نخبة أميركا تصلّي لترامب..هذا ليس ذكاءً اصطناعياً!

كيف تحوّلت صلاة قساوسة إنجيليين من أجل ترامب إلى رمز لوثنية معاصرة، تقلب معنى الخلاص والمقدّس إلى هيمنة ودمار؟

بعد انتهاء مؤتمره الصحافي الذي استعرض فيه ثرثرته المعتادة، متفاصحاً عن آخر مستجدات العدوان على إيران، توجّه قائد "العالم الجديد الشجاع"، دونالد ترامب، إلى مكتبه في البيت الأبيض ليوافي موعده مع قدّاسٍ أقامه له أولئك الذين يؤمنون به بوصفه "المسيح الممسوح". هذا الطقس الذي بدا محاكياً لحضورٍ مقدّس لم يلبث أن خرج من الجدران المغلقة إلى فضاء العلن، ما دفع الكثيرين إلى التساؤل: هل ما نراه حقيقي أم أنه من صناعة الذكاء الاصطناعي؟

تداولت وسائل الإعلام، قبل أيام، مقطعاً مصوَّراً يظهر فيه ترامب جالساً في مكتبه، مغمض العينين على نحوٍ ساذج، متظاهراً بالانغماس في حالةٍ صوفية سحيقةٍ، فيما تقف وراءه مرشدته الروحية، بولا وايت، وإلى جانبها حشدٌ متنوّع من المنجّمين، وطاردي الأرواح وقساوسة إنجيليين، يتلون صلواتهم وهم يضعون أيديهم على كتفه. 

يذكر إنجيل مرقس حادثة امرأة اقتربت من يسوع المسيح ولمست طرف ثوبه إذ اعتقدت مجرد لمس ثوبه كافٍ حتى تشفى من النزيف الذي عانت منه لمدة 12 عاماً. 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Global South World (@globalsouthworld)

يروي النص أنّ المسيح شعر بقوّةٍ خرجت منه فسأل: "من لمس ثيابي؟". وحين اعترفت المرأة بفعلتها، قال لها "يا ابنة، إيمانك قد شفاكِ، فاذهبي بسلام". 

غير أنّ المشهد الذي رأيناه مع "المسيح الممسوح" مختلف على نحو جذري. فاللمس هنا يمنح القوّة ولا يأخذها، وكأن الأيادي الممدودة على كتفه تستدعي له قوّة إلهية وتمنحه سلطتها. دونالد ترامب، كما نعلم، ليس معنياً بالسلام بل يرى في هذه الحرب شفاءه الإيديولوجيّ، وليس الفيديو سوى مانيفستو مصوَّر لإيديولوجيته. إنه إعلانٌ فج عن عقلٍ يتوهّم أنه ممثّلٌ لإرادة الله على الأرض، وأنه يخوض حربه ضد من يسميهم بـ"محور الشر" متخيلاً أنه مرسلٌ من السماء.

عودة الإيديولوجيا إلى رشدها

  • قس إنجيلي يصلي ويبارك ترامب
    قس إنجيلي يصلي ويبارك ترامب

شيء ما بات واضحاً إلا عند الذين يفضلون الزيغ على الرؤية. بقدر ما تجسّد ظاهرة دونالد ترامب نزوعاً نيوليبرالياً متضخماً لا يتورّع عن غزو العالم لاستباحة ثرواته، فإنها تكشف، في الوقت عينه، عن ظاهرة إيديولوجيةٍ عوراء تعيد إلى أذهاننا العصور المظلمة في أوروبا. 

إنها الإيديولوجيا الصهيونية التي لا تني عن تمثيل ما تتخيله تفوقاً، ولا ترى بأساً في اغتصاب الأطفال، واقتراف أفظع الجرائم الأخلاقية كما لو أنّ العالم "الآخر" نسخة كونية عن جزيرة إبستين. وإلا كيف يمكن فهم المقارنة التي أطلقها بنيامين نتنياهو في مقر الأمم المتحدة بين أرض "خصبة" وأرض "ملعونة"؟  

على أنّ هذه الإيديولوجيا هي ثمرة طبخةٍ غرائبية تجمع بين لاهوتٍ محرَّف، وشعبوية دينية، واستبداد سياسي يناقض في جوهره، فلسفة جون لوك وجون ستيوارت ميل، الذين لطالما تباهت أميركا بهما كآباء فكريين لإرثها السياسي الليبراليّ. 

بدا المشهد وكأنه طقس ديني يعيد تشكيل السياسة في صورة مقدسة، حيث يُقدَّم الزعيم كوسيط لإرادة إلهية تتجاوز الواقع. 

الناظر في مسيرة دونالد ترامب يلحظ خطاً تصاعدياً في راديكاليته الأيديولوجية هاته. وقد بدأ هذا المنحى يظهر على الملأ، على بقدر من الفجاجة منذ عام 2017 حين خرج إلى الإعلام حاملاً نسخة من "الكتاب المقدّس" محاكياً خطاب التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة. 

وفي آذار/مارس 2024 طرح للبيع نسخة خاصة لترامب من "الكتاب المقدّس"، وبين هاتين اللحظتين كان يبرز دائماً حضور بولا وايت، الواعظة الإنجيلية الدجالة، صاحبة السجل الحافل بالابتزاز والعنصرية تجاه أصحاب البشرة السوداء والفساد المالي، والتي ذهبت إلى حدّ التصريح بأن "معارضة ترامب هي عصيان لله"، وأن "البيت الأبيض أرضٌ مقدّسة"، في سياق حملاتها المتكررة للترويج له ودعمه انتخابياً.

هرطقة الإنجيليين

  • قتل الأميركيون في اليوم الأول للعدوان أكثر من 100 طفلة في مدرسة في ميناب الإيرانية
    قتل الأميركيون في اليوم الأول للعدوان أكثر من 100 طفلة في مدرسة في ميناب الإيرانية

يبدو أنّ المسيرة الإيديولوجية لترامب لم تنجح في استمالة الإنجيليين الأميركيين فحسب، بل ذهبوا أبعد من ذلك فـ"عمّدوه" سياسياً وروحياً إلى حدّ تحوَّل إلى المخلّص الذي رسى عنده رجاؤهم. 

قبل خروج الفيديو قبل أيام، نشر الصحافي، جوناثان لارسن، على حسابه في منصة "سابستاك" ما يشبه فضيحة مدوّية، جاء فيها: "أبلغ قائد وحدة قتالية أميركية ضباط الصفّ بأن الحرب على إيران جزء من "الخطة الإلهية" مدّعياً أن الرئيس دونالد ترامب "ممسوح من قبل المسيح" لإشعال معركة هرمجدون". 

إنّ مشاهدة الفيديو بعدما كشفه لارسن، يدفعنا إلى فهم المشهد كالتالي: إنّ الصلاة المرفوعة إلى الله هي صلاة مقدَّمة إلى ترامب نفسه.

بدا المشهد وكأنه طقس ديني يعيد تشكيل السياسة في صورة مقدسة، حيث يُقدَّم الزعيم كوسيط لإرادة إلهية تتجاوز الواقع. 

نحن، والحال هذه، إزاء هرطقة روحية وسياسية قلّ نظيرها. لا داعي للتذكير بدور بعض التيارات البروتستانتية، في مقدمتهم الإنجيليين دعاة "لاهوت العودة"، في إنشاء الكيان الإسرائيلي، وفي تحويل (الديانة) المسيحية التي جاءت كرفض للحضارة الرومانية (السياسي) وكقطيعة مع الأعراف اليهودية (الثقافي)، إلى مذهب يجمع البطش الرومانيّ بغية تحقيق نبوءات النص التوراتي الواردة في العهد القديم بعد قراءتها حرفياً.

هذا التحريف الديني، أو لنقلّ الفهم الدوغمائيّ، الذي جعل من "إسرائيل" مكانة مركزية في خطة الخلاص المسيحي، والذي نزع بفضل قراءته التحريفية نزع القداسة عن المجرّد وإضفائها على ما هو مدنيّ، لهو ارتكاسٌ مباشر إلى وثنية. هكذا، يخرج بين البشر ذاك الذي يمارس ويسوّغ بالقول: أنا مرسل من الله. 

الوثني المعاصر: شرٌ بمنزلة الخطيئة الأصلية

  • نخبة أميركا تصلّي لترامب..هذا ليس ذكاءً اصطناعياً!

المفارقة أنّ دونالد ترامب الذي يعلن عن رغبته في تقويض النظام في إيران لأنها "تسخّر الدين في السياسة"، وذعره مما يصفه بــ "حكم الملالي"، لا يُديِّن السياسة فحسب إنما يلبسها لبوس العناية الإلهية، مدعياً أنه مرسَل من الله ليكونه في الأرض. كأن ما ينسبه إلى "الآخر" ليس سوى انعكاس لنفسه، إسقاطٌ على الغير لما يقيم في ذاته.

نحن نشهد عصر يتسّم بأعلى مستويات السحر والخزعبلات واللاعقلانية والدجل مهما ادعى غير ذلك، وتباهى بالعقلانية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. يعود الغرب في تجلياته الشعوبية إلى القروسطية ويقوم بتحديثها. بدلاً من ملك يدّعي أنه ممثّل الله، يظهر زعيمٌ سياسي يتقمص موقع التجلي الإلهي نفسه. هناك خطر يهدد الحضارة الإنسانية إذن. 

جالساً على كرسيه داخل البيت الأبيض، ومحاطاً بقساوسة ومشعوذين بلغ فيهم العته حداً بعيداً، وعلمانيين علمويين يقدسون التقنية ويلحدون بالبشر، أراد ترامب أن يحاكي لحظة العشاء السري، لا ليقدم نفسه قرباناً عن خطيئة البشر، إنما ليضحي بالبشر متلذذاً بارتكاب خطاياه.

في هذا التحوّل، ينقلب المعنى من تضحية من أجل الإنسان إلى تضحية بالإنسان، حيث تُستخدم الرموز الدينية لتبرير العنف وإضفاء الشرعية عليه.  

من فعل تضحية فدائية بالذات كخلاص البشرية كما هو المثال المسيحي، إلى تضحية ترامب بأرواح أعدائه لخلاص أميركا، يظهر المعنى وكأنه انقلب رأساً على عقب، وكأن العالم انفلت من عقاله. لا تكتفي الإمبراطورية الأميركية في تشويه الطبيعة، والإنسان بل تشوّه الرمزيّ أيضاً في تشويهها للمقدّس الديني. 

كأننا بإزاء خطيئة أصلية جديدة ولدت مع هذا الوثني الحديث الذي يتجسد فيه الظلام الروحي في أفعاله وتصوراته وإيديولوجيته. يستحيل فهم هذا الوثني خارج تصوّر الخطيئة الأصلية، بوصفه بلوغ الشر الأخلاقي ذروته.

ورد قولٌ في إنجيل يوحنا: "من يتبعني لا يمشي في الظلام"، غير أنّ من قلب العالم رأساً على عقب يجر العالم إلى عتمة تتوالد من عتمة. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك