سيادة تحت الوصاية.. السرّ الذي أفشاه نتنياهو (3-4)
هل يمثّل مصطلح الحياد موقفاً فعلياً، أم رواية للاستهلاك الإعلامي بعد أن تكون الخرائط العسكرية قد أجابت عن السؤال سلفاً؟
-
سيادة تحت الوصاية.. السرّ الذي أفشاه نتنياهو (3-4)
عندما انخرطت الإمارات في "اتفاقات أبراهام" عام 2020، لم تقدّم قرارها إلى الرأي العام العربي باعتباره انتقالاً إلى تحالف أمني وثيق مع "إسرائيل"، أو انتقالاً من مربع التعاون ضمن منظومة أميركية شاملة إلى مربع الشراكة المعززة، بل بوصفه إنجازاً دبلوماسياً يخدم الفلسطينيين. كانت الحجة المركزية أن أبوظبي انتزعت من بنيامين نتنياهو وقف ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن، وأن العلاقات المباشرة ستتيح لها التأثير في القرار الإسرائيلي من داخل الغرفة بدلاً من الاكتفاء بإدانته من خارجها.
في 13 آب/أغسطس 2020، قال أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك، إن الإمارات "ضمنت التزام إسرائيل بوقف ضم الأراضي الفلسطينية"، واصفاً ذلك بأنه "إنجاز دبلوماسي مهم" يحافظ على إمكان حل الدولتين، وأكد أن تطبيع العلاقات سيسمح لأبوظبي بلعب دور مباشر وبنّاء في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، مع التمسك بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. كان ذلك هو الخطاب الرسمي الذي منح الاتفاق غطاءه الأخلاقي والسياسي.
الوعد الذي ابتلعه الضم
لكن الاختبار الفعلي لهذه الرواية لم يأتِ من إيران، بل من "إسرائيل" نفسها، وليس بعد عملية "طوفان الأقصى"، إنما قبل ذلك أيضاً. في شباط/فبراير 2024 تبنّت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع قراراً يرفض ما سمّته فرض دولة فلسطينية من الخارج. وفي 18 تموز/يوليو من العام نفسه، صوّت الكنيست بأغلبية 68 نائباً مقابل تسعة ضد قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن، معتبراً أنها تشكل "خطراً وجودياً" على الكيان.
لم يبقَ الأمر عند حدود المواقف. في أيار/مايو 2025 أقرّت الحكومة الإسرائيلية إقامة 22 مستوطنة جديدة، بالتوازي مع نقل مزيد من صلاحيات إدارة الأراضي والتخطيط من المؤسسة العسكرية إلى أجهزة مدنية يشرف عليها الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي لم يُخفِ أن هدفه هو تحقيق الضم الفعلي وإحباط قيام الدولة الفلسطينية. وفي 23 تموز/يوليو 2025 صوّت 71 عضواً في الكنيست لمصلحة إعلان يدعو الحكومة إلى فرض "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات في الضفة وغور الأردن. رئيس الكنيست قدّم الإعلان باعتباره إخراجاً نهائياً لفكرة الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال. وتزامن ذلك مع دفع مشروع يبدّل تعبير "الضفة الغربية" في التشريعات والتوجيهات الإدارية بتعبير "يهودا والسامرة"، مع الاستمرار في توسيع المستوطنات وشرعنة عشرات البؤر الاستيطانية.
لم تعد المسألة، إذاً، خطة ضم جُمّدت لقاء التطبيع، بل عملية ضم وتهويد متدرّجة تجمع تغيير الخرائط بإعادة صياغة اللغة القانونية والسياسية، وتحوّل المسوّغ الذي سوقته الرواية الإماراتية في قرار التطبيع إلى مجرد وعد فارغ المحتوى وجسر عبور إلى تعاون وثيق مع الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان.
صحيح أن أبوظبي أطلقت تحذيرات جدية، ووصفت الضم بأنه "خط أحمر" يقوّض روح اتفاقات أبراهام، لكن هذه المواقف بقيت في إطار البيانات. في أيلول/سبتمبر 2025 ذكرت وكالة "رويترز" أن الإمارات درست خفض مستوى العلاقات واستدعاء سفيرها، لكنها لم تبحث قطعها ولم تقدم على أي خطوة على أرض الواقع باستثناء البيانات كالتي حفلت فيها المنتديات العربية على امتداد الصراع مع "إسرائيل".
هنا تكمن دلالة الاختبار: تفاوت صارخ بين الخطاب المصدّر وبين الوقائع المثبتة. لم تمنح الاتفاقات أبو ظبي أي ورقة قوة وضغط باتجاه "تل أبيب"، ولم يؤدّ تجاوز الخطوط الإماراتية المعلنة إلى مراجعة الاتفاق، فيما استمرت التجارة والتنسيق في النمو. ووفق بيانات السفارة الإماراتية في "تل أبيب"، بلغ التبادل التجاري 3.209 مليارات دولار في 2025، ووصل مجموعه منذ توقيع الاتفاق حتى آذار/مارس 2026 إلى نحو 14.08 مليار دولار.
ما قاله غراهام يفصح أكثر
قبل اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران بأقل من أسبوعين، قدّم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام شهادة أكثر صراحة عن طبيعة العلاقة. في مؤتمر صحافي مصوّر عقده في "تل أبيب" بتاريخ 16 شباط/فبراير 2026، أعلن أنه ينقل رسالة طلب منه نتنياهو إعلانها أمام الصحافة. قال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي "مندهش من مستوى التعاون وأهمية الشراكة" مع الإمارات، وإن محمد بن زايد "فعل كل ما طلبناه منه وأكثر"، واصفاً أبوظبي بأنها "شريك ثابت وموثوق في ظروف صعبة".
أهمية العبارة لا تنبع من أن غراهام كان مسؤولاً أميركياً نافذاً ومن أشد أنصار "إسرائيل" فحسب، بل من أنه قدّمها باعتبارها رسالة متعمدة من نتنياهو إلى العلن، لا انطباعاً شخصياً. كما لم يصدر، في ما أمكن تتبعه من البيانات الرسمية، نفي إماراتي لمضمونها أو توضيح لما قصده نتنياهو بـ"كل ما طلبناه وأكثر". وبعد يومين فقط، استقبل محمد بن زايد غراهام في أبوظبي، وقالت وكالة الأنباء الإماراتية إنهما بحثا التعاون الاستراتيجي والأمن والاستقرار الإقليميين.
لا تثبت العبارة وحدها طبيعة أي عمل عسكري محدد، لكنها تضيء المسافة بين روايتين: رواية إماراتية معلنة تتحدث عن قرار سيادي مستقل وعلاقة شفافة غايتها السلام، ورواية إسرائيلية ترى شريكاً شديد الاعتمادية ينفذ ما يُطلب منه، حتى في "الظروف الصعبة" التي شملت حرب الإبادة في غزة؛ فهل كانت تشمل أيضاً الاستعداد للحرب على إيران؟
السر الذي أعلنه نتنياهو
انفجر هذا التناقض من جديد في 13 أيار/مايو 2026، عندما أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الحكومة قام خلال الحرب على إيران بزيارة سرية إلى الإمارات والتقى رئيسها محمد بن زايد. وبحسب مصدر تحدث إلى "رويترز"، جرى اللقاء في مدينة العين في 26 آذار/مارس واستمر ساعات. ووصف مكتب نتنياهو نتيجته بأنها "اختراق تاريخي" في العلاقات بين البلدين.
ردّت أبوظبي بنفي قاطع للزيارة، وأضافت أنها لم تستقبل أي وفد عسكري إسرائيلي، مؤكدة أن علاقاتها بـ"إسرائيل" معلنة ولا تقوم على ترتيبات خفية. لكن زيف أغمون، المتحدث السابق باسم نتنياهو، قال إنه رافقه في الرحلة وإن الوفد حظي باستقبال حار. كما نقلت مواقع إسرائيلية عن مصادر إماراتية رفيعة أن الكشف الإسرائيلي خالف اتفاقاً على إبقاء الزيارة سرية، وأن طريقة إعلانها أثارت استياء أبوظبي.
يصعب التوفيق بين النفي الإماراتي الكامل وبين التأكيد الإسرائيلي الرسمي، وشهادة شخص قال إنه كان في عداد الوفد، وحديث مصدر إماراتي عن خرق اتفاق السرية. لكن ما يمكن الجزم به هو أن مكتب نتنياهو وضع أبوظبي في مأزق: إما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية اختلق زيارة إلى رئيس دولة حليفة وابتكر لها مكاناً ونتيجة سياسية، وإما أن الزيارة حصلت وأُخفيت عن الرأي العام ثم فُرض كشفها من "تل أبيب".
أي الروايتين أقرب إلى التصديق؟
لم تكن الزيارة المنفية واقعة منفصلة عن سلسلة تسريبات أخرى مشابهة. فقد ذكرت "وول ستريت جورنال" في 13 أيار/مايو أن رئيس الموساد ديفيد برنياع زار الإمارات مرتين على الأقل خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل لتنسيق جوانب من الحرب، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن زيارة منفصلة لرئيس الشاباك، وأكدت في الوقت نفسه الواقعة الأولى.
وقبل ذلك بيوم، أعلن السفير الأميركي لدى "إسرائيل" مايك هاكابي أن "إسرائيل" أرسلت منظومات من "القبة الحديدية" وعسكريين إسرائيليين إلى الإمارات، وقدّم الإمارات بوصفها نموذجاً للفوائد الأمنية التي تجنيها الدول المنضمة إلى اتفاقات أبراهام في أوقات الحاجة، ولم يصدر حينها تعليق إماراتي فوري على تصريحه. وأفادت "فايننشال تايمز" بأن المساعدة شملت وسائل اعتراض ومكافحة للمسيّرات وتبادلاً فورياً للمعلومات الاستخبارية.
هذه التقارير لا تكفي منفردة لإثبات كل تفصيل، وقد نفت أبوظبي استقبال وفد عسكري. لكنها، مجتمعة مع إعلان مكتب نتنياهو وتقارير زيارات رئيس الموساد، تجعل النفي العام للرواية كلها أقل قدرة على تفسير الوقائع.
ثم جاء مستوى أخطر من المعلومات. ففي تقارير نشرتها "وول ستريت جورنال" خلال أيار/مايو، نُسب إلى مصادر مطلعة أن الإمارات نفذت ضربات داخل إيران، بينها استهداف منشآت عسكرية وطاقة وجزر استراتيجية، اعتماداً على معلومات أميركية وإسرائيلية.
لم تعترف أبوظبي بهذه العمليات، غير أنها وضعتها موضع مسؤولية وتشكيك من قبل جارتها التي تتعرض لحرب جائرة، انتقلت عملية صنع القرار داخلها إلى مستويات ودوائر من الطبيعي أنها لم تعد تقيم وزناً للياقات والابتسامات الدبلوماسية التي كانت سائدة أيام السلم، مقارنة بالمخاطر الوجودية التي باتت تتعرض لها في زمن الحرب.
منظومة أمنية سبقت الحرب
نصت المعاهدة الإماراتية- الإسرائيلية الموقعة في أيلول/سبتمبر 2020 في مادتها الرابعة على "التعاون والتنسيق" في مجالي السلام والاستقرار، وعلى إبرام ترتيبات تفصيلية لاحقة، فيما فتحت المادة السابعة الباب أمام "أجندة استراتيجية للشرق الأوسط" بالتعاون مع الولايات المتحدة، تشمل تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
التحول العسكري لم يرد صراحة في الاتفاق الأصلي؛ بل نشأ من الممارسة التي تلته. ففي آذار/مارس 2021 وقعت مجموعة "إيدج" الإماراتية والصناعات الجوية الإسرائيلية مذكرة تفاهم لتطوير نظام مشترك لمكافحة الطائرات المسيّرة، يجمع الرادار والاستخبارات الاتصالية ووسائل التشويش والاعتراض. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه وقعتا مذكرة تفاهم لتطوير سفن غير مأهولة قادرة على تنفيذ مهام استخبارات ومراقبة وحرب مضادة للغواصات، فضلاً عن إنشاء مركز في الإمارات لصيانة وتسويق أنظمة المراقبة الإسرائيلية. وهذه اتفاقات معلنة نشرتها الشركات الإماراتية والإسرائيلية نفسها، وليست تسريبات صحافية.
وفي أيلول/سبتمبر 2022 نقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن "إسرائيل" وافقت على بيع الإمارات منظومة "سبايدر" للدفاع الجوي، ثم أظهرت صور أقمار اصطناعية نشرها محللون وجود قاذفات "باراك-8" ورادار إسرائيلي قرب قاعدة الظفرة. وكانت "وول ستريت جورنال" قد كشفت في حزيران/يونيو من العام نفسه عن اجتماع عسكري سري عُقد في شرم الشيخ تحت رعاية القيادة المركزية الأميركية، شارك فيه ضباط من "إسرائيل" والإمارات والبحرين، وانتهى إلى تفاهم مبدئي على تبادل الإنذار المبكر بشأن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
وتكشف أرقام وزارة الأمن الإسرائيلية اتساع السوق التي فتحتها الاتفاقات. ففي 2022 استحوذت الدول المنضمة إلى اتفاقات أبراهام على 24 في المئة من إجمالي قيمة العقود التصديرية الجديدة الموقعة في ذلك العام. وبعد انخفاض النسبة في 2023، عادت إلى 12 في المئة من صادرات بلغت 14.8 مليار دولار في 2024.
وتمثل البحرين الحالة الخليجية الأقرب إلى الإمارات: فهي شريكة في اتفاقات أبراهام، وتستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي والقيادة البحرية المركزية، ووقعت في شباط/فبراير 2022 مذكرة تعاون دفاعي رسمية مع "إسرائيل". بذلك تداخلت في البلدين ثلاثة مستويات: الوجود العسكري الأميركي، والعلاقة الأمنية الإسرائيلية، والخطاب الرسمي الذي يصر على الفصل بين الدفاع الوطني والاندماج في منظومة أمنية وعسكرية موجهة ضد إيران.
أين ينتهي الدفاع ويبدأ الحياد؟
تعرضت الإمارات لضربات إيرانية، ومن حقها القانوني والسيادي من حيث المبدأ حماية مطاراتها وأصولها ومنشآتها واعتراض الصواريخ والمسيّرات المتجهة إلى أراضيها.
لكن الدفاع المشروع لا يجيب عن الأسئلة التي أثارتها الوقائع: هل اقتصرت العلاقة على شراء منظومات اعتراض، أم شملت تبادل المعلومات وتحديد الأهداف وتشكيل بنى رقمية وتقنية للحرب النفسية والإدراكية؟ هل نُشر عسكريون إسرائيليون في الإمارات؟ هل كانت زيارات قادة الأجهزة الإسرائيلية سياسية أم عملياتية؟ وهل استُخدمت الأراضي أو القدرات الإماراتية لتنفيذ ضربات داخل إيران؟
هنا تظهر أزمة "الحياد المنحاز". فأبوظبي أعلنت أنها ليست طرفاً في الحرب وأنها لم تسمح باستخدام أرضها أو أجوائها للهجوم على إيران، لكنها دخلت قبل الحرب بسنوات في منظومة دفاع واستخبارات إقليمية بنتها واشنطن لحماية "إسرائيل" ومحاصرة إيران، ثم جاءت تصريحات غراهام وتسريبات الموساد وإعلان نتنياهو لتكشف أن العلاقة أوسع مما يقال في البيانات الرسمية.
لا تكمن المشكلة إذاً في الدوران حول مصطلحات محايدة ولا حول الاستقلالية والحرية في اتخاذ القرارات، بل في مسؤولية الدولة عن قراراتها وتوجهاتها وتموضعاتها والعلاقات والالتزامات التي تتحمل مسؤوليتها السياسية. المشكلة في الفجوة بين الغاية التي تقدّم لتبرير العلاقة والوظيفة التي تؤديها عملياً، وبين خطاب الحياد والبنية الأمنية التي تضع الدولة داخل معسكر محدد قبل أن تبدأ الحرب.
عند هذه النقطة لا تعود السيادة مجرد حق قانوني في اتخاذ القرار، بل تصبح سؤالاً حول صاحب القرار وحدود معرفته: هل تستطيع الدولة ضبط العلاقة التي أنشأتها؟ أم يصبح الشريك الخارجي قادراً على إعلان أسرارها وتحديد موقعها في الحرب؟ وهل يكون الحياد موقفاً فعلياً، أم رواية للاستهلاك الإعلامي بعد أن تكون الخرائط العسكرية قد أجابت عن السؤال سلفاً؟