دراسة تكشف السر الذي يسمح للدماغ بالتمييز بين الكالسيوم والمغنيسيوم!

لماذا يفضّل الكالسيوم المرور عبر قناة في الدماغ بينما يبقى المغنيسيوم عالقاً خارجها.. علماء يكشفون السبب الحقيقي لهذا اللغز الذي حيّرهم لعقود!

  • دراسة تكشف السر الذي يسمح للدماغ بالتمييز بين الكالسيوم والمغنيسيوم
    دراسة تكشف السرّ الذي يسمح للدماغ بالتمييز بين الكالسيوم والمغنيسيوم

تمكّن علماء من حلّ لغز علمي يتعلّق بكيفيّة تمييز الدماغ بين عنصرين كيميائيين متشابهين للغاية هما: الكالسيوم Calcium والمغنيسيوم Magnesium، في عملية تعتبر أساسية لفهم آليات التعلّم والذاكرة، وفق ما ذكره موقع News Medical.

وعبر باستخدام تقنية تصوير متطوّرة التقطت أكثر من 50 ألف مقطع فيديو، كشفت الدراسة لماذا يفضّل الكالسيوم المرور في قنوات الدماغ، بينما يبقى المغنيسيوم عالقاً خارجه.

ووجد الباحثون أنّ المغنيسيوم يجذب جزيئات الماء بقوة أكبر، ما يجعله كبيراً جداً لدرجة تسدّه القناة العصبية، بينما يفقد الكالسيوم الماء فيصغر حجماً ويعبرها، في عملية أساسية للتعلّم والذاكرة قد تفسّر أيضاً اضطرابات عصبية خطيرة لدى الأطفال.

الكالسيوم يمرّ بسهولة في قناة الدماغ أما المغنيسيوم فلا يستطيع

من المعروف منذ زمن أنّ التعلّم والتذكّر يعتمدان في جوهرهما على تفاعلات كيميائية وكهربائية داخل الدماغ، حيث يعمل الكالسيوم والمغنيسيوم كجزيئات مشحونة. فالمغنيسيوم يقوم بسدّ قناة موجودة داخل مستقبلات في الدماغ تعرف باسم NMDARs، وعندما يرتفع هذا السدّ، يتمكّن الكالسيوم من المرور عبر هذه القناة، ما يمكّن الدماغ من أداء وظائفه الأساسية. 

لكنّ السؤال الذي حيّر العلماء طوال هذه عقود هو: كيف تستطيع هذه المستقبلات التمييز بين الكالسيوم والمغنيسيوم، وهما عنصران متشابهان إلى حدّ كبير؟

ويكمن التحدّي في أنّ الكالسيوم والمغنيسيوم يجلسان إلى جوار بعضهما البعض في الجدول الدوري، ويحملان الشحنة الكهربائية نفسها، ما يجعل التمييز بينهما صعباً جداً. لكن هناك فرق رئيسي واحد، وفق ما يوضح البروفيسور هيرو فوروكاوا، قائد فريق البحث في مختبر "كولد سبرينغ هاربور"، وهو أنّ "المغنيسيوم يجذب جزيئات الماء بقوة أكبر من الكالسيوم، ما يجعل إزالة هذه الجزيئات من حوله أكثر صعوبة.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، اعتقد العلماء أنّ هذا الاختلاف قد يكون المفتاح لتفسير سبب قدرة الكالسيوم على المرور عبر القناة بسهولة أكبر، لكن لم تكن هناك وسيلة لمراقبة وإثبات ذلك نظرياً.

واستغرق الأمر عقوداً من الزمن حتى تتطوّر تقنيات التصوير والقدرات الحاسوبية بما يكفي لاختبار هذه النظرية.

تقنية المجهر الإلكتروني المتطوّرة تحلّ اللغز

وحالياً وبواسطة استخدام تقنية متطوّرة تسمّى المجهر الإلكتروني Cryo-electron microscopy  أحادي الجسيمات، تمكّن الباحث روبين شتايجرفالد وزملاؤه من توثيق العملية برمّتها. فقد صوّروا ما يحدث داخل القناة عبر 50 ألف مقطع فيديو، وركّزوا اهتمامهم على جزء حاسم منها يعرف باسم "قفص الأسباراجين" (Asn cage)، وهو قفص جزيئي يعمل كمرشّح دقيق لا يسمح إلا للجزيئات الصغيرة بما يكفي بالمرور من خلاله.

وما رآه الفريق خارج هذا المرشّح كان المغنيسيوم محاطاً بجزيئات الماء، ما يجعله كبيراً جداً بحيث لا يستطيع المرور، وبالتالي يسدّ القناة.

أما الكالسيوم، فبسبب ضعف جاذبيته للماء مقارنة بالمغنيسيوم، تفقد جزيئات الماء المحيطة به بسهولة أكبر، فيصبح أصغر حجماً، ويتمكّن من المرور عبر المرشّح دون عوائق. وهذه العملية، التي تعتمد على "الجفاف" أو فقدان جزيئات الماء، هي ما تفسّر لماذا يفضّل الكالسيوم المرور عبر القناة بينما يبقى المغنيسيوم عالقاً خارجها.

ولتأكيد ملاحظاتهم، لم يعتمد الفريق على التصوير فقط، بل استخدموا أيضاً تقنية الفيزيولوجيا الكهربية للتحقّق من النتائج، لأنّ الأمر لا يتعلّق فقط بمواد كيميائية، بل بأحد الآليات الجزيئية الأساسية المسؤولة عن التعلّم والذاكرة.

وإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا "القفص" الجزيئي الذي يعمل كمرشّح هو عرضة لطفرات تلقائية مرتبطة باضطرابات تعرف باسم GRIN، والتي تسبّب إعاقات نمائية حادّة وشديدة. فالعديد من المرضى الذين يعانون من هذه الطفرات لا يستطيعون النطق ولا المشي، ويعانون غالباً من نوبات صرع شديدة.

ولفهم آثار هذه الطفرات وتطوير علاجات محتملة، كان من الضروري أولاً رؤية الصورة بوضوح، وهو ما توفّره هذه الدراسة للعلماء الآن وللمرة الأولى.

اقرأ أيضاً: علماء يكتشفون خريطة تفصيلية للدماغ البشري.. "عالم غريب داخل رأسك!"