أمنية من داخل خيمة في غزة: شمعة أو لمبة إنارة!

تُطبق العتمة الشاملة على الحياة في خيام قطاع غزة، وهنا لا ينسى المتابعون مناشدة وصرخة أحد الغزاويين عبر وسائل التواصل بقوله "أنا بدي اضوي علي أطفالي ابعتولي شمع"!

0:00
  • أطفال فلسطينيون قرب خيام النازحين في خان يونس (رويترز)
    أطفال فلسطينيون قرب خيام النازحين في خان يونس (رويترز)

تستعر قسوة الظروف المعيشية في قطاع غزة المحاصر، لتلامس قاع الحرمان الجسيم، حيث لم تعد المأساة محصورة في التهجير والنزوح القسري، بل طالت أدنى تفاصيل الحياة اليومية.

وفي ظل انقطاع التيار الكهربائي الشامل وغياب أي بدائل، استحالت كشافات الإنارة العاملة بالطاقة الشمسية شريان حياة لا غنى عنه، وأمنية ملحة تتطلع إليها أفئدة آلاف العائلات النازحة التي أثقلت الحرب كاهلها، ليتغلب الظلام الدامس على خيامهم مع غياب كل شمس، وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد تزداد قسوة مع أبواب فصل الشتاء

وتُطبق العتمة الشاملة على الحياة في خيام قطاع غزة، وهنا لا ينسى المتابعون مناشدة وصرخة أحد الغزاويين عبر وسائل التواصل بقوله "أنا بدي اضوي علي أطفالي ابعتولي شمع"!
 

وداخل خيام متهالكة تغرق في الظلام فور حلول الليل، تجد العائلات نفسها أمام ظروف معيشية قاسية تزداد تعقيداً وقسوة مع أعتاب فصل الشتاء.

هنا.. تحوّلت كشافات الإنارة العاملة بالطاقة الشمسية من مجرد وسيلة إضاءة إلى حاجة ملحّة وشريان حياة لآلاف العائلات النازحة.

تتوجه عيون الغزّاويون برجاءٍ وأمل في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوبي القطاع، نحو المؤسسات الخيرية والجمعيات الإغاثية، أملاً في الحصول على كشافات شمسية تُبدد عتمة ليلهم، بعدما اقتصرت عمليات التوزيع على مناطق محدودة، مخلّفةً مئات الأسر محرومةً من أدنى مقومات العيش رغم حاجتها الماسة. 

الضوء... وسيلةٌ للتعليم وشحن الهواتف

ولا تقف أهمية هذه الكشافات المزودة بالألواح الشمسية عند حدود إضاءة زوايا الخيمة المعتمة، بل تتعداها لتكون سبيلاً يستعين به الأطفال على متابعة دروسهم، وتمكين طلبة الثانوية العامة والجامعات من مواصلة تحصيلهم العلمي ليلاً. كما تُستخدم هذه الأجهزة لإعادة شحن الهواتف المحمولة وتلبية الاحتياجات اليومية الشاقة.

  • سيدة تجلس بجوار أطفالها في خيمة داخل خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
    سيدة تجلس بجوار أطفالها في خيمة داخل خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

اقرأ أيضاً: كيف يكون النوم في خيام غزّة؟ 

ويتمنى النازح أحمد أبو هربيد بشغفٍ الحصول على أحد هذه الكشافات المجهزة بسلك طويل ومصباحين يتيحان إنارة خيمتين وشحن الهواتف في آن واحد.

ويضيف أبو هربيد أنه يضطر يومياً لشحن هاتفه أكثر من مرة لمجرد استخدامه كمصدر بديل ومؤقت للإضاءة، مشيراً إلى أن امتلاك كشاف سيعينه على متابعة دروس أطفاله، وتحضير الطعام، ومرافقتهم ليلاً وسط الظلام الدامس الذي يلف المخيم. 

 توق للحصول على كشاف إنارة

وعلى ضفة أخرى، تنقشع مرارة غياب العدالة في عمليات التوزيع، إذ ينتقد النازح جمعة العقاد الآليات المعتمة لدى بعض المؤسسات، مؤكداً أن جميع العائلات النازحة تتساوى في شدة حاجتها للإضاءة.

ويشير العقاد إلى أن أسعار الكشافات في الأسواق المحلية قفزت إلى مستويات خيالية، وهي مبالغ تعجز الأسر المعدمة عن توفيرها. 

من جهته، يشدد المواطن عبد الرحمن حمد على أن الحصول على كشاف إنارة بات حقاً أساسياً لكل نازح يقطن الخيمة، ولم يعد يصنف إطلاقاً ضمن "الكماليات"، متسائلاً بأسى عن الموعد الذي سيحظى فيه بضياء يحمي عائلته من قسوة الظلمة والشتاء القادم. 

طاقة أمل وسط أزمة تتشابك خيوطها

وفي مقابل الحرمان، تُشكّل هذه الكشافات طاقة أمل للمواطنين إذ تُعبّر النازحة فدوى فسفوس عن فرحتها عقب تلقيها رسالة الاستحقاق للحصول على كشاف، مؤكدةً أنه أحدث فارقاً ملموساً في حياتها، بعدما أتاح لها إضاءة خيمتها وشحن هاتفها مجاناً دون الحاجة لدفع تكاليف الشحن في المحلات التجارية، ما ساهم في تخفيف أعبائها المالية المتراكمة. 

اقرأ أيضاً: موجة الحر تحوّل خيام غزة إلى "أفران".. والبحر ملاذٌ أخير

في خضم هذه التفاصيل الإنسانية الفاجعة، تبرز أرقام لا تقل إيلاماً مما ترويه العيون. فهناك نحو 170 ألف خيمة مبعثرة في مختلف بقاع القطاع، تؤوي قرابة المليون إنسانٍ فلسطيني، أي نحو نصف عدد النازحين الذين يعيشون على أرضٍ محروقة منذ شهور.

هذه الخيام، التي يفترض أن تكون ملاذاً، باتت في معظمها مهترئةً أو مثقوبةً أو ممزقةً بفعل القصف المتواصل الذي لم يتوقف، ما يجعل الحماية من الحر مجرد كلمةٍ عبثيةٍ على لسان التقارير الدولية.

يبدو إن الصبر في غزة قد بلغ منتهاه، وصوت الإنسان هناك يعلو من تحت الرماد، ولكنه يحتاج إلى إجابةٍ واحدةٍ تخرس النار: متى يأتي الغيث ليطفئ هذا الجحيم؟!

في غزة، لم تعد الخيام فقط مساكن مؤقتة، بل صارت رمزاً لاختبارٍ يوميٍ لا ينتهي، وصراعاً بين حياةٍ تريد أن تستمر ونارٍ تريد أن تلتهم كل شيء.

بين لفحة الصيف وقسوة القصف، وبين ماء البحر المالح وأسطوانات الأكسجين الفارغة، يقف الفلسطيني مكتوف الأيدي لكنه لا يستسلم، ينظر إلى الأفق ويهمس في أذن الريح: "رحمةً يا عالم، فما عدنا نحتمل ناراً فوق نارٍ، ولا حراً يضاعف حر النكبة".

ومع اقتراب فصل الشتاء وما يحمله من نوّات وظروف جوية صعبة، يجدد النازحون في غزة مناشداتهم للمؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية للإسراع في تدارك الأزمة وتوفير كشافات الإنارة وفق آليات توزيع عادلة وشاملة تضمن وصول المساعدات لمستحقيها. 

وتُجسّد معركة الحصول على كشاف ضوئي في مخيمات النزوح بغزة عمق المأساة الإنسانية والتدهور المعيشي الحاد الذي خلفته الحرب، حيث تحوّلت أبسط الحقوق الإنسانية -كإضاءة خيمة أو مساعدة طفل على قراءة كتاب- إلى أمنيات معلقة ينتظر أصحابها الفرج وسط العتمة.

اقرأ أيضاً: ظلام في غزة.. نازحون بلا كهرباء ولا بدائل للإنارة

اخترنا لك