تونس تعاني من "الندرة المائية"

المرصد التونسي للمياه، يدعو إلى وضع مراجعات تضع الماء الصالح للشرب في صدارة الأولويات، وتفضي الى انتهاج سياسات شفافة في التصرف في الموارد المائية.

  • تونس تحت عتبة الندرة المائية
    المرصد: تونس اليوم دون الحد الأخير للمياه

 لم يعد العطش في تونس خبراً موسمياً يطوى بانتهاء الصيف، فقد انتقلت البلاد بحسب "المرصد التونسي للمياه"، من منطقة الخطر المائي إلى منطقة الندرة، أو ما بات يُسمّى بـ  "الإفلاس المائي" ، وهي أزمة لا تعود  إلى عوامل طبيعة فحسب بحسب المرصد ، بل إلى خيارات وسياسات لا بد من  مراجعتها.
"المرصد التونسي للمياه" أكد في ندوة صحافية أن حصة الفرد من المياه تتراوح بين 380 و430 متراً مكعباً سنوياً، بحسب المناطق، مشيراً إلى أن المعايير العالمية تصنف  الدخول في مرحلة الخطر المائي حين تقل الحصة عن 1000 متر مكعب، وتبدأ الندرة المطلقة حين تنزل عن 500،  وتونس اليوم دون هذا الحد الأخير.
 

استنزاف للثروات المائية في بلد مصنف في منطقة الخطر المائي
 

أزمة يرجعها المرصد الى عدة عوامل أولها تعاقب سنوات الجفاف التي وصلت الى 6 مواسم متعاقبة , ما أدى الى تراجع منسوب السدود إلى ما يعادل 55 % من المعدل السنوي.
شحّ في المياه يأتي مع اهدار للموارد في ظل سوء تصرّف صارخ حيث  تستنزف قطاع الزراعة أكثر من 80 % من الموارد المائية، في ظل شبه غياب كلي لثقافة الترشيد في المزارع كما في البيوت على حد السواء , اضف الى ذلك ان شبكة قنوات المياه المتهالكة تتسبب في تسرب نسبة تتراوح بين 25 و32 %من المياه.

إهدار للمياه تجاوز المياه الصالحة للشرب ومياه السدود ليضرب مخزون البلاد الباطني حيث عرفت تونس في السنوات الأخيرة استنزافاً غير مسبوق للثروات المائية الجوفية حتى ان الأرقام تقدر وجود أكثر من 33 ألف بئر غير قانونية.

 أي مسؤولية للخيارات السياسية في تفاقم الازمة ؟

في المقابل، ورغم شح الموارد المائية واستفحال ثقافة الاستنزاف يعتبر المرصد التونسي للمياه، ان الإدارة التونسية  تعمل بسياسة "إطفاء الحرائق" لا بمنطق استباق الأزمات، حيث تفوق نسبة الأعطال في شبكات التزويد بكثير , نسبةَ الإصلاح وتقدم تجديد القنوات.
وضع أدى طبعاً خلال الصيف إلى اضطرابات في التوزيع ، وشبه انقطاعات يومية للماء الصالح للشرب، في عدة مناطق من البلاد، وذلك  في أشد أيام السنة حرارة. ما أدى الى تنامي الغضب الشعبي في عدة جهات انتفضت ضد غياب العدالة بين المناطق في التمتع بالحق في الماء .

  • تونس تحت عتبة الندرة المائية (رويترز)
    المرصد: الإفلاس المائي ليس قدراً مكتوبا على التونسيين (أرشيفية -رويترز)

السلطات التونسية استشعرت منذ فترة وضعية الفقر المائي في بعض المناطق وتوجهت إلى إقامة محطات لتحلية مياه البحر في جربة وجرجيس وصفاقس وغيرها ، خيار لا غنى عنه في بعض الحالات بحسب مراقبين، غير أنه لا يعد أكثر جدوى وفاعلية من تجميع المياه بالطرق الطبيعية وغير المكلفة، خصوصاً وأنه يعوّل على الطاقة في تحلية المياه، في بلد يعاني من عجز في الطاقة.

هذا وانتقد المرصد أيضاً الخيارات الاقتصادية المهدرة للثروات المائية على غرار مغسلة الفسفاط في قفصه التي تهدر سنوياً حوالى 9 مليون متر مكعب من المياه  او التوجه نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر رغم تحذيرات الخبراء من ان إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين الأخضر يتطلب ما بين 9 إلى 30 لترا من المياه النظيفة، الى جانب تمكين الأجانب من إقامة محطات فولطاضوئية في الجنوب، وما يستدعيه ذلك من اهدار للماء لتنظيف الألواح اللاقطة.

 الإفلاس المائي ليس قدراً مكتوباً على التونسيين

إلى مراجعات عميقة في التصرف في الثروات المائية، يدعو المرصد التونسي للمياه، إلى وضع مراجعات تضع الماء الصالح للشرب في صدارة الأولويات، وتفضي الى انتهاج سياسات شفافة في التصرف في الموارد المائية، الى جانب رصد ميزانية لتجديد الشبكات للحد من التسربات.

فالإفلاس المائي ليس قدراً مكتوبا على التونسيين، غير أنه أصبح واقعاً يتهدد أحد الحقوق الأساسية للمواطنين، فقد يكون الجفاف خارج سلطة الدولة رغم أن البحوث العلمية اثبتت إمكانية اللجوء إلى تقنية الاستمطار في حالات الشحّ المائي، أما التسرّب والهدر وسوء ترتيب الأولويات وغياب الشفافية فقرارات تتخذ ويمكن تغييرها.

اخترنا لك