دراسة: كيف يُنظّف النوم الدماغ؟

عندما تعاني من قلّة النوم ويتشتت تركيزك فجأة، قد يكون دماغك في حالة تنظيف مؤقتة. اكتشف العلماء أنّ هذه الانقطاعات في الانتباه تتزامن مع موجات من السوائل التي تتدفّق عبر الدماغ، وهي عملية تحدث عادةً أثناء النوم. إنها طريقة الدماغ للتعويض عن قلة الراحة.

  • دراسة: كيف يُنظّف النوم الدماغ؟
    يُعدّ النوم ضرورياً للبقاء على قيد الحياة ( الرسم: Keith Sakata, MD)

كشفت دراسة جديدة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن فهم أعمق لما يحدث داخل الدماغ خلال فترات تشتت الانتباه القصيرة.

تُظهر الدراسة أنه عند فقدان التركيز مؤقتاً، يتحرّك السائل النخاعي خارج الدماغ، وهي عملية تحدث عادةً أثناء النوم وتساعد على التخلّص من الفضلات المتراكمة خلال اليوم. وتُعتبر هذه العملية التنظيفية ضرورية للحفاظ على صحة الدماغ ووظائفه بشكلٍ سليم.

الجسم يحاول التعويض!

عندما يُعاني الشخص من قلة النوم، يبدو أنّ الجسم يحاول تعويض النقص في الراحة عن طريق إطلاق دفعات من هذا السائل أثناء اليقظة. إلا أنّ هذا التعويض يأتي مصحوباً بعيبٍ كبير: انخفاض حاد في مستوى التركيز.

تقول لورا لويس، الأستاذة المشاركة في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب، وعضو معهد الهندسة الطبية والعلوم التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومختبر أبحاث الإلكترونيات، والعضو المنتسب في معهد بيكاور للتعلّم والذاكرة:  "إذا لم تنم، تبدأ موجات السائل النخاعي بالتسلل إلى حالة اليقظة، حيث لا يمكنك رؤيتها عادةً. ومع ذلك، فإنها تُسبّب تشتّتاً في الانتباه، إذ يضعف التركيز خلال لحظات تدفّق هذه الموجة من السائل".

لويس هي المؤلفة الرئيسية للدراسة المنشورة في مجلة "نيتشر نيوروساينس". أما زينونغ يانغ، الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فهو المؤلف الرئيسي.

كيف يُنظّف النوم الدماغ؟

يُعدّ النوم ضرورياً للبقاء على قيد الحياة، ومع ذلك، لا يزال العلماء يجهلون تماماً سبب أهميته البالغة. من الواضح أنّ النوم ضروري للحفاظ على اليقظة، وأنّ الحرمان منه يُؤثّر سلباً على الانتباه والقدرات العقلية الأخرى.

تتعلّق إحدى الوظائف المهمة للنوم بالسائل النخاعي، الذي يُحيط بالدماغ ويُوفّر له الحماية. أثناء النوم، يُساعد هذا السائل على التخلّص من الفضلات التي تتراكم خلال ساعات اليقظة. في دراسة أُجريت عام 2019، وجدت لويس وزملاؤها أنّ هذا السائل يتحرّك بنمط إيقاعي أثناء النوم، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بتغيّرات نشاط موجات الدماغ.

أثار هذا الاكتشاف السابق تساؤلاً جديداً: ماذا يحدث لهذا النظام السائل عند اضطراب النوم؟ للإجابة عن هذا السؤال، استعان الباحثون بـ 26 متطوّعاً خضعوا لاختبارين، أحدهما بعد ليلة من الحرمان من النوم في المختبر، والآخر بعد حصولهم على قسط كافٍ من الراحة.

في صباح اليوم التالي، أنجز المشاركون مهمة معيارية تُستخدم لتقييم آثار الحرمان من النوم، بينما تتبّع الباحثون مجموعة واسعة من إشارات الدماغ والجسم.

قياس الانتباه وتدفّق السائل الدماغي

خلال التجربة، ارتدى كلّ مشارك قبعة تخطيط كهربية الدماغ (EEG)  لمراقبة نشاط الدماغ أثناء استلقائه داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).

استخدم الفريق نسخة متخصصة من جهاز fMRI قادرة على تتبّع مستويات الأكسجين في الدم وحركة السائل الدماغي النخاعي من وإلى الدماغ.

كما تمّ تسجيل معدّل ضربات القلب ومعدّل التنفّس وحجم حدقة العين.وأجرى المشاركون اختبارين للانتباه داخل الجهاز، أحدهما بصري والآخر سمعي.

في الاختبار البصري، شاهدوا علامة زائد ثابتة على الشاشة تتغيّر أحياناً إلى مربّع. طُلب منهم الضغط على زر عند حدوث التغيير. أما في الاختبار السمعي، فقد استُبدل المؤشر البصري بصوت.

وكما هو متوقّع، كان أداء المشاركين الذين يعانون من قلة النوم أسوأ بكثير من أدائهم عندما كانوا مرتاحين. فقد كانت ردود أفعالهم أبطأ، وفي بعض الحالات لم يلاحظوا الإشارة على الإطلاق.

تغيّرات فسيولوجية متعدّدة

عندما حدثت هذه الانقطاعات القصيرة في الانتباه، لاحظ الباحثون تغيّرات فسيولوجية متعدّدة تحدث في الوقت نفسه. أبرزها، تحرّك السائل الدماغي النخاعي خارج الدماغ أثناء الانقطاع، ثمّ عودته إليه بمجرّد عودة الانتباه.

رى لويس: "تشير النتائج إلى أنه في لحظة انقطاع الانتباه، يُطرد هذا السائل فعلياً إلى خارج الدماغ. وعندما يستعيد الانتباه توازنه، يعود إليه".

يعتقد الفريق أنّ هذا النمط يعكس محاولة الدماغ تعويض نقص النوم بتفعيل عملية تنظيف تحدث عادةً في الليل، على الرغم من أنّ ذلك يُعطّل الانتباه مؤقتاً.

اقرأ أيضاً: النوم أولاً.. وإلا ستواجه 172 حالة صحية

ويقول يانغ: "إحدى طرق تفسير هذه الأحداث هي أنّ دماغك، لحاجته الماسّة للنوم، يبذل قصارى جهده للدخول في حالة شبيهة بالنوم لاستعادة بعض الوظائف الإدراكية. يحاول نظام السوائل في دماغك استعادة وظيفته بدفع الدماغ للتنقّل بين حالتي التركيز العالي وتدفّق السوائل العالي".