عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: الحرب في مرحلة الحسم، وعالمية النموذج الإيراني
كيف أظهرت معركة الـ39 يوماً (28 شباط/فبراير 2026)، الإحساس اليقيني بأنّ مسارات الحرب تسير نحو الحسم والانتصار؟ السيّد عادل عبد المهدي يشرح لماذا تصلح التجربة الإيرانية كنموذج عالمي يلهم بقية الشعوب.
-
ما هي مقوّمات النموذج الإيراني في الزمان والمكان والعقيدة؟
انتهت المراحل السابقة، ودخلنا مرحلة جديدة. انتهت مراحل الهزائم. ثم دخلنا مرحلة المقاومة والصمود. وننتقل الآن إلى مرحلة الحسم (وسنأتي لاحقاً على تعريفها). وهي مرحلة قد تستمر لسنوات. علماً أنه يجب التأكيد أننا نعيش في عالم سقطت فيه القوانين الدولية والأعراف حتى بين دول الجوار. وباتت السياسات والقرارات التي تتبناها قوى الهيمنة والصهيونية هي الحاكمة.
وعندما يحصل ذلك لدى طرف، فإنّ الطرف الآخر (المقاوم) سيدافع عن حقوقه ومصالحه بقوة رادعة. ولن يُخدع إطلاقاً بمنطق الكيل بمكيالين، الذي يخضع له العاجزون والضعفاء.
نحن أمام فصل عنصري ليس على صعيد دولة بعينها، بل على صعيد عالمي. حريات مطلقة للطرف المهيمن والمستكبر، وقيود مطلقة على الآخر المستضعف والتابع.
وكمثالين سريعين، فعندما تردّ إيران على القواعد في الدول المجاورة التي تنطلق منها الهجمات عليها، تثار سيادة الدول. لكن تبرّر الجهات نفسها الوجود والعمليات التركية في العراق، بحجّة وجود الـ PKK. والأمر نفسه، عندما تضغط أميركا لإلغاء عقد شركة الاستثمارات الصينية (هانشيسون) في بنما، بحجّة حماية المصالح الأميركية.
رغم أنّ بنما تفصلها على الأقل كوستريكا ونيكاراغوا والهندوراس والسلفادور وغواتيمالا وبليز والمكسيك عن الولايات المتحدة،. لكنّ أميركا (ومعها معسكرها) ترفض الأمر نفسه عندما يتعلّق بمضيق هرمز الواقع كلياً في المياه الإقليمية المتداخلة الإيرانية والعُمانية. وقس على ذلك.
وفي بحثنا هذا سنقف أساساً عند جبهة غرب آسيا وخصوصاً إيران. وسيتضمّن البحث قسمين:
القسم الأول: مراحل توازنات القوى
وتتضمّن باختصار
- مرحلة الانتكاسات والهزائم.
- مرحلة التوازنات والاستقلال الناقص.
- مرحلة الحسم
- ما المقصود بمرحلة الحسم
- عملية الالتفاف
- مآلات الالتفاف
- توازن إقليمي جديد؟
- النتائج
القسم الثاني: عالمية النموذج الإيراني
- معالم النموذج
- النموذج الايراني
- مزايا النموذج الايراني
- لماذا هو نموذج عالمي جديد/قديم.
- أين يكمن التحدّي؟.
القسم الأول: مراحل توازنات القوى
1- مرحلة الانتكاسات والهزائم: قبل انطلاق الاستعمار، كان العالم –ومنطقتنا منه- حضارات ودولاً وجماعات متجاورة. تتدافع وتسالم بعضها بعضاً. أو تحارب من أجل توسيع هيمنتها وسيطرتها.
لكنّ أيّاً منها لم تقم نظاماً عالمياً بمقوّماته العسكرية والاقتصادية والقيمية والاجتماعية والسياسية كافة، كما فعل الاستعمار. فالحضارة الإسلامية حتى نهاية القرن الخامس عشر كانت تنتشر في آسيا الوسطى حتى حدود الصين من ناحية إيران. وفي جنوب أوروبا وشرقها وشمال أفريقيا وغرب آسيا، من ناحية الدولة العثمانية.
أ- مع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الاولى، إنهار حكم القاجاريين في إيران. وفرضت بريطانيا سيطرتها على البلاد، من خلال معاهدة (1919). التي جعلت إيران محمية بريطانية فعلية. وفي 1921، حصل الانقلاب العسكري الذي أسس لحكم "رضا شاه بهلوي". كما أنهارت الدولة العثمانية. ووقّعت معاهدة سيفر (1920) التي جرّدت الدولة من معظم ممتلكاتها. وفي الحالتين بدأت الحملات المنسّقة للسيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية على المنطقة.
ب- تجزئة العالم الإسلامي، وسايكس بيكو (1916) ووعد بلفور (1917)، والحرب العالمية الثانية (1939-1945).
ج- النكبة في فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني (1948).
2- مرحلة التوازنات والاستقلال الناقص: انتصرت ثورة تموز/يوليو (1952) في مصر رداً على هزيمة النكبة والتقسيم. وتمّ تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر (1956). وقامت الوحدة المصرية السورية (1958)، وثورة تموز/يوليو في العراق (1958)، وانهيار حلف بغداد، واستقلال الجزائر (1962). وحصلت انقلابات وتغيّرات في الاتجاه ذاته في ليبيا والسودان واليمن وغيرها. رغم هذه النجاحات فإنّ الانظمة التي قادت تلك النجاحات لم تحرّر نفسها وشعوبها من براثن الاستعمار نهائياً، بل استعارت معظم برامج الغرب ومفاهيمه، فحصلت انتكاسات.
وانهارت الوحدة بين سوريا ومصر (1961). ثم هزيمة حرب 5 حزيران/يونيو (1967). لتعقب ذلك حرب (1973) ومبادرة القوات المصرية والسورية بمهاجمة القوات الاسرائيلية في سيناء والجولان. لتأتي بعد ذلك زيارة الرئيس السادات إلى الكنيست، واتفاقات كامب ديفيد (1978).
3- مرحلة الحسم: انتصرت الثورة الاسلامية في إيران (1979)، واندلعت الانتفاضات الفلسطينية (1987 و2000)، وحرب تحرير لبنان (1982-2000)، وحرب تموز (2006). ثم معارك غزة والضفة وصولاً الى "طوفان الأقصى" وحرب الإسناد في لبنان (2023).
وبعدها دخول اليمن الحرب، وقصف الكيان الصهيوني وربط ذلك بايقاف حرب الإبادة على غزة. وعمليات الوعد الصادق الإيرانية (1، 2، 3) في (2024-2025)، ثمّ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو (2025)، وأخيراً وليس آخراً، عودة الحرب بين الطرفين، والتي بدأت باغتيال الإمام الخامنئي في 28 شباط/فبراير 2026، واستمرت 39 يوماً. وانتهت بتوقيع الرئيسين الإيراني والأميركي اتفاق 16 حزيران/يونيو 2026. والذي اعتبر وثيقة هزيمة مكتملة الشروط، بحسب المفكّر الكبير "جون ميرشايمر" أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو.
وقد أظهرت معركة الـ39 يوماً (28 شباط/فبراير 2026)، ثمّ التشييع المليوني المهيب (43 مليون مشيّع بحسب الإحصاءات) لشهيد الأمة الإمام الخامنئي، في إيران والعراق في 4-10 تموز/يوليو 2026. ووفود الدول التي حضرت المراسم عن الإحساس اليقيني بأنّ مسارات الحرب تسير نحو الحسم والانتصار.
وسبق أن ذكرنا بأنّ حرب الـ (12) يوماً هي بمثابة "ستالينغراد" هذه الحرب. فهي لم تُنهِ الحرب لكن رسمت مستقبلها. وقد برهن الردّ المضاعف الإيراني على الاستفزازات الأميركية خلال مراسم التشييع عن القناعة والتصميم على إنجاز متطلّبات هذه الحرب.
4- ما هو المقصود بمرحلة الحسم: ابتداءً لا نقصد بذلك انتهاء المعاناة والمعارك وتحقيق الانتصار الناجز، ولا نقصد زوال "الكيان" أو انهيار أميركيا، أو انتهاء الهجمات والهجمات المضادة. فالحرب طويلة ومستمرة ولم تتوقّف لتبدأ من جديد، كما لا تعني إقرار الإسرائيلي والأميركي بهزيمته.
ولا تعني أنهما (ومعهما الغربي) لن يحقّقا أية نجاحات مقبلة. بل تعني أنهم في خط نازل استراتيجياً، وأنّ الجبهة التي تواجههما، في خط صاعد استراتيجياً. ونحن اليوم أمام واقع جديد تماماً. صحيح هناك دبلوماسية ومحاججات ومجادلات، لكننا انتقلنا بشكل شبه تامّ إلى الميدان وفرض الأمور الواقعية.
فمبادىء القانون، وحسن الجوار، والسيادة، وغيرها، ستخترق ولن تحترم من الجميع، إن لم يحترمها الجميع. فنصبح أمام حقيقة سرمدية ربانية لا مجاملة أو مناورات فيها. "واعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم" أو "تُقتلون وتَقتلون". فعموماً نحن نعيش قوانين وقرارات ووحدة ساحات وخطابات الحرب الشاملة، وتتراجع يوماً بعد آخر قوانين السلم، وحدود وسيادات الدول ومواثيق القوانين الدولية والمؤسسات الأممية.
5- عملية الالتفاف: ستحاول الولايات المتحدة (ومعها "إسرائيل" والغرب) أن تعيد تشكيل مواقفها وتحالفاتها لتغطّي على وثيقة هزيمتها، وما سُمّي باتفاق إسلام آباد في (17 حزيران/يونيو 2026)، وتفرغها من مضامينها وتتهرّب من التزاماتها.. فلجأت الى اتفاق واشنطن في (26 حزيران/يونيو 2026). ثم بيان لقمّة مجلس التعاون الخليجي في (28 نيسان/أبريل 2026)، والكلام عن الصواريخ الإيرانية وممر هرمز.
وإيجاد ممر آخر عبر عُمان. واستضافة القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) حواراً أمنياً إقليمياً في المنامة في أوائل تموز/يوليو (2026) برئاسة قائد "سنتكوم"، ومشاركة كبار القادة العسكريين من البحرين والسعودية والإمارات وقطر وعُمان والكويت ومصر والأردن واليمن ولبنان وسوريا. ثمّ اجتماع "الناتو" في أنقرة في (7، 8) تموز/يوليو الجاري، وكلام الرئيس ترامب عن مساعدة تركيا وسوريا في حربه ضد إيران وفي المنطقة.
6- مآلات الالتفاف على اتفاق إسلام آباد ومخرجاته:
أ- يقيناً أنّ أبرز هدف لعملية الالتفاف هو إثارة الفتنة والاقتتال سواء داخل البلدان أو بينها، أو كليهما. ويقيناً ستحقّق العملية بعض النجاحات وستستفيد منها "إسرائيل" والولايات المتحدة. لكنّ كلّ ذلك سيصلّب قدرات المقاومة ومواقف إيران بدل أن يضعفها.
فمثل هذه السياسات جُرّبت في السابق، وفشلت، وإنّ تكرارها سيزيد الفوضى في المنطقة، وسيؤثّر على الاقتصاديات العالمية، وسيستنهض المزيد من المقاومة. فهذه السياسات فخ تقع فيه الولايات المتحدة بالضدّ من تحقيق الاستقرار وخفض أسعار الطاقة، وانسيابية عمل النظام والقضاء على إيران والمقاومة.
على العكس فإنها تكشف حدود القدرات الأميركية ومن يسير في ركبها.
فإيران تفاوض اليوم من موقع "الندية" وليس "الضعف". وهي تمتلك من الأوراق أكثر مما يمتلك خصومها. وتطرح مفهوم الالتزام مقابل الالتزام.
بعيداً عن التفاسير الأحادية. هذه الصلابة ليست عناداً أحمق، بل قراءة دقيقة لحقيقة أنّ العدو أصبح في سباق مع الزمن والاقتصاد ودرء التآكلات الداخلية في صفوفه، قبل أن يكون في سباق مع الجغرافيا والتحالفات المتهرئة، وقدرات التدمير والقتل التي جرّبها كلّها وفشل. بل قد ترى إيران في محاولات التجميع الاعتباطية للدول، التي كانت دائماً في ركبها، علامات ضعف متزايد، بدل أن ترى فيها جبهة فاعلة جديدة تستطيع تغيير مجريات الأوضاع.
ب- بعض المؤشرات التي توكّد أننا أمام تحوّل استراتيجي، وليس مجرّد انتصار مؤقت:
- يعلم الجميع أنّ الاستراتيجية الأميركية هي الانسحاب من المنطقة. هكذا فعلت في أفغانستان، والأمر نفسه في العراق وجزئياً في سوريا، وقد بيّنت ذلك بوثائق رسمية صدرت عن البيت الأبييض في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بعنوان (الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة). وأكدتها لاحقاً وثيقة شبيهة عن وزارة الدفاع في مطلع (2026).
وعليه فإنّ جمع عدد كبير من دول المنطقة وإملاء البيانات عليها لن يعالج هذا التراجع. فهذه الدول جرّبت الحرب المباشرة سواء مع إيران (حرب الخليج الأولى والحروب الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز)، أو حماس والجهاد (حرب غزة)، أو حزب الله (حرب الـ66 يوماً والحرب الاخيرة)، أو أنصار الله (حرب البحر الأحمر وانسحاب الأسطول الأميركي). وأدّت نتائج تلك الحروب إلى كوارث كانت جزءاً من تغيّر موازين القوى الذي نشهده حالياً. فهناك معادلة قد انهارت. وما لم تدخل عوامل قوة جديدة حقيقية، فإنّ البناءات ذاتها ستقود إلى النتائج ذاتها. فكيف الحال إذا كانت قدرات ايران والمقاومة قد تقدّمت كثيراً، وتراجعت قدرات الطرف الآخر في الكثير من الأمور.
- يشير سعي الولايات المتحدة والناتو للتلاعب بالموقفين التركي والسوري إلى مدى ضعف الولايات المتحدة في تجميع قواها لمواجهة إيران ومحور المقاومة. فتركيا تسعى لأن تكون قائدة، أو إحدى قيادات العالم الإسلامي. وتستضيف قيادات حماس والمنظمات الفلسطينية، وأدانت الإبادة في غزة، وتعلن وقوفها مع القضية الفلسطينية، وضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، واستنكرت العدوان على إيران. وإن استخدامها كورقة مضادة، يشبه استخدام هتلر للاتحاد السوفياتي في بداية الحرب العالمية الثانية، فقد ساعدته في تقدّمه الأوروبي، لكنها انقلبت عليه لتكون إحدى أهم عوامل هزيمته في مجمل الحرب. وهو ما يفسّر القلق والمخاوف الإسرائيلية من التقارب التركي-الأميركي. رغم أنّ تركيا تستثمر ازدواجية مواقفها من إبقاء اعترافها بـــ "إسرائيل"، أو عضويتها في الناتو وعلاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة، للحصول على أدوار ومكاسب، جزئية لن تؤثّر بحسب رؤيتنا على عمق الموقف التركي.
- هبوط الطائرة الايرانية في صنعاء: هذا الحدث بالغ الدلالة، لأنه يعني بدء عملية فكّ الحصار عن اليمن. مما يعني ضخّ قوى إضافية حقيقية جديدة. ستعزّز من قدرات وقوة محور المقاومة. وهذا قد يعني أنّ السعودية متردّدة، فهي لم تتمكّن من منع العملية رغم إدانتها لها. إما بسبب العجز، أو عدم الرغبة في إغلاق باب التفاوض كلياً. وهو ما نرجّحه، خصوصاً مع حضور وفد سعودي مهم في مراسم تشييع السيد الخامنئي في طهران.
وأنّ وصول طائرة إيرانية ثانية في 13 تموز/يوليو الجاري إلى مطار الحديدة، دليل على التصميم الإيراني/اليمني على فكّ الحصار. وليس من دون دلالات أنّ عملية قصف مطار صنعاء، أعلنه وتبنّاه حلفاء السعودية في اليمن، وأعقب ذلك بعد فترة قصيرة قصف أنصار الله لمطار "أبها" ولمواقع سعودية أخرى. مما يشير إلى تصميم يمني حاسم بالتصدّي. فنحن نقف اليوم ليس أمام مجاملات، بل أمام تصميم من جهة، وسياسات الأمر الواقع ومناورات الحروب من جهة أخرى.
ويعلم الجميع أنّ اندلاع الحرب على هذه الجبهة قد يقود إلى إغلاق باب المندب وتعثّر الملاحة في البحر الأحمر بكلّ ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية. ستضاف للتداعيات التي تسبّبها الحرب وإغلاق مضيق هرمز. لذلك نقول إنّ التصعيد من قبل الولايات المتحدة، هو وقوع في الفخّ بدل إنجاح عملية التفاف على اتفاق 16 حزيران/يونيو بين أميركا وإيران.
- تشييع الإمام الخامنئي في إيران والعراق: فهو يعبّر في إيران عن حسم نهائي لمسألة إسقاط النظام، بل على العكس تظهر شعارات الثأر عن أحاسيس الغضب والجرأة. وهذه ليست قضية عاطفية فقط، بل تعبير عن مواقف واعية تأتي بعد معاناة طويلة من الدمار والقتل والحرب والحضور في الميادين، وبعد عقود طويلة من العقوبات والحصار.
ويعبّر التشييع المليوني في العراق عن رسائل سياسية وتعبوية واضحة. فالقضية هي قضية ولاء وانحياز واضح، وأنّ محور المقاومة قوي وله بيئة واسعة جداً.
فالعمق الشيعي، والوطني العراقي، هو جزء لا يتجزأ من معادلة الردع لمحور المقاومة. وإنّ الضغط الأميركي لعزل العراق عن هذا المحور تحت ظل هذا الشعار أو ذاك، سيبقى محاولات، سرعان ما تطوّقها وقائع الميدان المضادة.
7- توازن إقليمي جديد؟: قد نكون أمام توازن جديد عماده إيران والعراق واليمن وفلسطين وقطر وعُمان وتركيا ومصر والسعودية وباكستان. لن تتطابق المواقف، فكثير من هذه الدول ستحافظ على علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، بل إنّ بعضها لديه علاقات بالكيان الصهيوني.
لكنّ انفصالاً معيناً يجري أمام أنظارنا بين السياسات الرسمية للأنظمة والوقائع الميدانية، فنحن أمام منطقة فراغ لا بدّ أن تملؤها القوى الإقليمية. فعلاقات الحوار والتعاون مع إيران باتت ضرورة، فدول المنطقة أمام خيارين؛ إما الدخول في حروب مدمّرة طويلة الأمد تهدّد وجودها الجماعي، أو التساكن الإقليمي لسد الفراغ بما يحفظ أمنها ومصالحها.
ولمواجهة التهديدات الإسرائيلية بمشاريع "إسرائيل الكبرى". فالحسم الجاري الذي نتكلّم عنه هو حسم تفاوضي دبلوماسي وميداني (استخدام القوة)، تفرضه موازين القوى الجديدة، وليس حسماً عسكرياً. هذا التوازن والتساكن بقدر ما تقف ضده قوى دولية، ستشجعه بقوة قوى دولية أيضاً. وستشجعه معادلات دولية جديدة أيضاً، منها تراجع القطبية الأحادية. وصعود أقطاب وبدائل جديدة.
8- النتائج الأكثر احتمالاً:
أ- انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، ليس بسبب اتفاق واشنطن، بل بسبب الاستنزاف.
ب- عودة العلاقات السعودية – الإيرانية لتشمل ملفات أمن الطاقة واليمن، مما يعيد اليمن كدولة موحّدة قوية بين دول المنطقة.
ج- دور عراقي محوري كجسر بين طهران والخليج، من جهة، وهو ما يحدث بالفعل على الأرض.
د- ستبقى فلسطين البوصلة والعقدة الأصعب، وستزداد فرص معادلة "حلّ الدولتين" أو "الدولة الواحدة" بصيغة إقليمية تنهي مشروع "إسرائيل الكبرى". كما ستبقى فلسطين الفيصل للحكم على مدى الإخلاص في المواقف، أو مدى عمليات المداهنة وسياسات الأوجه المزدوجة.
القسم الثاني: عالمية النموذج الإيراني
صحيح أنّ العَلَم وحب الوطن يوحّدان صفوف الشعوب ومنها إيران. لكنني أعتقد أنّ هناك حقيقة أخرى عابرة للقومية والطبقية والمؤسساتية تتعلّق بالتربية الإسلامية والحسينية على وجه الخصوص. وهي التي تتوارثها الشعوب، بمراسيمها وعباداتها ودعواتها من دون أن تدرك دائماً المضامين التربوية الدائمة التي تزرعها في النفوس جيلاً بعد جيل. فيتشكّل خزين مقاوم، صبور، وجهادي قد لا يشعر المواطنون به في الأيام العادية، لكنه هو الذي يستنهضهم في أيام الملمّات والصعوبات.
هذه الروح عندما تتولّد عند الشعب، خصوصاً مع غلو العدوان وشدّة بطشه ستولّد سلوكاً يتجاوز التحليلات السطحية، لتنتقل هذه الروح إلى كتلة شعبية وازنة تزداد صبراً وعناداً ووعياً في كلّ يوم. لتصبح هي العامل الحاسم للصمود والنجاح، فالوحدة تحت العلم الوطني عنصر مهم لكسب المعارك، لكنه ليس المحرّك الجوهري للصبر الأسطوري في مختلف الجبهات.
الاعتقاد العميق بأنّ الشهادة تمنح الحياة الأبدية، واستلهام شهادة الحسين عليه السلام، تتحوّل من عقيدة وفكرة دينية إلى نمط حياة، وبنيان ثقافي ومؤسساتي وسياسي يمنح المجتمع والمقاومة حالة فريدة من "المناعة الاستراتيجية".
1- معالم النموذج:
أ- المعركة الكربلائية هي نصر "تحت الرماد": ففي الثقافة الغربية، يُقاس النصر باحتلال الأرض أو تدمير العدو. أما في الثقافة الإسلامية والحسينية، فـ"النصر" لا يُقاس وليد اللحظة. فواقعة الطف لم تكن نصراً عسكرياً للأمويين، بل كانت نصراً أخلاقياً خلّد الإمام الحسين عليه السلام في الضمير الجمعي.
هذه التربية تجعل الإيرانيين والمقاومين يتحمّلون العقوبات والحصار لعقود، لإنهم ينظرون إلى المعركة بعين "الاستراتيجية الطويلة" التي تستنزف العدو. فتولد الثقة لدى المقاومين، واليأس والتخبّط لدى الأعداء. مما يقنع الطرف الأول بالنصر، ولو المؤجّل، فيزداد جرأة، ويزداد التأييد له وتتوسّع حاضناته، ويرهق العدو ويزداد ضعفاً وعزلة.
ب- مفهوم "الغيبة والظهور" و"التحكّم بمنطق الزمن": يربّي الإسلام بظهور الإمام المهدي عليه السلام. ففكرة الفرج قوية لدى المسلمين، خصوصاً الشيعة. وأنّ الإيمان الحقيقي يُختبر بالصبر والابتلاء زمن الغيبة. هذه التربية تلغي مفهوم "اليأس" من التأخّر الزمني.
فعندما تفرض واشنطن عقوبات، أو تهاجم "إسرائيل" لبنان وغزة، فإنّ الردّ لن يكون انهياراً نفسياً، كما حصل لمعظم الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية، فاستسلم كبار سياسييهم وقادتهم للاحتلال. بل ستكون في الحالة الإسلامية والكربلائية "امتحاناً إلهياً" يوجب المزيد من التماسك والصمود والتضحية.
ج- الشهادة وفلسفة التضحية بالنفس كاستثمار استراتيجي: في الأنظمة الغربية، فإنّ الهدف الأساس هو الحفاظ على حياة الجنود، والآثار النفسية السلبية على مجتمعاتهم. أما في التربية الإسلامية والحسينية، فالحفاظ على النفس واجب، لكنّ الدفاع عن الحقّ حتى لو استوجب الشهادة ليس نهاية مأساوية، بل كرامة إلهية وحياة أبدية في جنات الخلد، وفخر واعتزاز لمحبّي الشهيد وأسرته. وهو ما ظهر واضحاً في تأبين الشهداء سليماني والسيد نصر الله والقائد إسماعيل هنية والإمام الخامنئي والآلاف غيرهم. حيث تحوّلت الفاجعة إلى عهد واستفتاء جماهيري للتماسك والاستمرار والصمود. فشهدنا ولادة آلاف القادة المصمّمين على السير بمنهجهم.
د- العزاء "كأداة للوحدة المجتمعية": فمهما كانت جنسية أو قومية أو مذهب الإنسان، فإنه سيشعر عندما يشارك في مواكب العزاء أنه جزء من "جسد واحد". له مُثل واحدة. ويرتبط بأهداف واحدة. وأنّ هذه الشبكة المتداخلة والمركّبة والمعقّدة والمتواصلة من التجمّعات التضامنية والعاطفية تخلق "تضامناً عضوياً"، لا تحتاج فيه القيادة إلى أجهزة دعائية مكلفة.
أو الى سرديات وتشكيلات وعرفاء وتنظيمات بيروقراطية. فكلّ شيء طبيعي، وفطري تربّت عليه هذه الجموع التي قد تكون أخذت جرعات بسيطة في مراحلها الأولى. لكن مع دعايات العدو الواسعة، وهجماته المتغوّلة، والتي لا تفرّق بين مقاتل ومدني، ورجل وامرأة وطفل، فإنّ هذه الجرعات ستزداد، لترتفع محفّزات التعبئة والحصانة التي تحملها بيئة المقاومة.
هـ- "ولاية الفقيه": لا امتلك المؤهّلات العلمية لمناقشة ولاية الفقيه من الناحية الفقهية. لكنني أتحدّث عنها من الناحية التنظيمية والسياسية والإدارية. فولاية الفقيه أسست لمفاهيم الحكم والدولة، ومنها ولدت فكرة الحكومة الإسلامية للإمام الخميني قدّس سره. وقد برهنت ولاية الفقيه أنها كانت حاضنة ومتعايشة مع التيارات الأساسية للفقه الجعفري.
كذلك فإنّ ولاية الفقيه أسست لمفاهيم الدفاع عن القدس وتحرير فلسطين والوحدة الإسلامية، واستطاعت التعايش والتعامل مع تيارات إسلامية من المذاهب الأخرى. وانفتحت -كرؤية إسلامية- على بقية الرسائل السماوية من أهل الكتاب. ووسّعت رؤيتها لتشمل كلّ أحرار العالم بغضّ النظر عن معتقداتهم، وطرحت مفاهيم سياسية جديدة لم تكن متداولة، كالمستضعفين الواجب مناصرتهم، والمستكبرين الواجب معاداتهم. مركّزة على الشيطان الأكبر (أميركا) والغدة السرطانية (الكيان الصهيوني). لذلك أفرزت ولاية الفقية كممارسة تزاوج بين الرؤية الدينية والواقعية السياسية المعاصرة.
و- ولاية الفقيه "ديمقراطية" ثنائية وليست أحادية: إنها "ديمقراطية" من أعلى ومن القاعدة، إن صحّ التعبير، وليس من القاعدة فقط. فـالديمقراطية التي استوردناها من الغرب سواء الملكية أو الجمهورية، هي الوصول إلى إرادة الشعب، وديمقراطية الصوت الواحد والانتخابات والمؤسسات الدستورية واستقلالية القضاء، إلخ. وسنجد في تطبيقات "ولاية الفقيه" والنموذج الإيراني أموراً مشابهة وأخرى مختلفة، وهذه بعض الملاحظات:
- ينتخب مجلس الخبراء الولي الفقيه. ويتمّ انتخاب أعضاء المجلس أنفسهم في كلّ محافظات إيران من الشعب مباشرة، بغضّ النظر عن طبيعة مذاهب سكانها أو دينهم، ويضمّ مجلس الخبراء 88 من علماء الشيعة والسنة.
ومن السنة مثلاً مولوي سلامي، ومولوي عارفي عن محافظة سيستان وبلوشستان، والحاج غراوي عن محافظة كلستان. وهناك شروط يحدّدها الدستور والأنظمة للولي الفقيه (وكذلك لأعضاء مجلس الخبراء). كالعلم والنزاهة العالية والصدق والأمانة وحسن السيرة والعدالة والتديّن والإيمان والإخلاص، إلخ. وهذه كلّها لا تمثّل ورقة انتخابية قابلة للتزوير أو الشراء والبيع، أو التصنيع خلال فترة قصيرة. فهي سلوك حياتي طويل تبنى مقوّماته بكلّ شفافية وأمام الملأ بكلّ تفاصيلها.
إنّ انتخاب ولي الأمر وهو القائد، هو انتخاب أصيل، يخضع لتدقيقات صارمة وشفّافة بعيداً عن أية قسرية. لذلك يعبّر عن قناعة عميقة ومدققة بتوفّر كامل الشروط، خلاف اختيار القيادات في التجارب الأخرى. ويتمتع الولي القائد بصلاحيات واسعة، لكنها مقيّدة بالحقوق المنصوص عليها دستورياً. فيحترم صلاحيات مجلس الشورى المنتخب مباشرة من الشعب، وقرارات الحكومة وبقية المؤسسات، حتى وإن اختلف معها. ولا يعطّلها إلا وفق طرق دستورية محدّدة.
- أما "الديمقراطية" من القاعدة، فيمثّلها الاحترام الدقيق للدستور وللمؤسساتية، وللانتخابات التشريعية وانبثاق الحكومات من الانتخابات ومسؤولياتها أمام مجلس الشورى، وباقي الانتخابات التي أسست لها الجمهورية الإسلامية، والتي خاضتها بغضّ النظر عن الظروف الصعبة التي كانت تواجهها في مختلف مراحلها خلال العقود الطويلة السابقة.
- مقارنة "ولاية الفقيه" بالنظم الملكية: من مزايا النظم الملكية الدستورية أنها تحفظ نوعاً من الاستقرار والثبات على المدى الطويل، على خلاف الأنظمة الجمهورية التي قد تتعرّض لهزّات عنيفة من دون صمام أمان يمكن أن يتعامل مع هذه الهزّات. لكنّ مشكلة النظم الملكية أنها تؤسّس أرستقراطيات متعالية على الشعب، ونظماً وراثية.
وهذا يختلف عن ولاية الفقيه، فولي الأمر يلتقي دورياً بمختلف شرائح الشعب. وخلافاً للملكية يغيب الجانب الوراثي في الولي الفقيه. فلم يخلف أحد أبناء الإمام الخميني بعد رحيله. وقد رفض الإمام الخامنئي تسمية بديله، بل ترك ذلك لمجلس الخبراء الذي اختار السيد مجتبى، لتمتّعه بالصفات المطلوبة لهذه المرحلة، وليس لأنه ابن الراحل، حيث طُرحت أسماء عديدة، وفاز السيد مجتبى بأغلبية أصوات مجلس الخبراء، وليس بإجماعهم.
2- النموذج الإيراني: تنتقل "ولاية الفقيه" كمنظومة حكم" من قراءة الأداة إلى قراءة الجوهر. فهي نموذج حضاري شامل، وتجربة فريدة في قدرتها على الاحتواء وليس الإقصاء، وعلى المقاومة وليس الخنوع والاستسلام، وعلى البناء والانتماء والهوية وليس الهدم والبلبلة والضياع، وعلى الوحدة وتحويل الخلاف المذهبي الى تنوّع داخلي، وتحويل الظلم والعدوانية الى عدو مشترك للوطن والشعب والبشرية. كلّ ذلك تحت مظلة السياسة والمفاهيم المدنية المتفق عليها، وليس العقائدية فقط.
فالنموذج الإيراني قائم بذاته. وقابل للاستفادة والاستلهام كمضامين ومفاهيم عامّة، وليس كصياغات جامدة، حتى في ظلّ أيديولوجيات ومعتقدات وظروف شعوب مختلفة.
وهذه مقاربات قد تكون مفيدة:
أ- جمهورية إفلاطون والمدينة الفاضلة وولاية الفقيه: يمكن استلهام نموذج "ولاية الفقيه" من قبل غير الشيعة، أو حتى غير المسلمين. تماماً كما يتمّ استلهام جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة للفارابي. التي تقدّم نموذج الدولة المثالية الهادفة إلى تحقيق العدالة. وكانت مصادر مهمة ألهمت الكثير من النظريات والأنظمة الحاكمة اليوم. وهذه بعض التطابقات والفوارق بين هذه النماذج.
- الحاكم الأعلى: عند إفلاطون يسمّى "الملك الفيلسوف" الذي يصل إلى الحقيقة عبر العقل والتأمّل. وعند الفارابي يسمّيه "الرئيس الأعلى" الذي يجب أن تتوفّر فيه شروط عقلية وروحية، حيث دمج الفارابي مفهوم الفيلسوف اليوناني مع مفهوم "النبي" و"الإمام" في الفكر الإسلامي، ليكون على اتصال بالعقل الفعّال. بينما تمنح "ولاية الفقيه" الدور القيادي للولي الفقيه المستوفي للشروط.
- الغاية الأساسية: يتفقون على أنّ الهدف الأسمى للمدينة أو الدولة ليس التوسّع أو الثروة، بل تحقيق العدالة وضمان السعادة القصوى. للمواطن والإنسان.
- التقسيم الاجتماعي والطبقي: رتّب الفارابي الاجتماع بحسب قدرات ومهام أفراده. بينما يقسّم إفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات. هم الحكماء/الفلاسفة للحكم، والحُرّاس للدفاع، والعامة للإنتاج. ولا تقسّم "ولاية الفقيه" المجتمع الى طبقات متمايزة، بل أقامت إشرافاً على مناهج البلاد من أعلى عن طريق الولي الفقيه من جهة، والضوابط والإجراءات للدولة التي تمارسها السلطات المنتخبة ودوائر الرقابة الدستورية من جهة أخرى.
- الإطار الفكري: اعتمد إفلاطون على الفلسفة والعقل الوثني اليوناني، بينما اعتمد الفارابي على العقيدة الإسلامية معتبراً أنّ غاية هذه المدينة هي التقرّب إلى الله (السبب الأول) وتحقيق السعادة في الدارين. وهو ما تؤكّده ولاية الفقيه أيضاً.
3- مزايا النموذج الإيراني: الذي يميّز التجربة الإيرانية هو أنها محصّنة الى درجة كبيرة في مواجهة العقوبات وما قد يقود للانهيار المجتمعي. فعندما يُعاقِب الغرب ويدمّر ويحاصر الشعوب، فهو يعتقد أنّ ارتفاع الأسعار أو فرض العزلة سينتج "ربيعاً إيرانياً".
وهو ما حصل وسيحصل مع مجتمعات وقيادات تخترقها القيم الغربية. لكن في حالة الجمهورية الإسلامية فإنّ مثل هذه الأفعال ستنتج تماسكاً إسلامياً وحسينياً سيبقى عصياً على كلّ المناورات والألاعيب السياسية والهجمات العدوانية العنيفة.
وما نراه اليوم من تشييع الإمام الخامنئي، وحضور قادة العالم وملايين المشيّعيين في إيران والعراق هو ليس مجرّد وداع قائد، بل هو "تجديد البيعة". وولادة موجات جديدة أوسع من موجة الأساس.
وهذا ما يمنح أبناءها القدرة على رؤية المشهد بعيون من ينتظر النصر الإلهي، وليس بعيون من يخاف من الخسائر الدنيوية، على أهميتها.
وهو مشروع توحيدي:
أ- بين المكوّنات والقوى السياسية:
- مع باقي الشيعة: لم تُلغِ المرجعيات الأخرى، بل تعايشت معها. مما جعل إيران "بيت الشيعة" وليست "حزب الشيعة".
- مع السنة: بتبنّي قضايا كفلسطين والقدس، ومؤتمرات الوحدة الإسلامية والوحدة بين المذاهب والمؤتمر الإسلامي وغيرها، و التي يحضرها العلماء من كلّ الاتجاهات. مما ساعد على تجاوز الكثير من الخلافات، والوصول في عدد كبير من القضايا الى أرضيات مشتركة.
- مع الهويات الأخرى كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين وغيرهم: فقد تمّ الإقرار بحقوقهم الدينية، والثقافية والسياسية. فخصّصت لهم مقاعد في مجلس الشورى، وخلقت نموذجاً في "المواطنة الدينية" لدولة تحترم دينها وأديان الآخرين.
- مع العلمانيين: إذ ساعدها استخدام مفاهيم "المستضعفين" و"الاستكبار" على عدم الغرق في صراع الإسلام ضدّ العلمانية. لتستثمره وتحوّله الى صراع بين الجنوب والشمال، وبين الدول الغنية والفقيرة، وبين الدول المعتدى عليها والدول المعتدية، وبين الشعوب المضطهدة والاحتلال والفصل العنصري وحروب الإبادة.
- مع المجاميع السياسية وقوى محور المقاومة.
ب- على صعيد الدول: فتحت الطريق أمام عدة خرائط يمكن العمل عليها:
- الخارطة السياسية: فالمنطقة تطبخ تشكيلاتها المستقبلية. ليس بثنائية معسكر أميركا و"إسرائيل" ضدّ إيران والمقاومة. بل بشراكة أو تحالفات مناطقية متعدّدة الأقطاب.
- الخارطة الاقتصادية، واحتمال الانفكاك من الدولار، والنفط الأحادي:
· شبكات الطاقة البديلة: خطوط أنابيب الغاز من إيران عبر العراق وسوريا، و/أو تركيا إلى أوروبا. أو عبر الخليج إلى سوريا ولبنان، مما يربط أمن الطاقة الأوروبي مباشرة باستقرار العلاقات مع المنطقة وطهران وبقية المراكز.
· ممرات برية وبحرية جديدة: كممر "البصرة- ميناء الفاو-تركيا – أوروبا. و/أو ممر البصرة،-"بندر عباس- موانىء الهند، و/أو باكستان. وستتحوّل بلاد الرافدين والشام وبلاد فارس إلى بوابة آسيا الوسطى. والخليج إلى بوابة شرق آسيا. وتركيا إلى بوابة بلدان القوقاز.
· تسويات العملات: التجارة البينية بين دول المنطقة والتي قد تتمّ بالعملات المحلية كالريال والدرهم واليوان والليرة والدينار بشكل شبه كامل، مما يُضعف أداة العقوبات الأميركية.
· منصة أو معاهدة مشتركة للدول الخاضعة للعقوبات: اقترح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، خلال لقائه الرئيس بزشكيان على هامش مراسم تشييع السيد الخامنئي، تأسيس منصة أو معاهدة مشتركة للدول الخاضعة للعقوبات. تهدف إلى تنسيق المواقف المشتركة بين الدول المتضرّرة، مثل روسيا وإيران والصين. وتبادل الاستراتيجيات والآليات لكيفية مواجهة العقوبات الغربية. ودراسة وتطبيق إجراءات تفرض عقوبات مضادة.
- الخارطة الأمنية: من الدرع الأميركي إلى الدرع الإقليمي:
· سيتراجع حتماً الوجود العسكري الأميركي، إما نهائياً أو جزئياَ. وسيفقد قدرته على فرض الإرادة السياسية، أو الأمنية. وعليه سيتمّ العمل على الأرجح لتحالف دفاعي إقليمي موحّد أو مركّب، بديل عن الولايات المتحدة والتطبيع والناتو. والمرشّحون هم إيران وتركيا وباكستان والسعودية ومصر، ويضمّ الآخرين، بدعم خفي روسي/ صيني لإدارة الأزمات ومنع الحروب. لن يقاتل بالضرورة الكيان الصهيوني مباشرة، لكنه سيسدّ المنافذ على فكرة "إسرائيل الكبرى". وسيعزّز فكرة الدولة الفلسطينية.
نظام صاروخي متكامل: سيتمّ تبادل المعلومات الاستخباراتية بين هذه الدول حول الملاحة البحرية، مما يخلق غرفة عمليات مشتركة لإدارة الممرات المائية، بدلاً من التهديدات الأحادية.
ج- مكانة غرب آسيا في العالم الجديد: آسيا الوسطى وحزام التوازن.
- ستتحوّل المنطقة من "ساحة صراع بالنيابة" لتصبح شريكاً مؤسساً للعالم متعدّد الأقطاب.
· مع الصين: ستصبح المنطقة المصدر الرئيسي لتغذية "الحزام والطريق"، بطاقة نظيفة وخدمات لوجستية، مقابل استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية.
· مع روسيا: تحالف دفاعي غير رسمي لحماية الملاحة في المسطّحات المائية الدافئة، مع تنسيق كامل في سوريا وأفغانستان.
· مع الاتحاد الأوروبي: سيعيد الأوروبيون بناء علاقتهم مع المنطقة على أساس "الجوار الآمن وليس على أساس تصدير "القيم. مما يدفعهم للضغط على "إسرائيل"، إزاء أعمال الإبادة والاستيطان والمساءلة، أو إيجاد الحلول للقضية الفلسطينية.
· مع الولايات المتحدة: فاختلاف الأنظمة في إقليم غرب آسيا سيسمح بإبقاء العلاقات الواسعة مع الولايات المتحدة عبر تلك الدول التي تربطها علاقات وثيقة بالمصالح والسياسات الأميركية، غير العدائية وغير الاستعمارية.
ما يحصل الآن بحضور رسمي إقليمي وعالمي، بما في ذلك الصيني والروسي والباكستاني والسعودي والتركي والمصري في تشييع الإمام الخامنئي، هو إبداء القبول النفسي لـ"مجلس أمن إقليمي" بقيادة عربية وإسلامية مشتركة.
لتكون السنوات 2026-2031 كمرحلة حسم وتثبيت حدود القوة والنفوذ للأقطاب المختلفة. لتتراجع فكرة العداء والخوف من الآخر الإقليمي، وتتلاشى فكرة النصر أو الهزيمة لتحلّ محلّها فكرة "الإدارة المشتركة" للمصالح وللنزاعات. وتغليب المرابح والمصالح العليا على الخلافات والخسائر المستمرة.
4- لماذا هو نموذج عالمي جديد/قديم حقاً. نماذج للمقارنة؟
أ- مقابل النموذج الغربي: يفصل الغرب الدين عن الدولة، ويجرّد المواطن من زخم العقيدة الإيجابي في السياسة. فهو استعماري وعنصري بطبيعته. وعقيدته تتبعه في ذلك.
بينما يقدّم النموذج الإيراني المواطنة ذات البعد الميتافيزيقي، مؤكّدة الحقوق السياسية والمدنية، كاملة. ففي مواجهة الظلم الداخلي والخارجي ستؤدّي العقيدة إلى جانب الحقوق الأساسية دوراً أساسياً للانتصار والنجاح. وهذا يعطي الدولة شرعية عاطفية وروحية وعقائدية عميقة. من دون أن يلغي المؤسسات والممارسات المدنية كالبرلمان، والانتخابات والجمهورية، إلخ.
ب- مقابل النموذج الصيني الاشتراكي ذو الخصائص الصينية: تقدّم الصين نموذجاً يقوم على تحقيق الاستقرار والرفاه المادي لشعبها، من دون مرجعية دينية. لكن بمرجعية أيديولوجية قيادية شيوعية وتقاليد "كونفوشية" مغروسة عميقاً في تربية وتراث الصينيين.
بينما يقدّم النموذج الإيراني "العدالة" والمظلوميات التاريخية. ومثالها البارز "كربلاء". حيث لا يكفي النمو الاقتصادي من دون مقاومة الاستكبار وتحرير فلسطين والنفوس والمؤسسات من الصهيونية والهيمنة العالمية. وهو ما يجذب الشعوب التي تشعر بالظلم التاريخي، والتي لا تمتلك المقدّرات المادية لتحرير نفسها، ولا تتوفّر لها الشروط، كما توفّرت للصين مثلاً من فعل ذلك.
ج- مقابل النموذج التركي: يقدّم حزب العدالة والرئيس إردوغان طرحاً إسلامياً وطنياً براغماتياً يخدم المصالح التركية أولاً. ورغم توجّهه الأخير نحو الشرق والعالم الإسلامي كامتداد لإرث الخلافة العثمانية، لكنه استمر في التعايش مع الغرب، وسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو عضو في الناتو، ويعترف بـ"إسرائيل". فالدولة مقدّمة على الإسلام في نموذجه.
أما في النموذج الإيراني، فإنّ الإسلام وخصوصاً التشيّع، فهو مقدّم على الدولة. ويعتبر الدفاع عن القدس وفلسطين ووحدة العالم الاسلامي والدفاع عن قضاياه مرتكزات أساسية في النموذج الإيراني.
د- سرّ قوة نموذج ولاية الفقيه في الاحتواء، وليس الإقصاء.
- ولاية الفقيه ليست ثيوقراطية: فإطلاق صفة الثيوقراطية على ولاية الفقيه، أو على الحكومات الإسلامية عموماً هو تبسيط واستنساخ لفكر الثيوقراطية في التجارب الدينية اليهودية أو المسيحية. ففي الإسلام، لا توجد كهنوتية. ولا "تمسيح" أو "تنصير" ليعتبر المسيحي هو ذلك الذي له اسم يُقبل فيها أو يشطب منها. ولا يوجد انفصال بين الروحانية والمادية، أو بين العلمانية والغيبية. بل هناك ترابط وتبادل مهام وأدوار وأزمان. وهذه بعض الملامح:
· السيادة الإلهية: يعدّ الإله هو الحاكم المدني الأعلى. والحاكم -أو الملك- يُجسّد الإله. وتُعتبر القوانين والدساتير امتداداً للتشريعات والمبادئ السماوية، بدلاً من القوانين الوضعية التي يضعها البشر. وعند تفكيك المتشابهات والمسمّيات بين النموذجين يظهر الاختلاف جذرياً وأساسياً. فالحاكم الإسلامي الأرضي هو ليس تجسيداً للإله. والتجسيد كفر وشرك بالله سبحانه وتعالى.
فالحاكم المسلم غير معصوم، وهو إنسان يجتهد، يخطئ ويصيب. وبالتالي فإنّ الدساتير التي يضعها المسلمون تسترشد بالمبادئ الدينية، لكنها تجتهد فيها بحسب العقل البشري. وأذكر عند نقاش الدستور العراقي عام 2005 كان الإمام السيستاني دامت إفاضاته يشدّد على عدم المسّ بالثوابت الإسلامية، وليس إدراج إحكام إسلامية في الدستور، وهو ما كان.
وقد تشرّفت في وقتها باللقاء بالشهيد السيد الخامنئي قُدّس سره، أنا والمرحومان السيد بحر العلوم والدكتور الجلبي بحضور الشهيد سليماني، لشرح مباني "قانون إدارة الدولة" وإيجابياته وسلبياته، وما نعمل عليه في إعداد الدستور. ومن ينظر إلى الدستور الايراني اليوم يجد فيه المتبنّيات المتماهية مع الشريعة والمتكيّفة مع المفاهيم السليمة للعصر. وكمثال بسيط، فإنّ تطبيق الحدود أو العقوبات لا تتمّ بقطع الأيدي أو بقطع الرؤوس بل بالغرامات أو السجن أو الإعدام، وقس على ذلك.
· التفويض الإلهي: يعتمد الحكّام أو الملوك في الثيوقراطية على نظرية مفادها أنّ سلطتهم مستمدّة مباشرة من الإله. مما يجعل طاعة الحاكم جزءاً من الطاعة الدينية.
· الطبقة الكهنوتية الحاكمة: تدار شؤون الدولة بواسطة رجال الدين أو الهيئات الكنسية. فهم من يملكون الحق الحصري في تفسير النصوص، وإصدار الفتاوى، وتوجيه السياسات العامة. وهذا خلاف جوهري عن النظريات الإسلامية في الحكم، وبالذات ولاية الفقيه. فلرجال الدين موقعهم، لكنّ الدولة تدار من قبل هيئات مدنية منتخبة مباشرة من الشعب، وأغلب المسؤولين في الدولة والقوات المسلحة هم من المدنيين يخضعون ويحاسبون وفق القوانين المدنية.
· دمج السلطتين المدنية والدينية: تذوب الحدود في النموذج الثيوقراطي تماماً بين مؤسسات الدولة السياسية ومؤسسات المؤسسة الدينية.
· المرجعية العقائدية للقانون: إذ تتطابق الخطيئة الدينية مع الجريمة القانونية.
هـ- مفهوم الأمة: يختلف مفهوم الأمة في الإسلام عن مفهوم الجماعة اليهودية أو المسيحية مثلاً. ففي الإسلام يتسع مفهوم الأمة ليشمل أتباع الديانات الأخرى ضمن مستويين: الأول، الأمة السياسية أو المدنية، وتشمل جميع السكان بغض النظر عن دياناتهم. والثاني بالمفهوم العقدي أو الديني. فهنا يتم التمييز بين المسلمين وغير المسلمين لحفظ حقوق وشرائع كلّ طرف وليس هدرها أو الانتقاص منها.
5- أين يكمن التحدّي في كونه "نموذجاً عالمياً معاصراً"؟
أ- الولاية مقيّدة بالأرض والعقيدة: خلاف الليبرالية أو الشيوعية والاشتراكية التي تقدّم نفسها كمناهج أممية يمكن لأيّ شعب أن يأخذ بها بغضّ النظر عن التاريخ والدين والقومية والمذهب.
ب- الاعتماد على المجتهد الحائز على شروط محدّدة دينياً ومذهبياً، وبهذا يواجه النموذج اختباراً كبيراً في "مأسسة القدسية".
وهذان مثالان –وهناك بالطبع أمثلة أخرى- يراهما البعض بأنهما يحدّدان من النموذج الإيراني في المكان والزمان والعقيدة. فلنناقش ذلك باختصار.
ما هي مقوّمات النموذج الإيراني في الزمان والمكان والعقيدة؟
أ- ليس المطلوب أن تصبح كلّ شعوب الأرض إيرانية أو شيعية وإسلامية لتستلهم النموذج الإيراني. تماماً ليس المطلوب أن نصبح جميعاً صينيين، إن تعلّمنا من تجربة الصين نظامها في سيطرة الدولة على المفاتيح الأساسية والسيادية للاقتصاد، وتزاوجه مع انفتاح رأسمالية القطاع الخاص داخلياً وخارجياً. أو أن نصبح بريطانيين، إن تعلّمنا من الغرب التجارب الناجحة للديمقراطية والدفاع عن الحريات في إطار القانون.
فهناك في كلّ الشعوب نماذج تشبه مأساة الحسين. كـ"جان دارك" في فرنسا، أو الساموراي في اليابان، أو غيفارا في أميركا اللاتينية، أو غاندي في الهند، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا. وهناك في كلّ الشعوب تجارب ميتافيزيقية تتزاوج مع العلمانية، وتجارب علمانية تتزاوج مع الميتافيزيقية.
ففي الإسلام هناك مقولة للعارف السيد حيدر الأملي (1319م-1385م) في "أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة" تقول "ما يقبله الشرع يقبله العقل، وما يقبله العقل يقبله الشرع". أو "الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل". والمقصود العقل الفطري أو ما يعرف في عرفان المدرسة الفلسفية بــ"العقل الكلي" والذي يمثّل الدور الإلهي، والفطرة السليمة، والروح الأعظم، وليس العقل الفردي الجزئي المحدود، ولا العقل الجمعي (المتقلّب).
ب- فمركبات النموذج الايراني تصلح ليس للاستنساخ بالضرورة، بل أساساً كتجربة جرى تطبيقها على أرض الواقع، وحقّقت نتائج إيجابية ملموسة. وإنّ استلهام مركباتها وروحها يمكن أن يساعد في تجارب أخرى تختلف برموزها وأشكالها ومؤسساتها وتاريخها وتراثها وثقافتها، لكنها تشترك بالخيوط التي تحوك أساسيات شباكها وجوهر دوافعها ومقاصدها.
فولاية الفقية تؤسس لـ"ديمقراطية" فوقية تمنع الفردية والوراثية والارستقراطية والاستبدادية. ولـ"ديمقراطية" قاعدية، لا تختلف عن الكثير من التجارب المدنية، كما أشرنا سابقاً
ج- يجب الإقرار بعد 47 عاماً من الثورة الإسلامية بأنّ الكثير من الانطباعات والقناعات حولها قد تكون من محاولات الغرب والكيان الصهيوني والطائفية السياسية وشيطنة إيران وتشويه سمعتها، وليس من الحقائق والوقائع.
وهو ما يجعل هذه النقاشات صعبة للغاية، فهناك قناعات راسخة لدى كثيرين، بأنّ ما يسمعونه من الإعلام المعادي لإيران هو الحقيقية. فيبنون عليها. هذه الانطباعات ستنهار بسرعة أمام الوقائع الدامغة، إن صح ما نقوله. فانهيار الانطباعات القائمة على الأكاذيب والمبالغة، غالباً ما تنقلب 180 درحة بالضدّ منها.
د- إنّ المفتاح الفلسفي لفهم لماذا يمكن استلهام النموذج الإيراني من دون اعتناق الدين أو المذهب قائم على رؤية معرفية تقول "الحقيقة ليست محصورة في النص، بل النص يُقرأ بالعقل، والعقل يُنير النص". وهو ما يمنح التجربة الإيرانية خاصية "المرونة الجوهرية" التي تجعلها قابلة للترجمة إلى سياقات أخرى.
فعندما يناضل شعب في أميركا اللاتينية ضدّ الهيمنة، أو شعب في جنوب شرق أسيا قليل العدد وضعيف الحال ضدّ الظلم، فهو يستلهم "روح كربلاء". فالعقل البشري مهما اختلفت ثقافته، يدرك أنّ مواجهة الطاغوت تحتاج إلى صبر مؤسسي وأخلاقي وروحي وغيبي ورموز وقادة يضحون مع شعبهم وليس على حسابهم. وهذا هو جوهر التجربة الإيرانية.
هـ- استلهام المركبات لا استنساخ النموذج: النموذج الإيراني هو مثل معادلة رياضية. بالإمكان استخدام متغيّراتها وأمثلتها؛ مثل الصبر والعدالة ومقاومة الاستكبار، والشورى (الانتخابات أو "الديمقراطية") في القاعدة والقمة. والميتافيزيقيا والواقع، إلخ.
وربط ذلك -بحسب المجتمعات- بالثوابت من ثقافات ورموز ومؤسسات وتاريخ. فالصين، الكونفوشية استلهمت الماركسية وأضفت عليها الخصائص الصينية. وتركيا استلهمت علمانية أتاتورك وأضفت عليها "روحاً إسلامية".
وتقدّم إيران اليوم نموذجاً فيه الكثير من الدروس، التي ساعدت وستساعد أكثر في تغيير مسارات المنطقة والعالم. وهذه الخبرة يمكن لأيّ شعب يعاني من التهميش أن يستخدمها، تماماً كما تستخدم حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث خطاباتها التاريخية والأسطورية لتعزيز التماسك.
فتقشّف غاندي وسلميّته ومواجهة العنف باللاعنف، هي تجربة فريدة. لكنها تشبه إلى حدّ كبير المقولة الإيرانية/الكربلائية من "انتصار الدم على السيف". وقدّمت تجربة مانديلا الذي اتهم بالإرهاب، وقضى سنوات طويلة في السجن لقيام مناصريه بعمليات الكفاح المسلّح في مقاومة الفصل العنصري والاستعمار تجربة فريدة. لكنها تشبه إلى حدّ كبير انتصار إيران لحركات المقاومة، خصوصاً في فلسطين.
مما فرض على إيران شتى أنواع العقوبات والتهم والحصار والحروب. وإنّ تجربة "غيفارا" لإشعال ألف بؤرة ثورية، لا تختلف عن موقف الجمهورية الإسلامية من الاستكبار والشيطان الأكبر والغدة السرطانية، ودعم المستضعَفين والمعتدى عليهم وحركات التحرّر في العالم.
فالرموز تتغيّر بأسمائها وأجسادها، لكنها تتشابه بأفعالها وأهدافها. واللغة والمسمّيات قد لا تتطابق. لكنها تلتقي في روحها ومضامينها ومراميها.
نعم، النموذج الإيراني يصلح كـ "نموذج" عالمي يلهم بقية الشعوب.
فقد برهن عن قوته في أنه أثبت عملياً أنّ الدولة والاجتماع يمكنهما أن يقوما على مرجعية أخلاقية ميتافيزيقية دينية. مع الاحتفاظ بآليات الجمهورية. والانتخابات الفوقية (الولاية) والقاعدية (الانتخابات العامّة). تحقّق العدالة الاجتماعية. ولا تفصل الدين عن السياسة. بل تجعل الدين حامياً للسياسة وألاعيبها، وتجعل السياسة في خدمة دين الأمة وعقيدتها.