هل تمحو الحرب هوية المدن؟ موسكو تجيب: لا
التاريخ المشترك، مهما اختلفت قراءاته، يترك أثره في الحجر، وفي أسماء الشوارع، وفي محطات المترو، وفي التماثيل التي يقف الناس أمامها أحياناً بصمت يفوق أي خطاب.
في قلب العاصمة الروسية، حيث تعانق ناطحات السحاب الستالينية السماء، تقف منطقة "دوروجوميلوفو" شاهدة على حقيقة قد تغيب عن كثيرين: أن المدن لا تفقد ذاكرتها بسهولة، وأن الأسماء التي رسّختها الثقافة والتاريخ قد تبقى حاضرة رغم التحولات السياسية الكبرى.
هنا، في أحد أحياء موسكو، ما زالت أوكرانيا حاضرة باسمها ورموزها وملامحها، وكأن المكان يقول إن الذاكرة الثقافية أعمق من أي خلاف، وإن هوية المدن لا تُمحى بقرار عابر.
فندق "أوكرانيا": أيقونة لا تُنازع
على ضفاف نهر موسكو، يتربع فندق "أوكرانيا" كواحد من أشهر ناطحات السحاب السبع في العاصمة الروسية. هذه المجموعة المعمارية، التي ارتبطت بالحقبة الستالينية، كانت تجسيداً لفكرة القوة والهيبة في العمارة السوفياتية.
ورغم أن الفندق يُدار اليوم تحت اسم "راديسون كوليكشن"، فإن اسمه التاريخي ما زال جزءاً من هوية المبنى وذاكرة المدينة: "Гостиница Украина" أو "فندق أوكرانيا".
تعود قصة الاسم إلى الزعيم السوفياتي، نيكيتا خروتشوف، الذي اختير في عهده اسم "أوكرانيا" بدل الاسم المبدئي "دوروجوميلوفسكايا"، في إشارة إلى الذكرى الـ300 لاتفاق بيرياسلاف عام 1654، كما قُدم رسمياً آنذاك بوصفه رمزاً للعلاقة التاريخية بين روسيا وأوكرانيا.
اليوم، وبعد عقود من التحولات، لا يزال الاسم حاضراً في الذاكرة العامة وفي الهوية التاريخية للمكان. فهو ليس مجرد فندق، بل بيان معماري صامت بأن الذاكرة المشتركة لا تخضع دائماً لمنطق السياسة الآنية.
تحت الأرض: فسيفساء تروي حكاية صداقة
عندما تهبط إلى محطة مترو "كييفسكايا"، تدرك أنك لا تدخل مجرد عقدة مواصلات، بل فضاءً فنياً وتاريخياً تحت الأرض. فهناك 3 محطات تحمل هذا الاسم على 3 خطوط مختلفة، وتضم زخارف ولوحات فسيفسائية تستحضر مشاهد من التاريخ والحياة الأوكرانية، وتعرض صورة رمزية للعلاقة بين الشعبين الروسي والأوكراني كما صاغها الخيال السوفياتي.
وقد صمم محطة "كييفسكايا" على الخط الدائري فريق من المعماريين الذين ارتبط عملهم بأوكرانيا، بعدما فاز مشروعهم في مسابقة مفتوحة. وجاءت الزخارف الغنية، بإطاراتها الذهبية ومشاهدها التاريخية، لتجعل من المحطة واحدة من أكثر محطات مترو موسكو فخامة ورمزية.
واللافت أن اسم المحطة لم يتغير، كما لم يتغير اسم محطة القطارات المجاورة "كييفسكي"، التي لا تزال تحتفظ باسمها في قلب العاصمة الروسية.
شوارع تحمل أسماء الخالدين: الأدب يتعالى على السياسة
في "الشارع الأوكراني"، أو "بولفار أوكرانيا"، يسير المارة بين المساحات الخضراء والنوافير، وفيه يقف تمثال الشاعرة والكاتبة الأوكرانية، ليسيا أوكراينكا منذ عام 2006. حضورها في هذا المكان ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن الإبداع، حين يصبح جزءاً من ذاكرة مدينة، يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا.
وفي مشهد آخر، على كورنيش نهر موسكو، يطل تمثال الشاعر الأوكراني، تاراس شيفتشينكو، الذي نُصب عام 1964. ويحمل الكورنيش نفسه اسم الشاعر، في واحدة من أبرز الإشارات الأوكرانية الباقية في الفضاء العام لموسكو.
وفي مفارقة تاريخية لافتة، أعيد افتتاح التمثال بعد ترميم طويل في الـ 7 من آذار/مارس 2014، في خضم أزمة القرم وقبل إعلان روسيا ضم شبه الجزيرة بأيام بعد استفتاء الـ 16 من آذار/مارس. وقد حضر الحفل وزير الثقافة الروسي آنذاك، فلاديمير ميدينسكي، والسفير الأوكراني في موسكو، فلاديمير يلتشينكو، في لحظة بدت وكأنها تحاول التمسك بخيط ثقافي مشترك وسط توتر سياسي متصاعد.
وفي عام 2023، تحول بعض هذه المعالم، ولا سيما تمثال ليسيا أوكراينكا، إلى مواقع تذكارية عفوية، حيث وضع بعض سكان موسكو الزهور والألعاب حداداً على ضحايا القصف الأوكراني. كان المشهد شديد الحساسية، لكنه كشف مرة أخرى أن الرموز الثقافية قد تتحول، في لحظات الألم، إلى مساحة صامتة للتعبير والذاكرة.
رمزية لا تمحى
ما تكشفه هذه المنطقة من موسكو لا يقتصر على بقاء أسماء أو تماثيل، بل يتجاوز ذلك إلى معنى أعمق: أن المدن تحتفظ بطبقات متعددة من الذاكرة، وأن الذاكرة الثقافية لا تُمحى بسهولة حتى في أكثر اللحظات السياسية توتراً.
فالتاريخ المشترك، مهما اختلفت قراءاته، يترك أثره في الحجر، وفي أسماء الشوارع، وفي محطات المترو، وفي التماثيل التي يقف الناس أمامها أحياناً بصمت يفوق أي خطاب.
روسيا، التي عرفت عبر تاريخها الطويل تنوعاً واسعاً في الشعوب والثقافات، تبدو في هذه الزاوية من موسكو وكأنها تحمل إرثاً لا يمكن اختزاله في لحظة سياسية واحدة. فترك الأسماء الأوكرانية في مكانها، وبقاء هذه الرموز في الفضاء العام، يمنحان المنطقة دلالة حضارية وثقافية لا يمكن تجاهلها.
في النهاية، تبقى منطقة "دوروجوميلوفو" في موسكو درساً بليغاً في ذاكرة المدن: فالحروب قد تبدّل الحدود والمواقف، لكنها لا تستطيع دائماً أن تمحو الأسماء التي كتبها التاريخ. هنا، تقول الحجارة والواجهات والفسيفساء والتماثيل إن الحضارات أكبر من أن تُنسى، وأعمق من أن تتغير بسهولة.




