نادين توما تكتشف "سلاح ستّي للعمار الشامل"
"مبادرة شاملة"، هكذا يمكن اختصار "سلاح ستّي للعمار الشامل"، المبادرة التي أطلقتها اللبنانية نادين توما، مؤسِّسة "دار قنبز" في بيروت. فماذا تحمل هذه المبادرة؟
في الظاهر، هي واحدة من مبادرات عديدة لدعم المتضرّرين من العدوان الإسرائيلي، أطلقتها مثقفة لبنانية آمنت أنّ الاحتلال ليس مشكلة الجنوبيين وحدهم، وأنّ دور المثقف لا ينحصر في التنظير والوجاهة الاجتماعية. أما في العمق فهي أكثر من مجرّد مبادرة تحمل شيئاً من الابتكار يشبه روح صاحبتها، نادين توما، مؤسِّسة "دار قنبز" للنشر الذي يُعنى بأدب الأطفال.
وتكمن الفرادة في شمولية المبادرة قبل أيّ شيء آخر. كيف يمكن أن ترفع مبادرة واحدة شعار دعم النازحين بشكل عملي يساعدهم على المبادرة والإنتاج، والإضاءة على دور النساء في تعزيز الصمود في أزمنة الحروب خلافاً للنظرة المعتادة إليهن بوصفهنّ مجرّد ضحايا، ودعم البذور البلدية ومن خلفها الأمن الغذائي في لبنان في مواجهة قرارات مشبوهة، فضلاً عن التوثيق والحفاظ على التراث؟
-
صاحبة مبادرة "سلاح ستّي للعمار الشامل" والناشرة اللبنانية، نادين توما
نادين توما، التي تعشق التفاصيل، يبهجها كونك من بلدة جنوبية تحبها كثيراً وتحتفظ لها بذكرى طيبة، هي دير قانون النهر، إلى الحدّ الذي يكاد يدفعها للتسامح معك في شأن اشتراطها زيارتك لها في مساحتها اللطيفة الصغيرة التي صنعتها على صورتها في قلب العاصمة كي تحدّثك عن مبادرتها، وسط زحمة انشغالاتها التي لم تمنعها من الغرق بين دفتَي كتاب "أمي مريم تأتي إليّ" للهندية المناهضة للإبادة الجماعية في غزة، أرونداتي روي.
دور المرأة الهام أثناء الحروب
-
نساء من بنت جبيل يخبزن على الصاج عام 1978
وسط حرب عدوانية طاحنة، لم يعرف اللبنانيون نظيراً للقتل والدمار الذي شهدوه أثناءها، وتحديداً في الأول من أيار/مايو الجاري، بالتزامن مع الذكرى الــ 20 لتأسيس "دار قنبز"، أطلقت نادين توما مبادرة "سلاح ستّي للعمار الشامل"، التي تقوم على توزيع "الصاجات" و"الكارات" (قطعة من القماش يفرد فوقها العجين قبل وضعه على الصاج) و"علب الحبّ"، تحتوي على بذور وحبوب ومؤن يمكن استخدامها للطهو أو حتى للزراعة.
ليست "إعاشة ولا إعانة"، تؤكّد توما في حديثها مع "الميادين الثقافية"، وتستفيض في شرح رؤيتها بما يجعلك تستنتج أنّ ما أرادته من "سلاح ستّي" هو النقيض لذلك تماماً: تذكير المرأة بدورها الهام أثناء الحروب وتحفيزها على العمل والإنتاج، ومساعدتها في توثيق حكايتها وتجربتها في الصمود.
وكما "دار قنبز" التي استوحت اسمها من جدّتها التي كانت تعشق القنبز المحمّص والمملح، استوحت توما مبادرتها من جدّتها وسواها من النساء الكبيرات في السنّ، اللواتي تعلّمت منهنّ ماذا يعني الارتباط بالأرض، والمواسم، والمياه، والخيرات، والمؤونة، والعلاقة مع النور والسماء والشمس والهواء.
تؤكّد توما أنه وبموازاة الحرب العسكرية ثمّة حرب أخرى لا تقلّ شراسةً على الذاكرة والثقافة والتاريخ، وأنّ صمود النساء في الحروب يتكامل مع صمود المدافعين على الجبهات، وهو يتجلّى في تمسّكهنّ بأرضهنّ، وقيامهن بأدوارهن.
تؤكّد "الختيارة"، كما سمّاها جدّها مبكراً بسبب شغفها المبكر بمجالسة الجدّات، أنّ اختيارها "الصاج" دون سواه يأتي في هذا الإطار، ولارتباطه بفكرة تحفيز المرأة على الإنتاج وسط الحرب ولو من خلال صناعة الخبز لعائلتها، أو حتى بهدف بيعه، وكذلك "الكارات" التي تزامن وصولها مع حديثنا فشهدنا على احتفائها بـ"الحدث السعيد"، و"علبة الحبّ" التي تحوي البرغل، والعدس، والحمص، والفاصولياء، والزعتر، والكشك، والطحين البلدي.
معرفة أهل الأرض ببذروها
لا يغيب الهمّ السياسي عن بال توما، وهو يظهر في حرصها على جمع البذور البلدية من مزارعين وفلاحين من مختلف المناطق اللبنانية، من عكار إلى البقاع وبسكنتا والجنوب وصولاً حتى سفوح جبل الشيخ، في رسالة أرادتها تعبيراً عن التنوّع اللبناني الذي لا يكتمل المشهد من دونه، وعن رفضها لكلّ دعوات التقسيم والتقوقع والإقصاء.
أما الهمّ الاقتصادي فيحضر بدوره في اختيارها دعم البذور البلدية تحديداً، بعد مشروع قانون "تنظيم تجارة البذور والشتول" الذي حاولت الحكومة تمريره قبل فترة، والذي استبدل بالبذور البلدية بذوراً مستوردة عقيمة لا تصلح لأكثر من موسم زراعي واحد، وأجمع المراقبون على أنه يكرّس التبعية لشركات عالمية تحتكر تجارة البذور الهجينة، ويُهدِّد الأمن الغذائي للبنان.
هي "حرب موازية على بذورنا البلدية" بحسب توما، وهي "ليست غريبة على العقل الاستعماري"، تؤكد. لكن ما تستغربه هو استهجان النساء في ندوةٍ قدّمتها قبل فترة وجود مثل هذا النقاش، مؤكدةً أنّ المعرفة عند أهل الأرض يفترض أن تكون جزءاً لا يتجزّأ من "أسلحة العمار الشامل".
وتشرح نادين توما آلية المشاركة، التي تقوم على إرسال المشاركة مقطع فيديو أو تسجيلاً صوتياً لأمها أو جدّتها بينما تمارس العجن أو الخبز على الصاج، أو تحكي حكاية تتناول كيفية صمودها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، أو الاحتلال الإسرائيلي، أو حرب تموز/يوليو 2006، أو أيّ من الحروب التي عاشها لبنان، لتفوز 50 واحدة منهنّ بواحد من 50 صاجاً، وواحدة من 50 علبة من "علب الحبّ"، مشترطةً اتقانهنّ صناعة خبز الصاج، وتعهّدهنّ بنقل هذه المعرفة إلى محيطهن، من العجن إلى الخبز، ولو حتى داخل مراكز النزوح.
-
الكارات
وإذ تلفت نادين توما إلى أنّ الحملة لاقت تفاعلاً كبيراً منذ إطلاقها، وتلقّت نحو 500 طلب للمشاركة، تشير إلى أنّ "دار قنبز" ستطلق حملةً جديدة لتأمين تمويل لاستكمال المبادرة، عبر بيع "تي شيرت" يحمل شعار الحملة إلى جانب قطع فنية قدّمها فنانون دعماً للحملة، منهم رنا ظاهر.
ما أرادته نادين توما من مبادرة "سلاح ستّي" تذكير المرأة بدورها الهام أثناء الحروب وتحفيزها على العمل والإنتاج، ومساعدتها في توثيق حكايتها وتجربتها في الصمود.
وفي ختام حديثها مع "الميادين الثقافية"، تؤكّد توما أنه بموازاة الحرب العسكرية ثمّة حرب أخرى لا تقلّ شراسةً على الذاكرة والثقافة والتاريخ، وأنّ صمود النساء في الحروب يتكامل مع صمود المدافعين على الجبهات، وهو يتجلّى في تمسّكهنّ بأرضهنّ، وقيامهنّ بأدوارهنّ التي لا تقلّ أهمية عن حمل السلاح وفي طليعتها التربية التي يشكّلن أساسها والتي تحمل عمقاً تتجذّر فيه العلاقة مع الأرض والبلاد والانتماء، وهو ما يعزّز العيش المشترك، أساس الإعمار الحقيقي.

