ماذا نعرف عن "العلاج بالكتابة" لمواجهة التوتر؟

ثمّة أشياء تسكن فينا تبحث عن مخرج، فتصبح الكلمات شفاءً للجروح داخلنا، فقدان عزيزة أو عزيز، ظلم لاحقنا لسنوات، اضطرابات نفسية ظهرت بعد أعوام من الكبت والصمت وعدم التعبير عمّا نريده.. يمكن أن يكون التفريغ بالكتابة والتشارك مع مجموعة آمنة هو بداية العلاج.

  •  العلاج بالكتابة ليس
    العلاج بالكتابة ليس "سحراً" ولا يزيل "تأثير الحرب وبشاعتها" (الصورة: CindyDevoted )

العلاج بالكتابة أو الكتابة العلاجية (بالإنكليزية: Writing therapy) هو أحد أشكال العلاج التعبيري  الذي يستخدم فعل الكتابة ومعالجة الكلمة المكتوبة في التدخلات السريرية للشفاء والنمو الشخصي.

وتفترض الكتابة العلاجية أن كتابة مشاعر المرء تُخفف تدريجياً من مشاعر الصدمة العاطفية، وقد وجدت الدراسات أن هذا العلاج مفيد في المقام الأول لتخفيف التوتر الناجم عن الأحداث السلبية التي لم يتم الكشف عنها سابقاً ولأولئك الذين يعانون من حالات طبية مرتبطة بالجهاز المناعي.

ويمكن أن تتم الكتابة العلاجية بشكلٍ فردي أو جماعي ويمكن إدارتها شخصياً مع مُعالج أو عن بعد من خلال البريد أو الإنترنت.

ويستخدم هذا العلاج الكتابة التعبيرية:

-لمعالجة المشاعر وتقليل التوتر وتعزيز الوعي الذاتي.
-يمكن أن توفر تقنيات مثل كتابة اليوميات وتمارين الكتابة المنظمة الوضوح والتحرر العاطفي.
-تدعم ممارسة الكتابة المتسقة الصحة العقلية، وتوفر مساحة آمنة للتأمل والشفاء.

 الكتابة التعبيرية- الإبداعية

وفي ظل الأجواء التي نعيشها، ومع ارتفاع نسب التوتر والقلق بسبب العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان منذ عام 2023، عكف "المجمع الإبداعي" في منطقة الحمراء - بيروت على تنظيم ورشات عمل بعنوان "الكتابة الإبداعية".

يقول القيّمون لـ الميادين نت "الفكرة بدأت معنا من خلال صفوف ورشة الكتابة الإبداعية، ومن خلال متدربيها، حيث لجأنا إلى التوقف عن إعطاء "تقنيات الكتابة" لإفساح المجال أمام الـwriting therapy إذ إن معظمنا بعد العدوانين الأخيرين (2023 - 2026) قد تعرض لشبه صدماتٍ أو حتى اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)".

واستعان فريق العمل ببعض التجارب العلمية مثل الخبير آيرا بروكوف(ستينات القرن الماضي)  بالعلاج بكتابة المذكّرات، والخبير النفسي أيضاً جيمس بينيبيكر(ثمانينات القرن الماضي) الذي تحدث عن العلاج بالكتابة التعبيرية والذين أفسحا المجال لهذا الأمر، وأكدا أهمية هذا النوع من التقنيات الإستشفائية.


ويقول فريق العمل الذي يقدّم ورشات بإشراف الاختصاصي عبد الرحمن جاسم "من البداية لاحظنا الحاجة والضرورة لإفساح المجال لتلامذتنا ومتدربينا بالحديث عما جرى معهم، ما الذي شعروا به، ما الأمر الذي أقلقهم أكثر من غيره، ما هي التفاصيل التي تغيرت في حياتهم؟  وهكذا من الضروري أن تفسح المجال -من خلال هذه التدريبات والتفريغات- لاستعادة السيطرة على الحياة الشخصية وبالتالي "السردية الشخصية".

المبدأ هنا أن تعيد سيطرة الشخص على روايته الشخصية، هذا يساعد ويسهل عودة الشخص إلى "شعوره بالسيطرة" على حياته مهما كان أثر "الحدث" قوياً عليه. النقطة الثانية التي نعمل عليها هي "التفريغ الانفعالي".

ما هو التفريغ الانفعالي؟

وهذه النقطة لها جانبان أساسيان الأول هو أنه خلال هذه الأحداث القوية/القاسية أو كما نسميها في مدرسة الكتابة الإبداعية "الأحداث الجلل" تخلق بداخلنا مشاعر متناقضة ومضطربة مثل "الخوف، الغضب، الفقد، وبالتأكيد "الذنب".

وفي معرض الشرح يقول المشرفون "هنا يجب علينا أن نفرّغ هذه المشاعر ونعطيها حقها من الحديث عنها بحيث يشعر المتحدث أنه "أخرجها" من داخله، لأن (وهذه هي النقطة الثانية شديدة الأهمية)، عدم خروجها يؤدي إلى تحوّلها إلى "مرض جسدي" مختبئ بغلاف نفسي أو كما يسمّى في علم النفس "السايكوسوماتيك"  (أي الأمراض النفس جسدية Psychosomatic)، وهي أمراضٌ جسدية المعالم والملامح والصفات لكنها نفسية في الأصل.

 

و هنا يجب الإشارة  "أننا من خلال هذا التفريغ العاطفي فإننا نخلق أمرين مفيدين أولهما توثيق الذاكرة وما حدث، وهذا أمرٌ ضروري لتثبيت ما حدث كما حدث لا كما قد يرسمه "متحدثٌ" لم يكن عليه نهائياً، وثانيهما أنه "يكسر" فعلياً حاجز العزلة بين من عاش التجربة، ومن لم يعرفها نهائياً".

جاسم وفريقه يؤكدون للميادين نت أن "هذا الأمر ضروري ليس فقط لتحقيق التعاطف بين الاثنين بل أيضاً لفهم التجربة وما مرّ به هؤلاء الأشخاص من حدثٍ جلل، الأمر الذي سيسهل فهمنا لكل هذه المشاعر ولكل ما يعتمل بدواخل هؤلاء الأشخاص".

ليست علاجاً نهائياً

وبالعودة لفكرة العلاج بالكتابة، أو تفريغ الألم بالكتابة، حيث إن "تعبير العلاج بالكتابة ولو أن التعبير مأخوذ ومترجم من اللغة الأجنبية حرفياً، فإننا نرى بأنَّ الأمر تركيبي وتراكمي، أي أن هذه الورشة تسهم في التخفيف من هذه الأعراض، وتساعد على إخراج هذه الآلام لكنها في النهاية ليست "علاجاً" نهائياً، وبالتأكيد لا تكفي، هي تكفي كي يشعر الشخص بالكثير من الراحة، من خلال مشاركته لهذه الآلام وإخراجها من داخله، وتحويلها إلى أمرٍ يستطيع مشاركته مع آخرين مروا بما حدث معه، وآخرين لم يحدث معهم ذلك"، كما يقولون.
ويشير القيّمون إلى أنَّ "العلاج بالكتابة ليس "سحراً" ولا يزيل "تأثير الحرب وبشاعتها" و "حدثها الجلل" من حياة الإنسان/المتدرّب، بل إنها وسيلة للتعايش مع ما حدث. فهذه الرحلة تستلزمها شجاعةٌ، وإرادة، وجهدٌ، لمشاركة هذه المشاعر المؤلمة، لكنها بالتأكيد وسيلة مهمة لتخفيف هذه الآلام وتأثيراتها المتراكمة.

اقرأ أيضاً: كيف نتعامل مع الأطفال في زمن الحرب؟