هل نشفى من الوطن والذاكرة في "صيف سويسري" لإنعام كجه جي
رواية "صيف سويسري" نقد لاذع للأنظمة القمعية وللأيديولوجيا المتحجرة التي تورث منتسبيها شقاقات وخلافات نتيجة تمترسهم بعقائد وأيديولوجيات سواء حزبية أم دينية تنغلق على ذواتها ولا تمد يدها للآخر، شريك الوطن.
-
هل نشفى من الوطن والذاكرة في "صيف سويسري" لإنعام كجه جي
" الذاكرة ورم في الدماغ يصعب الشفاء منه"، من الذاكرة الدفينة تنبش إنعام كجه جي حيوات أبطالها وتغوص في بواطن أعماقهم في روايتها "صيف سويسري" الصادرة عن تكوين والرافدين. وهذه العتبة النصية بالعنوان، يذهب خيال المرء بأننا إزاء نص ترفيهي عن إجازة ناعمة في منتجع سويسري، وأن الكاتبة ابتعدت عن مشاكل وهموم الوطن، ولكن ما إن يغوص قليلاً في تفاصيل العمل حتى يعرف بأنها ما ابتعدت إلا لتقترب وتزداد التصاقاً بهموم وطنها ومواطنيها.
ففي رحلة علاج مجانية نتعرف إلى أربعة لاجئين عراقيين من انتماءات مختلفة اجتمعوا في مدينة "بازل" السويسرية لتجريب دواء جديد يمسح الذكريات القاسية والأفكار المتشددة والهموم النفسية من ذاكرتهم، ليعودوا أناساً طبيعيين وأفراداً صالحين للعيش في مجتمع متقدم، ومن خلال ذلك نتعرف إلى تفاصيل حياتهم، وبأن لكل منهم قصة وحكاية وتاريخ في بلاده، من القومي "حاتم الحاتمي" الضابط لدى الديكتاتور والضارب بمقلاعه و"غزوان البابلي" الذي يتضح أنه معتقل سابق ومتدين واليسارية "بشيرة حسون" الهاربة من سجون الطاغية مع ابنتها، و"دلاله شمعون" التي تنتمي إلى جماعة شهود يهوه وكلهم بعهدة الشاب بلاسم والمطلوب منه أن يخلصهم من عقائدهم القديمة المتشددة، بأن يعطيهم كبسولات صفراء وبرتقالية لعلاج التعصب مع جلسات استشفائية للبوح بما يثقل نفوسهم من خلال استدراجهم بالكلام عن ذواتهم.
وبين الوطن وبلد اللجوء تتشظى تلك الشخصيات بين تاريخها الخاص وأزماتها الشخصية، وبين القوالب التي يراد أن توضع بها في سويسرا بلد اللجوء البلد الأرقى، حيث تذهب الفانتازيا بصاحبة "النبيذة" لتخيل أن هذا البلد المتقدم وصل به العلم شأواً كبيراً باختراع عقار يخفف أو يشفي من حالة التعصب الأيديولوجية والفكرية ويعيده إنسانًا هادئاً مسالماً، أي مواطناً صالحاً وفق مفهوم ذلك المجتمع، فمدينة "بازل" المشهورة بأنها الأولى بالدواء على مستوى العالم تسعى لتجريب عقار طبي ضد التطرف العقائدي والاستشفاء من الذكريات السيئة.
بهذة اللعبة السردية تعود بنا الكاتبة لاستحضار تاريخ كامل لزمن الديكتاتورية في العراق ومدى التشوه الاجتماعي والسياسي الذي خلفه في نفوس أفراده، ما أنتج شخصيات مأزومة سببتها كذلك أحزاب وتنظيمات مأزومة أو ما عبرت عنه بقولها "عقولهم نعال قديمة " دلالة التشبث بالرأي والتعنت المكابر في قبول أفكار وتوجهات حديثة.
يتقدم السرد بلسان حاتم أو ما كان يلقب به "الرفيق سور الصين" ولسان الصبية "سندس" ابنة بشيرة في تناوب مع صوت الراوي العليم، فحاتم الذي كان اليد الضاربة لنظام قمعي في مداهمات للأحياء الشعبية، وهو متشبع قناعة بأنه يحمي الوطن من أعداء العروبة والصهاينة وأذناب الإمبريالية، حيث تظهر الكاتبة الحالة المزدوجة التي يعيشها كقامع ومقموع، وأنه برغي في تلك الآلة الجهنمية، لا يقدر على الإفلات من براثنها ولا الاعتراض، بل مهمته أن ينفذ ما هو مطلوب منه من دون أي احتجاج، يستعيد شريط حياته في لحظة صفاء وكيف أودى بصديق طفولته وزميله في السلك العسكري إلى الإعدام، صديقه الذي كان شاهدًا على زواجه، ومن يومها قاطعته زوجته وهجرت فراشه وانتهت علاقته بها ليزيد الأمر من صراعه الداخلي وتعقيد حياته.
أما بشيرة حسون فقد كانت جارته ويكنّ لها مشاعر غامضة، وهي التي عذبت وسجنت واغتصبت في المعتقل، وكانت ثمرتها ابنتها "سندس" ودبر لها حزبها سفراً إلى الخارج وزواجاً يسترها من رفيق آخر كان في المعتقل وقد أعطبوا رجولته، ويبدو أن حاتم كان يعشقها بالسر، لذا كان هو من دبر لها هروباً من المعتقل وأوصلها بنفسه إلى باب بيتها معصوبة العينين لكنها تعرفت إليه في بازل من لثغة ميزت كلامه.
الشخصيتان الباقيتان كانتا الأقل تركيزًا عليهما فـ "دلالة الآشورية" كمبشرة بجماعة شهود يهوه، وهي عبارة عن جماعة دينية متشددة ترى أن المسيح لم يبح الخمر والمشروب وتدعو الجميع على اختلاف أطيافهم الدينية للالتحاق بجماعتها باعتبارها الدين القويم والصحيح، وشخصية أخرى متدينة هي غزوان البابلي الذي عانى من الظلم والاعتقال كفئة مضطهدة، أما شخصية الدكتور "بلاسم" الشاب فهو أيضاً هارب من بلاده إثر حادث تفجير أودى بشقيقه، وهذه التفجيرات والمفخخات عانى منها العراق طويلاً فيما بعد، وهو إلى ذلك حلّال العقد، يتوهم أنه استطاع بعلاجه في استخدام الدواء السويسري وجلسات البوح، وبأنه السبب في استشفائهم من عقدهم وعتمة نفوسهم، لكن الأصح أن نقول إن البيئة السليمة تنتج أفراداً أصحاء نفسياً وإنسانياً، ولها الدور الكبير في هذا الشأن، فمساحة الاعتراف التي سمحت بأن يقف واحدهم أمام نفسه الحقيقية ويستعرض ارتكاباته بحق الآخرين وحق نفسه، من هنا كان لحاتم الحصة الأكبر في السرد لأنه ممثل سلطة وضحيتها في آن واحد، وخيوط شخصيته تمتد لتتقاطع مع بقية الشخوص، ولكن في النهاية ما يهم هؤلاء الأربعة هو استمرار استقبالهم في هذا البلد بعيداً عن البيئة الموبوءة في بلادهم، فهم يمثلون بأنهم يستجيبون للعلاج من خلال سلوكهم السوي مع أنهم يرمون الحبوب الملونة ويدعون بأنهم يتناولونها، أما الصبية "سندس" فهي نموذج عن جيل تربى في الخارج وتعلم في مؤسساته، فلا يعني الوطن بالنسبة له سوى تقليد فولكلوري يزوره للسياحة بغرض الفرجة لا أكثر، وهذا مثال كيف يخسر البلد طاقته الحيوية من الشباب والنسع الحي المتجدد.
لطالما كانت سويسرا بلد السياحة الأول وموئل المتبطرين من أصحاب الثروات المنهوبة التي تشير إليهم بإيداعهم أموالهم في بنك سويسرا "اتحاد البنوك السويسرية" مآل أموال زعماء الشرق وسراق الآثار، أصحاب الحسابات السرية المشبوهة التي يختبئ تحت قناعها النظيف عرق بلدان العالم الثالث.
استطاعت كجه جي بسلاسة ورشاقة لغتها أن تضع القارئ في الجو النفسي لمعاناة كل شخصية وهواجسها الداخلية، كما تلون نصها بالعبارات المسكوكة التي تعطي فكرة مكتملة بذاتها على غرار " الجنة بلا ناس ما تنداس" و"عقولهم نعال قديمة"، ولا يغيب الوطن عن أدب إنعام كجه جي فمن خلال سرديات أبطالها عرضت الأزمات والعقد المتحكمة في إنسان المنطقة من خلال الإرث المتخلف والأنظمة القمعية التي تضغط على الفرد لتذهب به إلى حالات قصوى من التطرف نتيجة فقدان البديل والحل.
رواية "صيف سويسري" نقد لاذع للأنظمة القمعية وللأيديولوجيا المتحجرة التي تورث منتسبيها شقاقات وخلافات نتيجة تمترسهم بعقائد وأيديولوجيات سواء حزبية أم دينية تنغلق على ذواتها ولا تمد يدها للآخر، شريك الوطن، وقد اختارت منها النماذج الأكثر بروزاً في المجتمع العراقي.