معاهد العلم في بيت المقدس سردية تاريخية تروي حكاية 1200 عام

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنّ مؤلّفه يعتبر الكتابة عن تاريخ المدينة المقدّسة وأهلها، وتناول جوانب من إرث المدينة الثقافي والتعليمي والمعماري والاجتماعي بمثابة صرخة عربية لإنقاذها من الذئب الصهيوني المفترس.

  • معاهد العلم في بيت المقدس سردية تاريخية تروي حكاية 1200 عام
    معاهد العلم في بيت المقدس سردية تاريخية تروي حكاية 1200 عام

كتاب معاهد العلم في بيت المقدس للباحت كامل جميل العسلي، الدراسة تهدف إلى المساهمة في التعريف العميق ببيت المقدس ولا سيما في أيام محنته من خلال التركيز على البعد الثقافي والتاريخي والأثري لا على المدينة بأكملها بل على معاهد العلم الإسلامية فيها على وجه التحديد، وقد اقتصرت الدراسة على هذه الزاوية وامتدّت لتغطي فترة زمنية  تقارب 1200 عام، تبدأ منذ الفتح الإسلامي للقدس وتمتد حتى بدايات النهضة الحديثة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي (أواخر القرن الثاني عشر الهجري)، وتناولت الدراسة مختلف جوانب المسجد الأقصى والمدارس والمؤسسات الصوفية من زوايا وخوانق ورُبط، إضافة إلى دور الكتب والمكتبات الإسلامية التي كانت قائمة في المدينة محاولة تقديم صورة شاملة لهذه المكوّنات المعرفية في سياقها التاريخي والثقافي.

تعلّق المؤلف بالقدس

افتتح كامل العسلي مقدّمة كتابه "معاهد العلم في بيت المقدس" بعبارة "لا يمكن أن تكون محبة الوطن إلّا إذا عرفناه ودرسناه من مختلف النواحي"، وبهذا أماط اللثام عن محبته العميقة لمدينة القدس التي غيّبته الأوضاع عنها لوقوع هزيمة حزيران/يونيو 1967 في أثناء دراسته في ألمانيا فحُرم العودة إليها، كما تَفَسّر شغفه في منحها الجزء الأكبر من إنتاجه الأكاديمي فتماهى معها ومع ماضيها، ولتعميق فهمه لتاريخ القدس فقد قام بعدة رحلات عبر جسر الكرامة إلى المدينة مستذكراً طفولته وشبابه، وباحثاً عن المباني التي كتب عنها ومحاوراً سكانها بشأن تاريخها وتراثها، إضافة إلى شغفه بمدينته العريقة التي ترزح تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، الذي يحاول جاهداً محو هويتها وتغريبها عن تاريخها وتقديم سردية تاريخية مشوّهة. فقد ساهم وجوده في إدارة مكتبة الجامعة الأميركية الأردنية في الوصول إلى كثير من المصادر والمراجع، إضافة إلى السجلات والوثائق غير المنشورة والتي اهتمت مكتبة الجامعة بها تحت إدارته، وبالتالي فقد ساهم في بلورة توجّهاته البحثية بشأن تاريخ مدينة القدس ناشراً تراثها العتيد ومبرزاً هويتها وثقافتها وتاريخها وفضائلها ولافتاً نظر الباحثين إلى أهمية الكتابة عن تاريخ القدس وكأنه يستصرخ لتحريرها من الأسر والاحتلال.

ومن فضائل الكتاب، أنه لفت النظر إلى عمارة هذه المدارس وحدّد موضوعها بدقة وتتبّع المعاهد التي درّست ولم يعد لها وجود، وعند النظر إلى كتاب "معاهد العلم في بيت المقدس" بصورة متكاملة تكتشف عدد العلماء الذين دُفنوا في القدس وتتبّع سيرهم عبر وثائق تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني، نشرها في كتابه، ويجب التنبيه إلى المساهمات المهمة للمؤلف كامل العسلي المنشورة في "الموسوعة الفلسطينية" والتي تركّزت حول الحياة الفكرية في فلسطين حيث تأخذ القدس موقع الصدارة في هذه الدراسات.

القضاء الإسلامي والوثاثق في القدس

يشير كتاب معاهد العلم، إلى أنّ الوثائق تشكّل مصدراً غنياً لدراسة كيفيّة تعاطي القضاء مع المجتمع المقدسي وفهم كيفية الممارسة القضائية الإسلامية في القدس المملوكية والخطوات التي تمرّ بها عملية التقاضي وهي مصدر رئيسي لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمدينة القدس في الفترة المملوكية، كما تمدّنا بمعلومات ديموغرافية ومعلومات عن المؤسسات الاجتماعية والدينية والاقتصادية وتغطي جزءاً من النواحي الثقافية والدينية، وعن طريقها يمكن الإطلال على أسماء بعض العلماء وسيرهم وطرقهم في التدريس، وهناك وثائق تقدّم معلومات عن طبوغرافيا القدس وتسرد أسماء بعض أحيائها وطرقها ودورها وعائلاتها وسكانها بصورة عامّة بما فيها أصولهم العرقية والطائفية، كما يمكن عن طريقها الإطلال بصورة فريدة على علاقة الطوائف الدينية بعضها بالبعض الآخر حتى إنها تتضمّن وصفات طبية وتذكر الأمراض التي كانت منتشرة خلال تلك الفترة. وبهذه الوثائق يمكن تحديد موقع بعض المدارس وبعض من ارتبطوا بها من مدرّسين وعاملين فيها، وكذلك بعض المعلومات بشأن إدارتها ومواردها المالية والرواتب.

مدارس القدس والحركة العلمية

يذكر المؤلف أنه في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي حدث تطوّر في مدارس القدس والحركة العلمية والفكرية في ظلّ المسجد الأقصى، بدأها عبد الجليل عبد المهدي، ثمّ جاءت أولى مساهمات كامل العسلي فقدّم دراسة إلى المؤتمر الثالث لتاريخ بلاد الشام  1980، بعنوان "معاهد العلم في هذا المقدس" وتحوّلت هذه الدراسة لاحقاً إلى الكتاب الآنف الذكر الذي بين يدينا، معاهد العلم في بيت المقدس الذي تتبّع من خلاله الحركة الفكرية وتطوّرها وحدّد خصائصها وأطنب في سرد سير مدرّسي كلّ مدرسة في القدس خلال الفترتين الأيوبية والمملوكية في العصرين المذكورين.

وأمام تلك السردية التاريخية للمؤلف في كتاب معاهد العلم، يذكر أنّ المركز التعليمي الرئيسي في صدر الإسلام كان المسجد، الذي بدأ التدريس فيه منذ عهد النبي وقد كانت للرسول الكريم حلقات علم في المساجد، ثم عيّن الخلفاء الراشدون القصّاصين أو الوعّاظين ليكونوا أوّل المدرّسين، وكانت أهمّ الموضوعات التي تدرّس في المساجد علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ثم الفقه، لكن المسجد كان أيضاً موئلاً لعلوم أخرى، وباختصار فإنّ كلّ العلوم كانت تدرّس في المسجد حتى الطب، وكان المسجد هو المركز العلمي الأول في الإسلام كما كان مركز الحياة الأساسية والاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن الدينية بطبيعة الحال.

بيت المقدس بين صلاح الدين ورابعة العدوية

يبدو أنّ كتاب كامل جميل العسلي، ترك أثراً جلياً في الباحثين لجهة اختيار موضوعات أبحاثهم، وخصوصاً ما يتعلّق  بالعِلم والمدارس وكلّ من نشر عن القدس في تلك الفترة كان معتمداً على مصدر كتابه، في استعراض الحركة العلمية والمدارس والعلماء ومساهماتهم  ودور المساجد والأربطة والزوايا في بيت المقدس، وبعد استرداد صلاح الدين بيت المقدس أخذت تفد إليه أعداد متزايدة  من أهل المغرب للاستقرار فيه، وكان معظم هؤلاء من المتديّنين ومن الجنود المغاربة الذين كانوا يخدمون  في الجيش المصري منذ زمن الفاطميين، وعملوا بعد ذلك في جيش صلاح الدين، ولذلك فإنّ الملك الأفضل نور الدين أبا الحسن علي صلاح الدين (562-622) وقف الأراضي والمساكن المحيطة بموضوع البراق الشريف على طائفة المغاربة على اختلاف أجناسهم، وكان ذلك في وقت سلطنته على دمشق (589-592)، وكانت القدس من مضافاته وكان الأفضل يهدف إلى مساعدة المغاربة من جهة وإلى المحافظة على منطقة البراق الشريف لأهميتها الدينية والعلمية وارتباطها بإسراء النبي من جهة أخرى، ومنذ ذلك الحين صار الحيّ يُدعى حيّ المغاربة.

كذلك أشار المؤلف، إلى أنه منذ القرن الثاني أخذت الصوفية في الظهور وأخذوا يقدمون إلى بيت المقدس وفي مقدّم هؤلاء أم الخير "رابعة العدوية"، وهي من روّاد التصوّف الأوائل قدمت رابعة العدوية إلى القدس وسكنت فيها وكانت أول من أدخل عنصر الحبّ – حبّ الله –  (مدرسة الزهد)، فأصبح الزهد تصوّفاً وضعت أم الخير المثل الأعلى للصوفية الذي يتمثّل في حبّ الله غير المقرون برجاء الثواب وليس خوف العقاب، ومن أقوالها "إلهي أتحرّق في النار قلباً بحبّك" توفيت رابعة سنة 180هـ ودُفنت في طور زيتا (جبل الطور)، إنّ أهمّ دور الكتب الإسلامية في القدس هي خزانة من خزائن المسجد الأقصى، فقد كان المسجد الأقصى كغيره من المساجد الكبيرة في الأقطار الإسلامية مركزاً للحياة الفكرية ومدرسة لتدريس العلوم وخصوصاً العلوم الإسلامية، ولا يمكن أن تنتعش الحياة الفكرية التي كان مركزها المسجد من دون وجود الكتب والمخطوطات التي تضمّ بصورة خاصة الكتب الأساس وفي طليعتها القرآن الكريم وكتب التفسير والحديث والفقه والتي منها استمدّ العلماء علمهم وعلّموه للناس.

الكتاب مؤلّف من 6 فصول أهمّها المدارس في الإسلام ومدارس بيت المقدس وعددها 51 مدرسة .
أما الطرق الصوفية في بيت المقدس فعددها 9 طرق، رباط القدس وعددها 7، خوانق القدس وعددها 8،زوايا القدس عددها 40.

هذا البحث كان ضمن الأبحاث التي قُدّمت إلى المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام الذي عُقد في الجامعة الأردنية في عمان في شهر نيسان/ أبريل 1980، وقد أوصى المؤتمر بنشره ونشر في اَب/ أغسطس من العام 2025.

كتاب معاهد العلم في بيت المقدس في الفترة الإسلامية من أولى اهتمامات المقدسي كامل جميل العسلي وهو المؤرّخ الذي أمضى سنوات طويلة  في الكتابة عن تاريخ المدينة المقدّسة وأهلها، وتناول فيه جوانب  من إرث المدينة الثقافي والتعليمي والمعماري والاجتماعي بمثابة صرخة عربية  لإنقاذها من الذئب الصهيوني المفترس.

اخترنا لك