الصحة الأميركية تلغي دواء "لوكوفورين" كعلاج للتوحّد.. لماذا؟

في إثر الجدل الذي تصاعد أخيراً حول دواء "لوكوفورين" كعلاج للتوحّد، إدارة الغذاء والدواء الأميركية تعتمد الدواء كعلاج لحالة شديدة الندرة، لا كعلاج محتمل لآلاف الأطفال المصابين بالتوحّد.

  • الصحة الأميركية تلغي دواء
    الصحة الأميركية تلغي دواء "لوكوفورين" كعلاج للتوحّد.. لماذا؟

خضع الملصق الدوائي الخاصّ بعقار "لوكوفورين" leucovorin drug للتحديث كعلاج لحالة شديدة الندرة، لا كعلاج محتمل لآلاف الأطفال المصابين بالتوحّد Autism، كما سبق وصنّفته إدارة الغذاء والدواء الأميركية U.S. Food and Drug Administration (FDA) خلال إحاطة في البيت الأبيض، في أيلول/سبتمبر 2025. 

فقد وافقت الوكالة على هذا الفيتامين "B" عالي الجرعة الذي يُستخدم منذ زمن طويل للتخفيف من الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي، كعلاج لنقص حمض الفوليك الدماغي folic acid for the brain  المرتبط بـ(جين المستقبل 1) Future gene 1، وهي حالة وراثية يُقدَّر أنها تصيب فرداً واحداً فقط من كلّ مليون شخص. ولم يُسجَّل في العالم 50 حالة حتى الآن.

ووصف مفوّض إدارة الغذاء والدواء الأميركية الدكتور مارتي ماكاري، هذه الموافقة بأنها "محطة مهمة للمرضى الذين يعانون من هذه الحالة".

تراجع خلال 6 شهور

وفي أيلول/سبتمبر 2025، أشار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، روبرت ف. كينيدي، الابن إلى أنّ الدواء قد يكون متاحاً لمساعدة عدد أكبر بكثير من الأطفال. 

وقال كينيدي إنهم "حدّدوا علاجاً واعداً قد يفيد عدداً كبيراً من الأطفال الذين يعانون من التوحّد".

قد يؤثّر تحديث ملصق دواء لوكوفورين بشدّة على بعض عائلات الأطفال المصابين بالتوحّد. فخلال الإحاطة التي عقدت في أيلول/سبتمبر، حين أدلى ترامب بادعاءات غير مدعومة بشأن مسكن الألم تايلينول بوصفه سبباً للتوحّد، وحذّر الأهل من إعطاء أطفالهم عدداً كبيراً من اللقاحات، قال ترامب إنّ تغيير ملصق لوكوفورين "يمنح الأمل لكثير من الأهل الذين لديهم أطفال مصابون بالتوحّد في أن يصبح ممكناً تحسين حياتهم".

وخلال الأشهر التي تلت ذلك، ارتفع عدد وصفات "لوكوفورين"، ما صعّب العثور على الدواء. 

الموافقة على الدواء لحالة نادرة لا للتوحّد

في حال نقص حمض الفوليك الدماغي المرتبط بـ (جين المستقبل 1)، يؤدّي خلل جيني إلى تعطّل البروتينات التي تنقل حمض الفوليك إلى الدماغ. والنتيجة هي مستويات طبيعية من حمض الفوليك بالدم، لكن ليس في الدماغ والجهاز العصبي، حيث يؤدّي دوراً مهماً لجهة التفكير والكلام والحركة.

وفي مقال رأي نشره ماكاري، في موقع صحيفة "بوليتيكو" Politico الأميركية وأعيد نشره على موقع البيت الأبيض في الخريف الماضي، قال إنّ وكالته "ستوافق على وصف لوكوفورين كعلاج للأطفال الذين يعانون من نقص حمض الفوليك الدماغي وأعراض التوحّد".

وأضاف في الإحاطة المتلفزة إنّ بين 20% و50% من الأطفال المصابين بالتوحّد قد ينتجون أجساماً مضادة تعوق البروتينات التي تساعد على نقل حمض الفوليك إلى الدماغ، ما يعني أنّ بعض الأعراض الأكثر شدّة للتوحّد قد تكون ناجمة عن حالة مناعية ذاتية.

ورغم أنه أشار إلى أنّ "لوكوفورين" ليس علاجاً للتوحّد، فإنّ ماكاري سلّط الضوء على دراسات صغيرة أظهرت أنه بين الأطفال الذين يعانون نقص حمض الفوليك والتوحّد، يمكن أن يساعد الدواء على تحسين الكلام لدى نحو 60% منهم.

وبرّر مسؤولون كبار في إدارة الغذاء والدواء الأميركية خلال إحاطة، بأنّ البيانات كانت قوية بما يكفي للموافقة على استخدام "لوكوفورين" في الحالات الوراثية النادرة لنقص حمض الفوليك في الدماغ، لكنهم لم يجدوا أدلة كافية تثبت أنه سيساعد الأطفال المصابين بالتوحّد أو الحالات الأخرى من نقص حمض الفوليك الدماغي.

وأشار المسؤولون أيضاً إلى أنّ أكبر تجربة عشوائية مزدوجة التعمية مضبوطة بدواء وهمي لاختبار الدواء لدى الأطفال المصابين بالتوحّد سُحبت أخيراً، بعدما اكتُشفت أخطاء في البيانات المبلّغ عنها في الدراسة.

الضرر وقع بالفعل

وخلال الأسابيع التي تلت إحاطة البيت الأبيض  تضاعف عدد وصفات "لوكوفورين" الجديدة، وفق دراسة نُشرت هذا الشهر في مجلة "لانسيت" The Lancet الطبية.

وواجه الأهل صعوبة للحصول على الدواء، وفي بعض الحالات لجأ أشخاص إلى مكمّلات حمض الفوليك المتاحة من دون وصفة طبية عندما لم يتمكّنوا من الحصول على النسخة الموصوفة.

وقال الدكتور جيريمي فاوست، طبيب طب الطوارئ في مستشفى بريغهام آند وومنز، وأحد مؤلفي الدراسة، في حديث لشبكة "سي أن أن" الأسبوع الماضي، إنّ "الأدلة على استخدام لوكوفورين لعلاج التوحّد محدودة ولا تبرّر تغيير الممارسة الطبية"، لكنه لم يتفاجأ بارتفاع عدد الوصفات.

وكان خبر تراجع إدارة الغذاء والدواء الأميركية بشأن "لوكوفورين" ضربة لبعض الأهل.

وقال الدكتور آي ديفيد غولدمان، الأستاذ المتقاعد في الطب وعلم الأدوية الطبية بكلية ألبرت أينشتاين للطب، الذي كتب دراسات عن هذا الشكل النادر جداً من نقص حمض الفوليك، إنه "لا يوجد تداخل بين الشكل الوراثي النادر لنقص حمض الفوليك في الدماغ والتوحّد"، مضيفاً أنّ "الأطباء يستخدمون لوكوفورين لعلاج هذا النقص النادر منذ العام 2009، عندما جرى التعرّف إلى الحالة للمرة الأولى".

وقال أحد المسؤولين: "إدارة الغذاء والدواء لا تقوم بتجارب سريرية، رغم أنّ لدينا بعض آليات التمويل، فإننا عادة لا نموّل تجارب سريرية كبيرة للأدوية والتوحّد".

وبخلاف نطاقه الضيّق، كانت الموافقة، الثلاثاء الماضي، غير معتادة أيضاً لأنها استندت إلى مراجعة منهجية للأدبيات العلمية، "ضمناً تقارير حالات منشورة تتضمّن معلومات على مستوى المريض، إضافة إلى بيانات ميكانيكية".

وتجدر الإشارة إلى أنه عادةً، تطلب إدارة الغذاء والدواء إجراء تجارب سريرية عشوائية مضبوطة بدواء وهمي لإثبات سلامة وفعّالية الأدوية قبل الموافقة عليها أو توسيع استخدامها. لكنّ المسؤولين الكبار علّلوا أنّ مرد ذلك إلى ندرة هذا النقص في حمض الفوليك، لذا من الصعب اختبار لوكوفورين في تجارب عشوائية مضبوطة بدواء وهمي مع أشخاص مصابين به.

اقرأ أيضاً: "الغذاء والدواء الأميركية" تسحب مسكّن ألم للأطفال من السوق بعد رصد تلوث بداخله