بعد انسحاب واشنطن من الاتفاقيات والكيانات المناخية.. من سيدفع الثمن؟

إنّ معارضة انسحاب واشنطن من الاتفاقيات والكيانات المناخية ليست موقفاً أيديولوجياً، بل قراءة واقعية لمصالح البشرية جمعاء، وسيدفع ثمنه أولاً وأخيراً الدول الأكثر هشاشة، ويؤجّل الحلول لصياغة السياسات المناخية الرشيدة.

  • تراجع الدعم الأميركي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد ينعكس سلباً على إنتاج المعرفة العلمية المستقلة
    تراجع الدعم الأميركي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد ينعكس سلباً على إنتاج المعرفة العلمية المستقلة

انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC)، ومنظمات وكيانات بيئية دولية أخرى، في مواجهة التحديات المناخية غير المسبوقة التي يشهدها العالم، يثير قلقاً عميقاً على مستقبل العمل المناخي العالمي.

هذا التوجّه لا يحمل رمزية سياسية سلبية فقط، بل ينطوي على تداعيات عملية خطيرة على الجهود الدولية والعدالة المناخية، وعلى الدول النامية بوجه خاص.

تُعدّ الولايات المتحدة تاريخياً من أكبر المساهمين في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، وفي الوقت ذاته من أهم الفاعلين في تمويل البحث العلمي والمبادرات المناخية متعددة الأطراف. إنّ أي انسحاب أو تراجع عن الالتزام بالمؤسسات المناخية الدولية لا يمكن قراءته بوصفه قراراً سيادياً داخلياً فحسب، بل باعتباره ضربة مباشرة لمنظومة التعاون الدولي التي بُنيت على أساس أن تغيّر المناخ تهديد عابر للحدود لا يمكن لدولة واحدة مواجهته منفردة.

وعلى مستوى العمل المناخي العالمي، يضعف هذا الانسحاب الثقة المتبادلة بين الدول، فالاتفاقيات المناخية، وفي مقدمتها UNFCCC، تقوم على مبدأ الالتزام الجماعي والتدرّج في تحمّل المسؤوليات، وعندما تنسحب دولة كبرى، فإنها تفتح الباب أمام دول أخرى للتقاعس أو إعادة النظر في التزاماتها، ما يهدد بتحويل الاتفاقيات إلى أطر شكلية بلا فعالية حقيقية.

كما أنّ تراجع الدعم الأميركي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد ينعكس سلباً على إنتاج المعرفة العلمية المستقلة، وهي المعرفة التي تُعدّ الأساس لصياغة السياسات المناخية الرشيدة.

اقرأ أيضاً: تقرير دولي: 2025 عام الكوارث الطبيعية وخسائر بـ 122 مليار دولار

أما من زاوية العدالة المناخية، فإنّ الانسحاب الأميركي يُعدّ إخلالاً صارخاً بمبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة"، هذا المبدأ يعترف بأن الدول الصناعية، التي راكمت ثرواتها عبر قرن من الاعتماد الكثيف على الوقود الأحفوري، تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية أكبر في مواجهة الأزمة المناخية، وأنّ التنصّل من هذه المسؤولية يعني عملياً تحميل الدول الفقيرة والمتضررة العبء الأكبر، رغم أنها الأقل إسهاماً في التسبّب بالمشكلة.

ستكون الدول النامية المتضرر الأكبر من هذا التوجّه، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المناخي، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وهي ركائز أساسية نصّت عليها الاتفاقيات الدولية، وأي تراجع في مساهمات الولايات المتحدة المالية أو السياسية سيؤدي إلى فجوات تمويلية حادة في مشاريع التكيّف والتخفيف، خصوصاً في أفريقيا، وجنوب آسيا، وأميركا اللاتينية، وهي المناطق التي تقع بالفعل في الخطوط الأمامية لأخطار تغيّر المناخ، من جفاف وفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر، دون امتلاك الموارد الكافية للاستجابة.

الأخطر من ذلك أنّ الانسحاب يبعث برسالة سياسية مفادها أنّ المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل يمكن أن تتقدّم على حق الشعوب في بيئة سليمة وآمنة، وهذا المنطق ينسف أي حديث جاد عن التضامن الدولي، ويقوّض الثقة بين الشمال والجنوب، ويغذّي شعوراً متزايداً بالظلم المناخي. وفي عالم تتزايد فيه الفجوات وعدم الاستقرار، فإنّ تجاهل هذا البعد الأخلاقي قد تكون له تبعات تتجاوز البيئة إلى الأمن والتنمية والهجرة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ النظام الدولي قادر على التكيّف جزئياً مع غياب لاعب رئيسي، عبر تعزيز أدوار الاتحاد الأوروبي، والصين، والدول النامية الصاعدة، وكذلك عبر مبادرات المدن والولايات والشركات. لكن هذا التعويض يظلّ ناقصاً ومكلفاً، ولا يرقى إلى مستوى القيادة الجماعية المطلوبة لمواجهة أزمة بحجم تغيّر المناخ.

اقرأ أيضاً: "بعيداً عن الهدف".. تقرير أممي: العالم ما زال يتّجه نحو تفاقم مخاطر تغيّر المناخ

إنّ معارضة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات والكيانات المناخية ليست موقفاً أيديولوجياً، بل قراءة واقعية لمصالح البشرية جمعاء، فالعمل المناخي الفعّال يتطلب التزاماً طويل الأمد، واحتراماً للعلم، وإقراراً بالمسؤولية التاريخية، وأي تراجع عن هذه المبادئ لا يضعف النظام المناخي الدولي فحسب، بل يدفع ثمنه أولاً وأخيراً الفئات والدول الأكثر هشاشة، ويؤجّل الحلول في وقت لم يعد يحتمل التأجيل.

وقيب يومين، أعلنت الخزانة الأميركية انسحاب الولايات المتحدة من صندوق المناخ الأخضر، والتخلّي عن مقعدها في مجلس إدارته، وذلك تماشياً مع قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من اتفاقية الأمم المتحدة (اتفاقية باريس للمناخ) الإطارية بشأن تغيّر المناخ.

ومن جهته، علّق الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، سيمون ستيل، على قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من المعاهدة الدولية الرئيسية للمناخ، وقال في بيان إنّ "هذا الانسحاب يمثّل خطأً فادحاً ستكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي وفرص العمل ومستويات المعيشة".

وفي اليوم الأول لتسلّمه مهام رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وقّع ترامب على قرار انسحاب دولته من "اتفاقية باريس المجحفة"، كما وصفها، وهي ضمن قرارات عديدة مثيرة قد وقعّها.

اقرأ أيضاً: ما هي التداعيات السلبية لانسحاب ترامب من اتفاقية المناخ؟

اخترنا لك