أوروبا التي اغتالتها واشنطن !

من استنساخ النموذج الرأسمالي الأميركي إلى الارتهان الأمني لواشنطن، تتراجع استقلالية أوروبا ومكانتها الاقتصادية، فيما تعمّق الحرب في أوكرانيا تبعيتها وتكشف كلفة خياراتها.

في التاريخ الحديث والمعاصر، ثمّة رأسماليتان نمتا على ضفّتَي الأطلسي: إحداهما أوروبية، كانت خلاصة ابتكارات علمية وصراع داخلي وثورات صاخبة، ومع كلّ موروثها الدموي والاستعماري خارج الحدود، أنتجت ما أنتجت من صنوف الآداب والفنون والفلسفة. أمّا الثانية فأميركية، أكثر "حداثة"، قامت على أنقاض إبادة السكان الأصليين، واحتفظت بالعنف قيمةً عليا في سلّم قيمها، وعقدةً مركزية في آدابها وفنونها.

فرضت الجغرافيا استجابتين مختلفتين على ضفّتَي الأطلسي للتعامل مع أيديولوجيا المعسكر الاشتراكي، أو ما سُمّي "التمدّد الشيوعي". فقد ركّزت الولايات المتحدة دعايتها على عنوان "حرية الفرد"، ووسّعته باتجاه أوهام حرية الأسواق وعالم الفرص وانسحاب الدولة من دورها الرعائي في الاقتصاد. أمّا أوروبا، المتاخمة جغرافياً للاتحاد السوفياتي، فكان يضرّها التخلّي عن نموذج دولة الرعاية والتنصّل من العقد الاجتماعي مع الطبقة العاملة الأوروبية، لأنّ ذلك يعني تسهيل تمدّد النموذج الشيوعي باتجاه القارّة. لذلك، اقترنت دعاية الحرية ومنظومة الحقوق، في الحالة الأوروبية، بمبدأ دولة الرعاية وصناديق الضمان الاجتماعي وبدلات التعطّل عن العمل، بوصفها البديل الموضوعي من البرنامج الاشتراكي السوفياتي في التأمين المجاني للسكن والصحّة والتعليم ورياض الأطفال.

لكن، مع نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، سنحت للولايات المتحدة فرصة تذويب الاختلاف مع النموذج الأوروبي وتعميم النسخة الأميركية. ومثّل ذلك أيضاً فرصة لنموّ الأوليغارشيا الأوروبية، التي تستفيد اليوم من الحرب وتستثمر فيها وتراكم ثرواتها منها. وشكّل عقد التسعينيات انطلاقة قوية لهذا المسار، واستكمالاً لفلسفة تاتشر وريغان القائمة على انسحاب الدولة من الأدوار الرعائية. وكانت آراء فريدريك هايك، أستاذ تاتشر، وميلتون فريدمان، السند النظري لريغان، تجد طريقها إلى التطبيق الكامل على أرض الواقع.

شهدت فرنسا وحدها، خلال التسعينيات، احتجاجات عديدة تُصنَّف في معظمها ضمن سياق هذا التحوّل. ففي كانون الأول/ديسمبر 1995، عمّت الاحتجاجات المدن الفرنسية ضدّ خطّة شيراك لـ"الإصلاح الاقتصادي"، ثم تعاظمت حركة العاطلين عن العمل عام 1997. لكنّ الأهمّ كان الاحتجاجات ضدّ مشروع اتفاقية "الصديق" (AMI)، أو الاتفاقية متعدّدة الأطراف للاستثمار. فقد نصّت البنود المسرّبة من مشروع الاتفاقية على منح المستثمرين الأجانب حقّ مقاضاة السلطات الفرنسية في حال سنّ قوانين تضرّ بأرباح الشركات، ومن بينها قوانين العمل.

في التسعينيات، تأسّس الاتحاد الأوروبي بموجب معاهدة ماستريخت، ولم يُولِ الاجتماع اهتماماً كبيراً بالاستقلالية الاقتصادية والأمنية.

اقتصادياً، كان الاتحاد الأوروبي ينمو بوصفه اتحاداً جمركياً يتحرّك في فضاء الشركات الكبرى العابرة للحدود، الذي تضبط واشنطن حركته. وأمنياً، ازداد الركون الأوروبي إلى الاعتماد على واشنطن ضمن إطار حلف شمال الأطلسي "الناتو". وعلى الرغم من الاقتراحات الأوروبية المتكرّرة لتأسيس قوّة أوروبية خاصة، فإنّ ذلك لم يحدث قطّ.

إذن، شكّلت ثلاث سمات صورة التحوّلات في أوروبا خلال عقد التسعينيات:

- التسارع في نسخ النموذج الأميركي على صعيد العلاقة بين الشركة والدولة.

- الاعتماد على واشنطن، الذي تسبّب في بدء تراجع أوروبا عن موقعها المتقدّم في الاقتصاد العالمي، من 25% من الناتج الإجمالي العالمي إلى 14% اليوم.

- تراجع مؤشّرات الاستقلال الأمني عن الولايات المتحدة.

- تتابعت محطّات الإلحاق الأميركي لأوروبا في العقود اللاحقة. فلم تغيّر المعارضة الفرنسية لاحتلال العراق عام 2003 شيئاً في الموقف الأميركي، بل التحقت دول أوروبية أعضاء في "الناتو" بالولايات المتحدة، عبر مشاركات عسكرية في مهمّات لاحقة لإسقاط النظام في العراق.

مثّل عقد التسعينيات نقطة أساس، لكنّ منحنى الهبوط استمرّ حتى يومنا هذا. وبرزت ملامح الضعف والتراجع الأوروبيين بصورة أوضح مع اندلاع المواجهة الأطلسية الروسية في أوكرانيا عام 2022، ولا سيّما بعد وصول دونالد ترامب، الذي يتوّج علاقته مع الأوروبيين مؤخّراً بـ"اتفاق الديزل" مع روسيا.

في حقبة بايدن، ذهبت بعض القراءات الأوروبية إلى أنّ ثمّة تحوّلاً في المحور الأوروبي الأقرب إلى واشنطن، لمصلحة محور لندن–وارسو–كييف، ومعه الدول البلطيقية والإسكندنافية، على حساب المحور التقليدي برلين–باريس. لكن، بعيداً عن سياسة المحاور، وهو ما تثبته مرحلة ترامب، تبدو أوروبا قارّة تنتحر بمؤازرة أميركية، بحسب تعبير المفكّر الفرنسي إيمانويل تود. ومن مظاهر ذلك:

دخلت الدول الأوروبية المواجهة مع روسيا بفائض تجاري يقارب 160 مليار دولار، ثم وجدت نفسها، في عام المواجهة، أمام عجز غير مسبوق في الميزان التجاري بلغ 450 مليار دولار. وكان يمكن لأوروبا أن تنأى بنفسها عن هذه الحرب، ولا سيّما أنّ دولة كروسيا، تبلغ مساحتها 17 مليون كيلومتر مربّع، لن تكون مهتمّة بحصّة من الأراضي الأوروبية. لكنّ التحريض الأميركي ساهم في دفع أوروبا إلى ساحة المعركة، خصوصاً أنّ المواقف الأوروبية كانت متحفّظة في البداية. أمّا اليوم فيحدث العكس، إذ تستمرّ الحماسة الأوروبية للقتال، في مقابل فتور أميركي يثير قلقها.

فُجّرت أنابيب "نورد ستريم"، وكأنّ ألمانيا كانت ترقص على جرحها فرحاً، فيما استفادت النرويج والولايات المتحدة، اقتصادياً وسياسياً، من تلك الحادثة.

وفي ظلّ إرث ثلاثين عاماً من تعميق استيراد النموذج الأميركي في أوروبا، كشفت تقارير، استناداً إلى تسجيلات لمكتب مكافحة الفساد في أوكرانيا، عن تورّط مسؤولين أوكرانيين، بالتشارك مع مسؤولين أوروبيين، في سرقة أموال إعادة إعمار البنية التحتية لمنشآت الطاقة الأوكرانية. فقد فقدت الأوليغارشيا الأوروبية الفاسدة استقلاليتها، ولم تعد ثرواتها تنمو إلا بالرعاية الأميركية.

ويكشف معهد "سيبري" الدولي لدراسات السلام عن تزايد الاعتماد الأوروبي على الأسلحة الأميركية، إذ ارتفعت صادرات الأسلحة الأميركية إلى أوروبا بنسبة 217% خلال السنوات الأربع الماضية.

وإذا كانت أوروبا تعتمد على خدمات تكنولوجية أمنية أميركية، فإنّها تقع هي نفسها تحت سطوة هذه الأدوات. فلم يدفع الكشف عن التجسّس على هاتف أنجيلا ميركل الأوروبيين إلى اتّخاذ خطوات حاسمة تجاه واشنطن، وربما أدّى التأخّر الأوروبي المتكرّر في اتّخاذ الإجراءات إلى وصول القارّة إلى هذه النقطة.

في تصوّراتنا الواقعية عن أوروبا، هي القارّة التي استقالت من قيادة الاستعمار التقليدي لمصلحة قيادة الولايات المتحدة للاستعمار الحديث. لكنّ ثمّة أوروبا أخرى، تلك التي قتلتها واشنطن؛ ولك هنا أن تسمّيها ضحية، ولك أن تسمّيها مجرماً أحمق...