كيف نتعامل مع الأطفال في زمن الحرب؟

الأمان النفسي يبدأ من شيء بسيط جداً: الاستماع. الإصغاء للطفل ليس ترفاً، بل هو شكل من أشكال الحماية. عندما يشعر الطفل أن هناك من يسمعه، ومن يفهمه دون توبيخ، ومن يحتوي مشاعره بدل أن يستهزئ بها، يبدأ جهازه العصبي بالهدوء تدريجياً، ويشعر أنه ليس وحده.

  • كيف نتعامل مع الأطفال في أوقات التوتر؟
     الأمان النفسي لدى الأطفال يبدأ من شيء بسيط جداً (صورة تعبيرية)

في زمن الحرب، لا ينجو أحد من الخوف. لكن أكثر من يدفع الثمن بصمت هم الأطفال. فالطفل لا يملك القدرة على تفسير ما يحدث حوله، ولا يملك أدوات التعبير التي يملكها الكبار. هو فقط يشعر.. يرتجف.. ويحاول أن يفهم لماذا تغيّرت الحياة فجأة، ولماذا أصبح صوت الانفجار أقوى من صوت الضحك.
في لبنان مثلاً، حيث تتكرر الأزمات وتزداد الضغوط، أصبح من الضروري أن نلتفت إلى الأثر النفسي للحرب على الأطفال، لأن الطفل قد يبدو "بخير" من الخارج، لكنه من الداخل قد يكون في حالة صدمة حقيقية.

إشارات واضحة على الضغط

بعض الأطفال يعبّرون عن خوفهم بالبكاء، والبعض الآخر بالصمت، أو العدوانية، أو التعلّق الزائد بالأهل، أو حتى بفقدان الشهية واضطرابات النوم. هذه ليست "دلالًا"، وليست "مبالغة"… بل هي إشارات واضحة على الضغط النفسي.
الطفل خلال الحرب لا يحتاج فقط إلى الطعام والدواء، بل يحتاج أيضاً إلى شعور بالأمان.

وهذا الأمان النفسي يبدأ من شيء بسيط جداً: الاستماع. الإصغاء للطفل ليس ترفاً، بل هو شكل من أشكال الحماية. عندما يشعر الطفل أن هناك من يسمعه، ومن يفهمه دون توبيخ، ومن يحتوي مشاعره بدل أن يستهزئ بها، يبدأ جهازه العصبي بالهدوء تدريجياً، ويشعر أنه ليس وحده.
في كثير من البيوت، نسمع جملة تتكرر: "لا تخف، لا شيء يحدث." لكن الطفل يرى ويسمع ويشعر.. لذلك، قد يزيد الكذب أو الإنكار من خوفه بدل أن يخففه.

الأفضل أن نقول الحقيقة بطريقة تناسب عمره، مثل: "نعم، هناك وضع صعب، لكننا معك، وسنحاول أن نبقى بأمان."بهذه الجملة البسيطة، نمنحه الحقيقة… ونمنحه الأمان في الوقت نفسه.
كما أن الطفل يحتاج إلى روتين ثابت قدر الإمكان. فالحرب تسرق من الطفل إحساس الاستقرار، لذلك يصبح من الضروري خلق عادات يومية صغيرة مثل: وقت للأكل، ووقت للنوم، ووقت للعب، ووقت لنشاط بسيط. حتى إن كان البيت صغيراً أو الظروف صعبة، فإن الروتين يعطي الطفل رسالة غير مباشرة تقول: "الحياة ما زالت تحت السيطرة".

يجب الإنتباه إلى إشارات الطفل

ولأن الطفل لا يعبّر دائماً بالكلام، يجب على الأهل الانتباه إلى الإشارات الصغيرة التي تظهر عليه. فمثلًا، يمكن أن يكون الطفل  اجتماعياً ثم يبدأ ينعزل، أو يتبول ليلًا بعد أن كان قد تجاوز هذه المرحلة، أو طفل صار يخاف من النوم وحده أو يصرخ عند أي صوت مرتفع… كلها مؤشرات ضغط نفسي وليست "دلالاً".

  • في كل مرة نقول فيها للطفل:
    في كل مرة نقول فيها للطفل: "أنا حدك"… نحن لا نطمئنه فقط، بل نبني داخله شعوراً بالأمان (الرسم: اليونيسف)

وفي حالات أخرى، قد يظهر الخوف على شكل عصبية زائدة أو عنف أو تعلّق شديد بالأم، أو حتى شكوى جسدية مثل ألم في البطن أو صداع من دون سبب طبي واضح.

التعامل الصحيح مع الطفل

أما التعامل الصحيح مع الطفل خلال الحرب فيبدأ بخطوات بسيطة لكنها فعّالة.:

أولًا: الصدق المناسب للعمر، فلا نقول "لا يوجد شيء،  بينما الطفل يسمع الانفجارات، بل نقول مثلًا: "نعم، هناك صوت قوي في الخارج، لكننا في مكان آمن"..

ثانياً: التطمين الجسدي، فأحياناً  يهدىء حضن صامت الطفل أكثر من 100 كلمة.

ثالثاً: تخفيف سماع وتداول الأخبار أمام الأطفال، وعدم تشغيل التلفاز أو الفيديوهات العنيفة بوجودهم.

رابعًا: إعطاء الطفل دوراً صغيراً يشعره بالسيطرة، مثل: "ساعدني في تجهيز حقيبة صغيرة" أو "اختر لعبتك المفضلة لتبقى معك"، لأن الطفل يخاف أكثر عندما يشعر أنه عاجز.

خامساً: تثبيت روتين بسيط حتى لو كان بسيطاً جداً، مثل قراءة قصة قبل النوم، أو الرسم لمدة 15 دقيقة يومياً، أو لعبة ثابتة قبل النوم، لأن الروتين يعطي الطفل إحساساً بأن الحياة لم تنهَر بالكامل.
ومن الأمثلة المهمة أيضاً: إذا قال الطفل “أنا خائف”، لا نردّ عليه بـ “عيب” أو “لا يوجد شيء”، بل نقول: “أنا أفهمك… طبيعي أن تخاف، وأنا معك.” وإذا سأل: “لماذا هناك حرب؟” لا نغرقه بالتفاصيل ، لكننا نفعل كل ما نستطيع لنكون بأمان.

اقرأ أيضاً: "عم إسمعك".. مبادرة للخروج من الأزمات النفسية

وإذا صار الطفل عصبياً أو عدوانياً، لا نواجهه بالعقاب فوراً، بل نسأله: "هل أنت خائف؟ هل هناك شيء يزعجك؟ لأن الطفل غالباً يصرخ بدل أن يقول: "أنا مرعوب"،  وإذا كان الطفل صامتاً جداً، يمكن إعطاؤه ورقة وألوان ليعبّر بالرسم، أو لعبة تمثيل، لأن بعض الأطفال يفرغون خوفهم عبر اللعب أكثر من الكلام.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by MUBS (@mubslebanon)


في النهاية،  لا يحتاج هذا الطفل أهلاً  "مثاليين"… بل يحتاج أهلاً يسمعونه، يحمونه، ويحتوون خوفه بدل أن "يكسروه". والاستماع في زمن الحرب ليس مجرد أسلوب تربوي، بل هو علاج نفسي مبكر قد يمنع آثاراً طويلة المدى.

ففي كل مرة نقول فيها للطفل: "أنا حدّك"… نحن لا نطمئنه فقط، بل نبني داخله شعوراً بالأمان قد يحميه طوال حياته.

اقرأ أيضاً: خبيرة للميادين نت: هكذا نتخطى الآثار النفسية للحرب والأخبار الكاذبة