من غزة.. أغرب عيادة أسنان في العالم
في واحدة من أكثر بقاع الأرض تدميراً، يواصل طبيب أسنان عمله، لا لأنه لا يهاب الخطر، ولا لأنه لا يدرك أن ما يفعله يتجاوز حدود الممارسة الطبية المقبولة، بل لأنه ببساطة فهم ما لم يفهمه العالم: أن التوقف عن العمل في غزة ليس خياراً، بل شكلاً آخر من أشكال الموت!
-
كرسي الأسنان، المثقاب، التعقيم، كلها تحتاج طاقة وكل هذا يُدار ببطارية، أو بألواح شمسية متهالكة (غرافيك: اسماعيل آغا)
بين ركامٍ لم يبرد بعد، "يجلس" كرسي أسنان وحيد كأنه إعلان تمرّد على العبث. هنا، لا تُعالج الأضراس فقط، بل تأخذ كرامة هؤلاء الصابرين جرعة وهم يفتحون أفواههم وسط عدوانٍ لم يُغلق أبوابه بعد.
في العادة، يبدأ أي نقاش عن الرعاية الصحية بالحديث عن الأنظمة، الميزانيات، والتقنيات. لكن سوف نبدأ من مكان آخر تماماً: من حالة واحدة تبدو غريبة، هامشية، وربما استثنائية، قبل أن تتحول فجأة إلى مفتاح لفهم صورة أكبر بكثير. وهنا، هذه الحالة اسمها: الدكتور عبد السلام كحيل، واسم المكان: غرفة شبه مهدّمة في غزة، تحوّلت إلى عيادة أسنان.
لا توجد لافتة، ولا باب عيادة، ولا رائحة معقمات كما يفترض.
ما يوجد هو ركام. إسمنت متشقق، جدران مبتورة، وأسلاك كهرباء تتدلى مثل عروق مكشوفة. هنا، في قلب هذا الفراغ الذي خلّفته الحرب، يجلس كرسي أسنان وحيد. ليس رمزاً، بل أداة نجاة. بعض الأدوات المعدنية التي نجت من تحت الركام.
رجل بملامح أنهكها السهر والقلق، وألمٌ كثيف يملأ الغرفة أكثر من الغبار. هذه ليست عيادة أسنان بالمعنى المتعارف عليه. هذه نقطة تماس بين الحياة والموت، بين ما تبقى من نظام صحي، وما انهار إلى غير رجعة.
في هذا المكان، لا يبدأ الطب من التشخيص، بل من قرار واحد: ألا تتوقف الحياة.
من حالة فردية إلى سؤال عام
للوهلة الأولى، قد يبدو ما يفعله الدكتور عبد السلام كحيل مجرّد تصرّف بطولي فردي. طبيب أسنان فقد عيادته، فقرر أن يعيد فتحها داخل منزله المتضرر، مستخدمًا ما تبقى من أدواته، وسط ركام المباني وانقطاع الكهرباء وشحّ المياه.
لكن هنا لا نتوقف عند البطولة. سؤالنا الأول يكون دائماً: لماذا هذه الحالة ممكنة هنا؟ ولماذا لم تتوقف؟
الجواب لا يكمن في شخصية الطبيب وحدها، بل في الفراغ الهائل الذي خلّفه انهيار المنظومة الصحية في غزة.
View this post on Instagram
عندما ينهار النظام… يظهر الأفراد
بحلول بداية عام 2026، تصف منظمة الصحة العالمية الوضع الصحي في غزة بأنه "انهيار ممنهج".
الأرقام هنا ليست خلفية، بل هي القصة نفسها:
- 94% من مستشفيات القطاع (34 من أصل 36) تعرضت لأضرار مباشرة أو دمار جزئي أو كلي.
-فقط 18 مستشفى تعمل جزئيًا، وغالباً في نطاق الطوارئ.
- ما بين 39% و48% فقط من مراكز الرعاية الأولية ما زالت تعمل، وبوتيرة غير منتظمة.
- تم تسجيل أكثر من 930 هجومًا مباشراً على منشآت صحية وكوادر طبية منذ أكتوبر 2023.
في هذا السياق، لا يعود غريباً أن يتحول طبيب أسنان إلى خط دفاع أخير ضد الألم.
أزمة صامتة داخل الكارثة
عادةً ما تسمّى "الأزمات غير المرئية—تلك التي لا تتصدر العناوين، لكنها تفتك يومياً بالأهل الصامدين.. وطب الأسنان في غزة هو المثال على ذلك.
بينما تتركز التغطية الإعلامية على الجراحات الكبرى وبتر الأطراف، يعاني مئات الآلاف من الفلسطينيين من آلام أسنان حادة، خراجات، التهابات قد تتحول إلى عدوى قاتلة. لكن المشكلة أن:
-85% إلى 90% من عيادات الأسنان الخاصة دُمرت أو خرجت عن الخدمة.
-معظم عيادات الأسنان الحكومية أُغلقت أو حُوّلت إلى غرف طوارئ أو مراكز إيواء.
وهنا، يظهر عبد السلام كحيل ليس كاستثناء، بل كـ نتيجة منطقية لهذا الفراغ.
المهنة التي رفضت أن تموت
يقول عبد السلام "مهنتنا إنسانية ولا يمكن أن تتوقف".
هذه العبارة ليست شعار علاقات عامة، ولا محاولة لتلميع صورة. إنها توصيف دقيق لوضعٍ شاذ: طبيب يعمل بلا نظام صحي، بلا كهرباء، بلا أدوات، وبلا أي ضمانة أخلاقية أو قانونية تحميه أو تحمي مرضاه.
عبد السلام كحيل لا يعالج الأسنان فقط. هو يقدّم دليلاً عملياً على أنه: أحياناً، لفهم الكارثة الكبرى، لا تنظر إلى الأرقام…
أنظر إلى الغرفة الصغيرة التي قرر أحدهم أن يفتح فيها الضوء بدل أن يغلق الباب.
الدكتور عبد السلام كحيل لم يختر أن يكون بطلاً. اختار أن يكون موجوداً. والفرق بين الأمرين جوهري. البطولة قد تكون لحظة، أما الوجود في غزة فهو استنزاف يومي، بلا نهاية منظورة.
عيادة بلا عنوان… ومعالم أشبه بالألغاز
العيادة ليست في برج طبي، ولا في شارع تجاري. هي جزء مُعاد تأهيله من منزل متضرر، بعد أن دُمّرت العيادة الأصلية التي كانت عند مدخل البيت. لم يعد هناك "مقر سابق" و"مقر حالي"، بل سلسلة خسارات انتهت بقبول الحد الأدنى الممكن.
كرسي أسنان.. بعض الأدوات التي أُخرجت من تحت الركام. غرفة تفتح على شارع مهدّم، حيث يمر الخراب كما يمر الهواء. هذه ليست ظروفاً استثنائية، هذه هي القاعدة الجديدة في غزة.
وإذا كانت العيادات في العالم تُعرَّف بنظافتها وتعقيمها، فإن هذه العيادة تُعرَّف بشيء آخر: الإصرار على كسر المعادلة التي تقول إن الدمار يعني التوقف.
لماذا تُعد "الأغرب في العالم"؟
ليس لأنها مختلفة شكلياً فقط—كرسي أسنان وسط غرفة بلا جدران كاملة—بل لأن ما يجري فيها يناقض كل ما تعلّمه الطب الحديث عن بيئة العلاج الآمنة.
- 95% إلى 100% عجز في بنج الأسنان: عمليات خلع تُجرى بجرعات شحيحة أو غير كافية.
- 80% عجز في أدوات التعقيم بسبب انقطاع الكهرباء ونقص المياه.
· 90% عجز في مواد الحشو، ما يجعل خيار العلاج الوحيد هو: الخلع أو تحمّل الألم.
في أي مكان آخر، كانت هذه العيادة ستُغلق فوراً لأسباب تتعلق بالسلامة. في غزة، تُفتح لأنها إصرارٌ على الصمود وبديل وحيد أمام المتألمين.
التحوّل في منطق العلاج
يمكن وصف ما يحدث هنا بأنه تغيير جذري في "قواعد اللعبة".
طب الأسنان في غزة لم يعد طباً علاجياً، بل طباً دفاعياً: (الحفاظ على السن لم يعد أولوية- الأشعة (X-Ray) شبه غائبة - التخصصات الدقيقة (تقويم، زراعة، جراحة فك) اختفت تماماً).
إذا كانت العيادات في العالم تُعرَّف بنظافتها وتعقيمها، فإن هذه العيادة تُعرَّف بشيء آخر: الإصرار على كسر المعادلة التي تقول إن الدمار يعني التوقف.
الهدف الوحيد أصبح: إيقاف الألم قبل أن يتحول إلى كارثة صحية أكبر.
الطاقة… الحلقة الأضعف
أكبر عائق يواجه الطبيب ليس نقص الخبرة، ولا حتى نقص الأدوات، بل الكهرباء. تفصيل يبدو تافهاً في أي بلد آخر، لكنه في غزة يتحول إلى أداة تعذيب غير مباشرة. انقطاع التيار يعني تأجيل المواعيد. التأجيل يعني استمرار الألم. واستمرار الألم في غزة ليس مسألة راحة، بل مسألة كرامة.
كرسي الأسنان يحتاج طاقة. المثقاب يحتاج طاقة. التعقيم يحتاج طاقة. وكل هذا يُدار أحياناً ببطارية سيارة، أو بألواح شمسية متهالكة لا تصمد. هذه ليست حلولاً مبتكرة، بل حلول اضطرار، تُنتجها بيئة محاصَرة لا يُسمح لها حتى بإدارة ألمها بالطرق الصحيحة.
View this post on Instagram
لماذا هذه القصة مهمة؟
لأن "أغرب عيادة أسنان في العالم" ليست حكاية غرابة. إنها نافذة دقيقة لفهم كيف يعيش مجتمع كامل عندما تُرفع عنه كل شروط الحياة الطبيعية.
عبد السلام كحيل لا يعالج الأسنان فقط. هو يقدّم دليلاً عملياً على أنه: أحياناً، لفهم الكارثة الكبرى، لا تنظر إلى الأرقام..
اقرأ أيضاً: ما قصة المقاعد الفارغة خلال تخريج أطباء في مجمّع "الشفاء" المدمر؟
انظر إلى الغرفة الصغيرة التي قرر أحدهم أن يفتح فيها الضوء بدل أن يغلق الباب.