هوية المثقف عندما تتكلم الحرب

لا بد من تحمل المسؤولية الأخلاقية بتوثيق الأدب كأرشيف للمستقبل، لعل الأجيال الجديدة تعرف كيف استطاع الاستعمار تمزيق جسد الأمة، والعبث بكل مكونات الوعي لدى النخبة.

أهدتني صديقتي في غزة ذات مرة، رواية لكاتب إيراني اسمه إيرج بزشك زاده، الذي لم أسمع به من قبل، وكانت الرواية تحمل عنواناً لافتاً، بالإضافة إلى بعض المصطلحات الأغرب، ففي رواية "خالي العزيز نابليون"، التي صدرت إبان حكم الشاه وتحديداً عام 1970، كانت القوى الاستعمارية هي الأرسخ في المخيال الإيراني، حيث تبدو نظرية المؤامرة في عقلية الخال الذي يعشق نابليون بونابرت موجودة حتى عندما يقع خلاف بين زوج وزوجته، لأن بريطانيا هي العدو الأبرز للإنسان الإيراني حسب الرواية، وكانت كلمة السر "فرانسيسكو" تجعلني أضحك على فكرة التُقية في صناعة الأهداف، حتى في ممارسة العلاقة الجسدية، ولا أظن أنني قرأت أجمل من هذا العمل في حينه، علماً أن هذه الرواية عادت بي إلى الروائي الفلسطيني، إيميل حبيبي، حين كتب رواية "يوميات سعيد أبي النحس المتشائل"، التي كتبها في سجنه داخل الأراضي المحتلة، فاستخدم الرمز، مقلداً أسلوب فولتير بشكل مبهر، كما في رواية "كنديد" أو التفاؤل التي قام بترجمتها عادل زعيتر، رحمه الله، وكانت قد صدرت عن "دار العودة" في ما أظن، في كتاب بحجم صغير. 

ما زلت أذكر كيف تملكني ذلك العمل يومها، خصوصاً بعد الانتهاء من قراءة "المتشائل"، تلك الرواية التي صدرت عن مشروع كتاب في جريدة، الذي أعلنت عنه "اليونيسكو" ووزارة الثقافة اللبنانية؛ ليأتي السؤال الدائم عن دور المثقف عندما تتكلم السياسة بلغة الدم والموت، هل يتغير إلى حالة مختلفة في الفكر والأسلوب ومنهاج الحياة؟ هل يحابي أم يقرر الانزواء حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود؟ 

ولعل التجربة القصيرة مع ما جرى في قطاع غزة من إبادة، يظهر حجم الضعف للمثقف العربي، ولكن الشيء الأكثر لفتاً للأنظار هو المثقف النخبوي العالمي. إذ نجد أن الجميع، بما فيها الدول التي طالما أتخمتنا بالحديث عن الحرية، باتت تمارس القمع والإقصاء بتهديدات ناعمة، تصل إلى حد فصل النخب عن أعمالها وتهميشها أو طردها حتى لو كانت في أبراج عاجية، وربما يصل الأمر إلى اغتيالها كما حدث مع الشاعر الحائز على نوبل، بابلو نيرودا، وهو ما يجعلنا اليوم أمام حالة واضحة من توحش القوى الاستعمارية كلها، التي تبحث عن حصتها في كعكة الشرق الأوسط، بحق أي شخص ينتقد أو يخالف رأي سيدة العالم المدعاة أميركا، وهو ما يفسر حجم التحالفات والمصالح، رغم أن الأدب هو محاولة اختزال الإنسان في خطاب التسامح والبناء وتقبل الآخر، ونقل الحقيقة رغم كل أدوات الإرهاب الذي تمارسه النظم السياسية القائمة. 

لذلك لو نظرنا إلى الأصوات الجديدة في الأدب العالمي، فإنها لم تعد بذلك الوضوح الذي سبق ورأيناه في أعمال همنغواي وفوكنر وغيرهما من كتاب الولايات المتحدة. إذ أصبحت الرواية والخطاب الثقافي مجرد دعاية سياسية، ولم تعد هناك - حسب وجهة نظري - أي مسافة أخلاقية تحمي المشروع الإنساني العظيم، المتمثل بالرواية على وجه الخصوص والأدب والفن بوجه عام. 

أما عن حالتنا العربية، ودول الشرق الأوسط التي كانت وما زالت وستظل البوابة لأي صراع، في ظل رغبة القوى الاستعمارية بالسيطرة على مقدرات الأمة، وقد ارتهنت الأنظمة الشمولية - بكل أسف - إلى التبعية المفرطة، وعدم صناعة كيان أو حتى كيانات ذات قواسم مشتركة.

لذلك فإن الشرق الأوسط يمكن اعتباره في الصراع اليوم بين إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض البلدان الأوروبية من جهة أخرى، أكبر مأزق أخلاقي للمثقف، حين غاب المثقف العضوي، الذي بات متشرذماً، منقسماً على ذاته، هل يدافع عن بلاده التي تستضيف القواعد الأميركية؟ أم يدافع عن جمهورية تدك "دولة" الاحتلال والقوات الأميركية؟ إذ بات هناك اختلال في الوعي، والمعايير لم تعد كما كانت سابقاً، وربما هذا سيأخذ بيد الأدباء، الشاهدين على العصر، إلى تدليس الأفكار والأحداث بما يخدم مصالح كل قوة في هذا الصراع الذي سيدفع ثمنه الإقليم، عاجلاً أم آجلاً. 

نحن نعيش اليوم في لحظة تاريخية فارقة من تاريخ الأمة، ولا أعرف ماذا سينتج عن أدباء المنطقة لاحقاً؟ هل ستكون رواية المنتصر أم الضحية أم المقاومة؟ وضد من نقاوم؟ لذلك، لا بد من تحمل المسؤولية الأخلاقية بتوثيق الأدب كأرشيف للمستقبل، لعل الأجيال الجديدة تعرف كيف استطاع الاستعمار تمزيق جسد الأمة، والعبث بكل مكونات الوعي لدى النخبة، لربما من خلال ذلك الأدب يتم التئام الجرح وتعزيز روح الحب بين أبناء الأمة، لا سيما أن عدوها واحد، هو الاستعمار الجشع الذي لا يشبع من دمائنا. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك