"زهرة الميادين" على "أسطول الصمود" إلى غزة: فاطمة "ستبحر" يوماً
"أسطول الصمود" ينطلق من المرافئ الأوروبية، لا كسفنٍ فقط، بل كذاكرةٍ ترفض الغرق، حاملةً أسماء الأوفياء الثلاثة للكلمة، أسماءٌ كُتبت لتُبحر قبل السفن، ولتقول إن الحصار لا يمنع الوصول… وأن الصوت، حين يتحوّل موجاً، لا يمكن إيقافه!
-
أن تُكتب الأسماء على السفينة، يعني أن تتحوّل إلى جزءٍ من رحلتها. أن تُصبح هي الريح، وهي الاتجاه، وربما هي السبب الوحيد للإبحار! (غرافيك: ندين بدر الدين)
كان صوت زهرة الميادين، فاطمة فتوني "يصدح" بعنفوانٍ مطلقاً الأغاني والأناشيد الوطنية اللبنانية والقومية العربية.. وهي أن نسيت بعض الكلمات، لكنها كانت "تطلع منها" في غاية الصدق و "الهضامة" على سجيتها، ولكّم كنا نسمعها تردد نشيد " لبنان بالشهدا انتصر" في مجالسنا معها..
هي كانت ابنة هذه الأرض المنبجسة بالحرّية.. التي تأبى الظلم والحصار والعدوان وأغلال الاحتلال.
View this post on Instagram
منثورة فوق ثرى فلسطين
حلم عروس الميادين لم يتأطر في بوتقةٍ واحدة، كان عابراً لحدود "الطيبة"، منثوراً على سماء جنوبٍ رافداً سانِداً، قد لا يعرف مدىً، وإن كان يحلّق كرفيف روحٍ ملائكية فوق ثرى غزة وكل فلسطين يحلم وما يزال بالصلاة في القدس..
فاطمة التي كانت وفية للعباءة الفلسطينية وكوفية الأراضي المقدسة، حتى الرمق الأخير، "حطّة" النضال لا تفارق بيتها وحتى سيارتها، سلكت معراجها "شهيدة فلسطين"، بكل ما في الكلمة من جزال المعاني.
وهنا، ليس غريباً، أن يخط اسم فاطمة فتوني على أحدى سفن فك الحصار عن غزة، في مرفأ مرسيليا الفرنسي، مع عميد الإعلاميين الشهيد الحاج علي شعيب، وشقيقها المصوّر محمد فتوني.
ليس ذلك بغريب، طالما هنالك شرفاء يشكلون الاستمرارية والمدد..
من بحر لبنان إلى بحر غزة..المسافة هدأة روح.. عهدُ وفاء.. عقدُ لواء..
اليوم نرفع الأشرعة.. نحن صامدون. على الرغم من الجرح، رغم الحصار، رغم كل الرياح المعاكسة التي ربما لا تشتهيها بعض السفن!
مناضلة تنتصر لمناضلين
الخبيرة في القانون الدولي الدكتورة لينا الطبال الموجودة في فرنسا، أبت إلاّ أن تحمل اللواء،كما عهدنا في الدكتورة ابنة مدينة طرابلس الفيحاء، ابنة شمال لبنان لاقت شهيدة جنوبه وخطّت بمددها أسماء أقمارٍ ثلاثة، لم يحتمل المحتل بوحهم بالحقيقة..
تقول الطبال لـ "الميادين نت" كنت خلال الأيام التي سبقت نهاية الأسبوع في مرسيليا بفرنسا وبرشلونة في إسبانيا، لم تكن الزيارة هامشية"، كانت أشبه بوقوفٍ طويل على حافة المعنى: هل تُبحر السفن فعلاً؟ أم يكفي أن تُكتب الأسماء كي يبدأ الإبحار؟
هناك، بين أرصفةٍ أوروبية تبدو بعيدة جغرافياً عن غزة، لكنها قريبة حدّ الألم، جرى توثيق اللحظة. كاميرا تلتقط، ويدٌ تكتب، وصوتٌ يسجّل… وكلّها تحاول أن تسبق الغياب.
السفن بقيت في مراحلها التحضيرية، كما لو أنها معلّقة بين قرارين: الإبحار… أو الاكتفاء بأن تكون رسالة. لكن شيئاً واحداً لم يكن معلّقاً: أسماء الأقمار الثلاثة كُتبت!
السفن التي قالت كل شيء!
الاحتمال الأقرب كان واضحاً: السفن قد لا تُبحر. لكن الحقيقة الأعمق لم تكن في حركة البحر، بل في ما حُمل إليه.
تقول الطبال "انطلاق رمزي، قيل إنه سيحدث يوم السبت. رمزي… لكنّه ليس أقلّ حقيقة. لأن الرمز هنا لم يكن بديلاً عن الفعل، بل شكلاً آخر له".
حين يُمنع البحر من أن يكون طريقاً، يتحوّل إلى شاهد.
السفن بقيت في مراحلها التحضيرية، كما لو أنها معلّقة بين قرارين: الإبحار… أو الاكتفاء بأن تكون رسالة. لكن شيئاً واحداً لم يكن معلّقاً: الأسماء كُتبت.
حين تصبح الأسماء أشرعة
على جسد السفينة المتجهة — نظرياً — نحو غزة، كُتبت أسماء شهداء الصوت وكلمة الحق: علي شعيب، فاطمة فتوني، محمد فتوني.
لم تكن كتابةً عادية. لم تكن مجرّد حروف على خشب.. أن تُكتب الأسماء على السفينة، يعني أن تتحوّل إلى جزءٍ من رحلتها. أن تُصبح هي الريح، وهي الاتجاه، وربما هي السبب الوحيد للإبحار.
-
"لم تموتوا.. صرتم طريقاً "!
في تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل ستنطلق السفن؟ بل: كيف يمكن أن لا تنطلق، وقد أصبحت محمّلة بكل هذا المعنى؟
معركة الرواية… حين يُستهدف الصوت
في قلب هذه الحكاية، يأتي صوت الناشطة الماجدة لينا طبال في "أسطول الحرية" ، لا بوصفه تعليقاً، بل امتداداً للمشهد لتقول لنا: "الصحافيون الذين استشهدوا لم يكونوا مجرّد ناقلين للحدث، بل جزءاً من معركة الرواية نفسها. واستهدافهم لم يكن صدفة، بل اعترافاً واضحاً بأن الكلمة — حين تكون حرّة — تصبح أخطر من الرصاص".
أن تُكتب الأسماء على السفينة، يعني أن تتحوّل إلى جزءٍ من رحلتها. أن تُصبح هي الريح، وهي الاتجاه، وربما هي السبب الوحيد للإبحار.
بهذا المعنى، لم تكن الأسماء الثلاثة مجرد شهداء. بل تحوّلت إلى أدلة شاهدة، دليل على أن الصورة تُقلق، وأن الكاميرا يمكن أن ترعب، وأن الحقيقة — في زمن الحرب — تُعامل كعدو.
شهادتهم لم تنهِ دورهم. بل أعادت تعريفه.
العلم الذي لا يسقط
في المشهد، علمٌ يرفرف. ليس علماً جديداً، ولا لحظةً منفصلة. هو نفسه الذي رافقهم في طريقهم الأخير، وهو نفسه الذي يُرفع اليوم فوق السفن. كأن الزمن يدور، أو كأن المعركة واحدة، وإن تغيّرت الأمكنة. هذا العلم لا يرفرف فقط في الهواء، بل في المعنى.
في فكرة أن شيئاً ما لا يمكن إسقاطه، مهما اشتد الطلم. وفي قناعة أن الذين سقطوا، لم يسقطوا فعلاً… بل انتقلوا إلى موقعٍ آخر في المعركة.
بين المرافئ وغزة… المسافة التي لا تُقاس
جغرافياً، المسافة واضحة: من فرنسا إلى غزة. لكن في هذا المشهد، المسافات لم تعد تُقاس بالكيلومترات. لأن غزة لم تكن وجهةً فقط، بل كانت نداء.
نداءً يصل إلى مرافئ بعيدة، ويدفع بأشخاص لم يعيشوا الحرب مباشرة، لكنهم قرروا أن يكونوا جزءاً من روايتها.
وهنا، يتحوّل البحر إلى مساحة مشتركة: بين من ينتظر، ومن يحاول الوصول، ومن لم يعد موجوداً… لكنه حاضر أكثر من أي وقت.
"أمواج الحرية"… الاسم الذي صار موقفاً
اسم الحملة لم يكن تفصيلاً: “Waves of Freedom – France” "أمواج الحرية" اسم يبدو شاعرياً، لكنه يحمل ثقلاً نضالياً واضحاً. لأن الحرية هنا ليست فكرة مجرّدة، بل فعل مواجهة.
يتحوّل البحر إلى مساحة مشتركة: بين من ينتظر، ومن يحاول الوصول، ومن لم يعد موجوداً… لكنه حاضر أكثر من أي وقت.
تقول طبال: "في محاولة كسر حصار، حتى لو كان الكسر رمزياً. حتى لو لم تُبحر السفن، فإن مجرّد الاستعداد، ومجرّد الكتابة، ومجرّد الوقوف في المرفأ… هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة".
النص الذي كُتب على الماء… وبقي
"إلى أرواح شهداء الكلمة.."
هكذا يبدأ النص، وكأنه لا يُخاطب "اللي راحوا" ، بل يُعيد استدعاءهم. الأسماء "لم تُكتب فقط على السفن، بل على الأشرعة، وعلى صدور الأحياء". وكأن الرسالة تقول: أنتم لم تموتوا، أنتم فقط سبقتم. "سبقتم إلى الضوء، وتركتم لنا الطريق".
في هذا المعنى، يصبح البحر أكثر من ماء. يصبح ذاكرة. ومساحة اختبار: هل نستطيع أن نحمل ما تركوه؟
حين لا تنطلق السفن… يبدأ الإبحار الحقيقي
تقول طبال: "قد لا تنطلق السفن. هذه حقيقة. لكن ما حدث في مرسيليا وبرشلونة، لم يكن انتظاراً فاشلًاً، بل كان انطلاقاً من نوعٍ آخر". انطلاق في الوعي، في الصورة، في الكلمة.
جغرافياً، المسافة واضحة: من أوروبا إلى غزة. لكن في هذا المشهد، المسافات لم تعد تُقاس بالكيلومترات. لأن غزة لم تكن وجهةً فقط، بل كانت النداء.
لأن الإبحار الحقيقي لم يعد مرتبطاً بحركة السفن، بل بقدرتها على أن تقول شيئاً.
وقد قالت: إن الأسماء لا تموت، وإن الحصار — مهما اشتد — لا يستطيع أن يمنع الفكرة،
وإن البحر، حتى وهو صامت، يمكن أن يكون أعلى صوتًا من كل المدافع.
الأسماء التي وصلت قبل السفن
في النهاية، قد تبقى السفن في مكانها. لكن الأسماء وصلت. وصلت إلى غزة، وإلى كل من يشاهد، وإلى كل من يقرأ.
ما كُتب على خشب السفن، لم يكن حبراً فقط، بل كان إعلاناً واضحاً: أن هذه المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الذاكرة. وأن الذين حاولوا إسكات الصوت، اكتشفوا متأخرين… أن الصوت صار موجاً. والموج… لا يمكن حصاره!
