بنغلادش تخوض معركة ضد الحصبة: إنذار حقيقي لكل بلد

يخلص استعراض لوثائق منظمة الصحة العالمية، إلى جانب مقابلات مع أكثر من  علماء وعاملين في مجال الصحة، إلى أن استجابة بنغلادش الطارئة أعاقتها أيضاً بيانات أغفلت ملايين الأطفال وقصور في الاستعداد وإخفاق في الوصول إلى عدد كاف من الآباء والأمهات والعائلات.

  • مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج بمدينة سيلهيت ببنغلادش (رويترز)
    مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج بمدينة سيلهيت ببنغلادش (رويترز)

 تكافح بنغلادش لاحتواء أسوأ تفش للحصبة في العالم، وهي أزمة تفاقمت بسبب ضعف البيانات وقصور جهود التوعية وفجوات التطعيم ويقول خبراء إنها تشكل إنذارا لدول أخرى من خطر قاتل لتراجع معدلات التحصين.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن بنغلادش، التي تعثّر برنامجها للتطعيم الروتيني في 2025، أبلغت عن 202 ألف حالة اشتباه إصابة بالحصبة، تأكدت 22 ألفاً ​منها في المعامل، منذ بدء التفشي في منتصف آذار/ مارس آذار وحتى التاسع من تشرين الأول/  أكتوبر. ويمثل ذلك أكبر عدد من الحالات المشتبه بها في أي بلد هذا العام.

التعريف والأعراض

والحصبة من أكثر الأمراض المعدية المعروفة، فانتشارها أكثر من "كوفيد-19" وإيبولا والسل والأنفلونزا. ويمكن أن تكون الحصبة خطرة جداً بالنسبة إلى الرضّع والأطفال الصغار، حيث إن الالتهاب الرئوي من بين مضاعفاتها المحتملة.

وتُسبب الإصابة بمرض الحصبة ظهورَ طفح جلدي مُبقَّع. وقد تكون ألوان هذا الطفح بدرجات الأحمر أو الأرجواني أو البنّي، حسب لون البشرة. وغالبًا يظهر الطفح الجلدي أولاً على الوجه وخلف الأذنين. ثم ينتشر إلى الصدر والظهر، وأخيرًا إلى القدمين.
 
 تُظهر أعراض الحصبة بعد مرور 7 إلى 14 يوماً تقريباً من التعرض للفيروس.

وعادةً تكون الأعراض الأولى:

-حُمّى قد تصل في ارتفاعها إلى 105 درجة فهرنهايت (40.6 درجة مئوية).
-السعال الجاف.
-سيلان الأنف.
-احمرار العينين وزيادة إفراز الدموع، يُسمى التهاب الملتحمة.

ووفق برنامج منظمة الصحة العالمية تصيب الحصبة الجهاز التنفسي ومن ثم تنتشر في جميع أنحاء الجسم. ومن أعراضها الحمى العالية والسعال وسيلان الأنف وانتشار الطفح الجلدي في جميع أنحاء الجسم.

والتلقيح هو أفضل سبيل للوقاية من الإصابة بالحصبة أو نقلها إلى أشخاص آخرين، علماً بأن اللقاح المضاد لها مأمون ويساعد الجسم على مكافحة الفيروس.

الأطفال يشكلون 94 % من الوفيات

وقالت المنظمة إن 1147 شخصاً توفوا حتى الآن من جرّاء هذا المرض شديد العدوى، وكان الأطفال دون الخامسة يشكلون 94 ‌بالمئة من الوفيات المسجلة.
وتُظهر تجربة بنغلادش صعوبة احتواء تفش للمرض عندما تنخفض تغطية التطعيم إلى ما دون 95 بالمئة، وهو المستوى الذي تقول منظمة الصحة العالمية إنه ضروري لمنع التفشيات. وكانت بنغلادش قد اقتربت من بلوغ هذا المستوى في السنوات القليلة الماضية، لكن التغطية تراجعت في 2025.

 

وخلص استعراض أجرته رويترز لوثائق منظمة الصحة العالمية، إلى جانب مقابلات مع أكثر من  علماء وعاملين في مجال الصحة ومسؤولين، إلى أن استجابة بنغلادش الطارئة أعاقتها أيضا بيانات أغفلت ملايين الأطفال وقصور في الاستعداد وإخفاق في الوصول إلى عدد كاف من الآباء والأمهات.

 "إنذار حقيقي لكل بلد"

 مارك جيت مستشار اللقاحات في منظمة الصحة العالمية وأستاذ بكلية الصحة العامة العالمية في جامعة نيويورك أكد أن "هذا إنذار حقيقي لكل بلد".
وأضاف أن منع التفشي بالتطعيمات أسهل وأقل تكلفة وأكثر أمانا من الاستجابة لحالة طارئة.
وتابع "ستوقف الاستجابة التفشي في نهاية المطاف، لكن في هذه الأثناء سيصاب كثيرون ​بالحصبة وسيموت بعضهم".
بدوره، قال ضياء الدين حيدر المساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق رحمن لشؤون الصحة لرويترز في سبتمبر أيلول إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لإنهاء التفشي. ولم ترد الحكومة على أسئلة إضافية أرسلت في أكتوبر تشرين الأول لإعداد هذا التقرير.

 

وقال وزير الصحة سردار محمد سخاوات حسين في أيار/مايو إن الحملة الطارئة خفضت الحالات في بؤر التفشي إلى "ما يقارب الصفر"، وإن التفشي أصبح تحت السيطرة.
لكن بنغلادش أبلغت في أيلول/ سبتمبر عن متوسط يومي بلغ 1198 حالة إصابة جديدة بالحصبة، التي تتسبب في ارتفاع الحرارة والسعال وطفح جلدي. وكان ذلك أعلى إجمالي منذ مايو أيار.
ويأتي تفشي المرض في بنغلادش في وقت يتزايد فيه التردد إزاء اللقاحات، خاصة في الدول الأكثر ثراء، وسط تشكك يروج له أشخاص مثل وزير الصحة الأميركي.

نجاح فتراجع!

وقال خبراء إن الحصول على التطعيمات والوعي بها يمثلان عقبتين أكبر في بنغلادش.
وحتى وقت قريب، كانت بنغلادش قصة نجاح في مجال التطعيم. وأشارت تقديرات منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى ​أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح بلغت 96 بالمئة في 2024، و93 بالمئة للجرعة الثانية التي تعطى لاستيعاب النسبة القليلة من الأطفال الذين لا يكتسبون مناعة بعد جرعة واحدة.
لكن في العام نفسه، اندلعت احتجاجات أنهت 15 عاماً من حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وفي الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك، أضرب العاملون في مجال الصحة، وتأخرت طلبات اللقاحات، ​وتعطلت جرعات المتابعة التي تصاحب عادة البرامج الروتينية.

 

وخلصت تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف، في تقرير نشر في تموز/ يوليو، إلى أن تغطية الجرعة الأولى انخفضت إلى 90 بالمئة في 2025، في حين بلغت تغطية الجرعة الثانية 86 بالمئة، أي أقل بعدة نقاط مئوية من نسبة 95 بالمئة اللازمة لتإيجاد ما يعرف بمناعة القطيع.
وأثار التقرير أيضاً تساؤلات بشأن جودة البيانات الرسمية عن التطعيمات ‌ضد الحصبة وغيرها من ⁠الأمراض للأعوام من 2023 إلى 2025.
وقال إن الأرقام الأولية أظهرت في بعض الأحيان أن أعداد من تلقوا التطعيم تجاوزت 100 بالمئة من المستهدفين، ما يشير إلى أخطاء في احتساب الجرعات أو الأعداد المستهدفة.

الفقراء "يدفعون الثمن"

وفي السياق، قال البروفيسور محمود الرحمن عالم الأوبئة ورئيس لجنة التحقق الوطنية للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في بنغلادش "عندما لا تجرى فحوص الجاهزية على نحو سليم، غالباً ما يكون الأطفال الأفقر والأصعب وصولاً إليهم هم من يفوتهم التطعيم ويدفعون الثمن".
وقال حيدر إن حملة ​نيسان/ أبريل أطلقت خلال أربعة أسابيع. لكن تاج الإسلام عبد الباري، الذي قاد برنامج التحصين في بنجلادش حتى 2017، قال إن الحملات تتطلب عادة شهورا من التخطيط.
وبحلول  آب/أغسطس، جرى تحديد أوجه قصور في التنفيذ. وأشارت المحاضر إلى أن ​نسبة الأطفال الذين لديهم حالات حصبة مؤكدة ولم ⁠يتلقوا التطعيم ظلت "دون تغيير يذكر بين ما قبل الحملة (82 بالمئة) وما بعدها (85 بالمئة)... مما يؤكد استمرار فجوات التغطية".

من جهتها، تقول "اليونيسف" ومكتب إحصاءات بنغلادش إن ما يصل إلى 40 بالمئة من الأطفال غير ​مسجلين، في حين أظهرت بيانات حكومية أن نحو ثلث وظائف العاملين الصحيين شاغرة.
ويضغط خبراء الصحة أيضاً على الحكومة لتوسيع البرنامج لتطعيم الأطفال فوق سن الخامسة. وتقول منظمة الصحة العالمية إن تلك الفئة العمرية تمثّل ثلث حالات الحصبة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يدرس علماء في بنغلادش أسباب تراجع المناعة بوتيرة أسرع من المتوقع لدى الرضع حتى سن ستة أشهر تقريبا. ويقول خبراء إن هؤلاء يكونون عادة محميين بالأجسام المضادة التي تنتقل إليهم من أمهاتهم.
وتقول ​منظمة الصحة العالمية إن ضمان الرعاية الطبية العاجلة أمر حيوي، وهو تحد آخر يواجه بنغلادش التي تكافح أيضاً وباء حمى الضنك.

اقرأ أيضاً: الحصبة تحصد أرواح أكثر من 500 طفل في بنغلاديش