بإبرة وخيط.. مبادرة لـ "ترقيع" خيام غزة قبل الشتاء

بين رقعة وأخرى يضمها الخياط الطباش، تتجلى حكاية إنسان غزة الذي يُترك وحيداً لمواجهة قسوة الطبيعة وآثار الإبادة. إنها صورةٌ مكثفة لمجتمعٍ يستعين بالبساطة والابتكار الصغير من أجل استبقاء الحياة.

0:00
  • بأبرة ثقيلة.. جهود لـ
    يحاول الخياط الفلسطيني شعبان الطباش في خان يونس أن يمنح هذه الخيام المهترئة فرصة أطول للصمود (وفا)

تتشابك خطوط النزوح وتتلون وجوه الناس بالتعب والمكابدة في قطاع غزة، فلا تقاس الأيام بحسب التقويم العادي، بل بمدى قدرة أغطية البلاستيك المتهالكة وقماش الشاش والمشمع على مقاومة عاديات الطبيعة وقسوة الحصار والعدوان.

ومع أزوف الخريف ودنوّ فصل الشتاء، يعود كابوس "جحيم الخيام" ليخيم على حياة مئات آلاف النازحين، ذاك الجحيم الذي لا يتوقف عند حدود صيفٍ ينسكب حراً ولهيباً خنّاقاً تحت أسقف البلاستيك، بل يتحوّل مع الشتاء إلى صقيعٍ ينهك العظام، وفيضاناتٍ مائية تجتاح الملاجئ المؤقتة، مخلفةً أمراضاً وأجساد أطفالٍ ترتجف تحت وطأة البرد القارس.

شعبان الطباش: ترميم ما أكلته الحرب بقماش الرقع

 وعلى وقع القلق المتزايد من عواصف الشتاء القادمة، يحاول الخياط الفلسطيني شعبان الطباش في خان يونس أن يمنح هذه الخيام المهترئة فرصة أطول للصمود. بإبرةٍ ثقيلة وأدوات بدائية، يواصل الطباش جمع القطع الممزقة ترقيعاً وتثبيتاً، محاولاً تقوية ما يمكن تقويته من أغطيةٍ بلاستيكية وأقمشة شمعية أنهكتها سنوات الحرب المتواصلة.

تقف "الرقعة" التي يضعها الطباش شاهداً حيّاً على إرادة التكيف والإصرار على البقاء، فالخيام التي تحوّلت إلى الملاذ الأخير والوحيد لآلاف العائلات التي فقدت منازلها ومصادر استقرارها، أصبحت اليوم بالية وغير قادرة على الوقوف بوجه الرياح والأمطار بعد سنوات من الاحتكاك المستمر بعوامل الطبيعة والقصف.

 يعبر النازحون في قطاع غزة مرحلة استثنائية من المعاناة البيئية والصحية، فالخيمة التي تحوّل حياتهم في الصيف إلى فرنٍ حراري لا يطاق وتتسبب في انتشار الجلديات والأوبئة نتيجة انعدام التهوية وارتفاع درجات الحرارة، تغدو في الشتاء مصيدةً مائية ومصدر صقيع لا يرحم.

الفيضانات داخل الخيام

 تتسبب الأمطار الأولى دائماً في إغراق الملاجئ المؤقتة وتلف ما تبقى من أثاث وشراشف قليلة، حيث تسرب المياه من القماش المهترئ وتتحول الأرضيات الترابية إلى مستنقعات طين.

و يقف أطفال غزة في مقدمة ضحايا هذا الواقع المأساوي، حيث يفتقر معظمهم للملابس الشتوية والأحذية العازلة والأغطية الثقيلة، ما يؤدي إلى انتشار حاد في أمراض الجهاز التنفسي والانفلونزا والتهابات الرئة وسط نقص حاد في الدواء والرعاية الصحية.
ومن المعروف أن المخاوف تزداد يومياً في ظل منع وإعاقة دخول الأغطية والمواد العازلة ومستلزمات الإيواء الضرورية، مما يفرض على الأهالي الاعتماد الكلي على مواد متاحة بالكاد وإصلاحات متكررة لإطالة عمر الخيام.

صمودٌ بإمكانات معدومة

وبين رقعة وأخرى يضمها الخياط الطباش، تتجلى حكاية إنسان غزة الذي يُترك وحيداً لمواجهة قسوة الطبيعة وآثار الإبادة. إنها صورةٌ مكثفة لمجتمعٍ يستعين بالبساطة والابتكار الصغير من أجل استبقاء الحياة، مؤكداً أن محاولات الاقتلاع لن تكسر إرادة البقاء، حتى ولو كانت هذه الإرادة معلقةً بشريط بلاستيكي أو قطعة قماشٍ مرممة في مهب الريح.

  • محاولة لمنح هذه الخيام المهترئة فرصة أطول للصمود (قدس نت)
    محاولة لمنح هذه الخيام المهترئة فرصة أطول للصمود (قدس نت)

في خضّم هذه التفاصيل الإنسانية الفاجعة، تبرز أرقام لا تقل إيلاماً مما ترويه العيون. فهناك نحو 170 ألف خيمة مبعثرة في مختلف بقاع القطاع، تؤوي قرابة المليون إنسانٍ فلسطيني، أي نحو نصف عدد النازحين الذين يعيشون على أرضٍ محروقة منذ شهور.

وهذه الخيام، التي يفترض أن تكون ملاذاً، باتت في معظمها مهترئةً أو مثقوبةً أو ممزقةً بفعل القصف المتواصل الذي لم يتوقف، ما يجعل الحماية من الحر مجرّد كلمةٍ عبثيةٍ على لسان التقارير الدولية.

اقرأ أيضاً: موجة الحر تحوّل خيام غزة إلى "أفران".. والبحر ملاذٌ أخير

 

اخترنا لك