينيّ وذهن المتلقّي، بل يبدو اختياراً واثقاً من رجل يعرف ما يقوله، وما لا يحتاج لقوله لأنها تندرج ضمن الحرب النفسية أثناء المعركة، وبخاصة إننا أمام خطاب يُتقن إنتاج الثقة الوجدانية ويشتغل في إطارها، وهذا في حدّ ذاته موضع دراسة لا موضع حكم قطعي.
وفي مستخلص المقالة أقول: إنّ (ابراهيم ذو الفقاري) كالسجادة الكاشان الإيرانية مدرسة تُدرَّس لا تُقلَّد؛ فهو ليس مجرّد متحدّث ناجح في ظرف استثنائي، هو أنموذج وظاهرة متطوّرة تستحقّ الدراسة الأكاديمية والمهنية المعمّقة من منظور علم التواصل الاستراتيجي، لأنه يجمع في شخصيته الإعلامية عناصر نادراً ما تجتمع في متحدّث واحد: (الحضور الجسدي المُتحكَّم به، التعدّدية اللغوية الفاعلة، الكاريزما المبنية على الاتساق لا التصنّع، والفهم العميق لإشباع رغبات الفضاء الرقمي في عصر ما بعد التلفاز). ففي مدارس الإعلام الاستراتيجية، وفي برامج تدريب المتحدّثين الرسميين، وفي مناهج دراسة حرب الرواية والسردية المعاصرة، يُصبح هكذا متحدّث مادةً خصبة قابلة للتدريس لا للتقليد، لأنّ ما يُقدّمه ليس وصفةً تُكرَّر، بل هو منهج يُفهَم ثم يُطوَّر بأدوات كلّ إنسان وظرفه وسياقه وموارده، فضلاً عن أنّ الدرس الأعمق الذي يُقدّمه هذا الأنموذج لكلّ من يشتغل في صناعة التأثير الإعلامي هو: أنّ الكلمة بجميع أبعادها المرئية والمسموعة والمقروءة والصامتة؛ هي السلاح الذي لا تنتهي ذخيرته طالما يحمله إنسان يؤمن بما يقوله ويُحسن كيف يقوله ليصنع التأثير ويترك الأثر.