مضيق هرمز في الأدب: حين يصير التخييل واقعاً
هناك رواية الكاتب الفرنسي جان رولان "هرمز"التي تحتوي على كمّ هائل من المعلومات حول طبيعة المضيق وأهميته. وتتطرّق إلى العالمين المختلفين العربي والفارسي، اللذين يقعان على طرفي المضيق ويجمعهما الدين نفسه، إنما يمثّلانه ويعيشانه بطريقتين مختلفتين.
-
مضيق هرمز في الأدب: حين يصير التخييل واقعاً
مع النزاع المشتعل في العالم اليوم، والدور الهامّ الذي يؤدّيه مضيق هرمز في ذلك النزاع، يخطو هذا المضيق إلى دائرة الضوء، وتخطو معه الروايات التي كُتبت عنه والتي يمكن اعتبار بعضها تنبُئياً على نحو يدعو للدهشة. ذُكر مضيق هرمز بوصفه مركزاً رئيسياً للأحداث، ومتسبّباً بها جغرافياً وسياسياً، في روايات عديدة، عربية وأجنبية، وستناول هنا ثلاثاً منها لم تُترجم بعد إلى العربية.
بداية، ظهر المضيق بقوة في رواية حملت اسمه صراحةً؛ رواية "مضيق هرمز" للروائي الأميركي الذي حقّق أعلى المبيعات "ديفيس بان". هذه الرواية هي الجزء الثالث والأخير من سلسلة "مارك رويس"، وتقع في 332 صفحة، ونُشرت بالإنكليزية عام 2013.
في رواية "مضيق هرمز"، تهدّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وفرض حصار عالمي يقطع خطوط الشحن الحيوية للنفط الخام، كردٍّ على العقوبات الشديدة المفروضة عليها، وتهدّد "إسرائيل" في دورها بضرب إيران. وهذا كلّه يجعل المسؤولين الأميركيين في حالة ترقّب وقلق، ويدفع التوترات العالمية إلى حدودها القصوى. في أعقاب ذلك، يرغب الأميركيون بإيقاف سفينة يعتقدون أنها تحتوي على مكوّنات قنبلة إيرانية قبل أن تصل إلى المضيق. وتستدعي وزارة الخارجية الأميركية مارك رويس، العميل الاستخباراتي السابق، للتحقيق في برنامج إيران النووي المتنامي وكشف مصادر التمويل التي تدعمه. وتكلّفه تحديداً بتقصّي شائعات حول عملية سرية تمتد من آسيا إلى الشرق الأوسط. يستعين مارك بكيترا كوربان، صديقة إسرائيلية وقع في حبها في السابق (في رواية سابقة لبان) تمتلك علاقات واسعة، وتصبح شريكة في مهمته هذه ومن خلفها الموساد. وتنقل لنا الرواية التوتر الناجم عن تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز والذي ينطوي على تداعيات سياسية وعسكرية كبرى واحتمال حرب تشمل عدة دول.
تتسم الرواية، كما يرى النقّاد، بسمات منها "الحركة والمغامرة، والتجسس، والتشويق، والنكهة الدولية، وعناصر الإيمان المسيحي المنسوجة بطريقة طبيعية وواقعية". كذلك، تصوير إيران بوصفها على وشكّ امتلاك قوة نووية بينما ينفد الوقت أمام الأميركيين، ما يمنح الرواية إيقاعاً سريعاً ومتوتراً معظم الوقت. وتمتلك شخصيات الرواية عمقاً يجعلها تبدو حقيقية تماماً، كما أنها تنضج وتتطوّر عبر الرواية بينما تواجه مشكلاتها وتساؤلاتها على أصعدة عديدة بما في ذلك الصعيد الروحاني.
"مضيق هرمز" رواية سياسية بالدرجة الأولى، ومن الواضح أنها نتاج بحث دقيق ومكثّف يعدّ ضرورياً لمثل هذا النوع من الروايات التي تُبنى على أحداث حقيقية. وعند سؤاله عن اختيار هذا المضيق بالذات كبيئة للأحداث، أجاب ديفيس بان: "إنّ مضيق هرمز هو أحد أكثر الممرات المائية أهمية في العالم. ويمرّ عبر هذه المياه أكثر من ثلث إجمالي النفط المستهلك في جميع أنحاء العالم... وهو متنازع عليه بشدّة".
لكن، رغم المكائد والتوتر، في الرواية أيضاً لحظات هدوء تعود إلى وجود قصة حب رومانسية، إضافة إلى النفحات الروحانية التي تعود إلى كون الكاتب تلقّى دروساً في القرآن والتاريخ الإسلامي أثناء عمله في الشرق الأوسط.
في مراجعة نُشرت عام 2013، قيل إنّ رواية "مضيق هرمز" هي "قصة يمكن أن تكون مأخوذة مباشرة من صفحات الصحف الحالية حول العالم". وها هي اليوم تشبه خبراً حالياً عاجلاً بالفعل.
كذلك، برز مضيق هرمز في رواية الكاتب الفرنسي جان رولان التي حملت عنوان "هرمز"، وهي تقع في 218 صفحة، ونُشرت بالفرنسية عام 2013. تحتوي رواية "هرمز" على كمّ هائل من المعلومات حول طبيعة المضيق وأهميته. وتتطرّق إلى العالمين المختلفين، العربي والفارسي، اللذين يقعان على طرفي المضيق ويجمعهما الدين نفسه، إنما يمثّلانه ويعيشانه بطريقتين مختلفتين.
تدور الأحداث في مضيق هرمز، حيث تحتل التموضعات الدولية التجارية والسياسية والعسكرية صدارة الأحداث، بينما خلف الكواليس تؤثّر الحرب على البيئات المحلية وعلى البشر والحيوانات والنباتات التي يولي رولان لها جميعاً اهتماماً كبيراً.
عُرف عن رولان شغفه بالخرائط الجغرافية، وبكونه يتسكع مشياً في الأماكن المهجورة وغير المتوقّعة ويكتب عنها. ويلاحظ النقّاد أنّ نقطة الانطلاق في كتاباته هي دوماً نقطة محدّدة على الخريطة، وأنه يفضّل غالباً المناطق المهجورة، كالموانئ والضواحي المهجورة، ومناطق الاحتكاك والنزاع. وها هو هذه المرة يختار مضيق هرمز الذي عبره شخصياً عدة مرات.
في هذه الرواية، يُكلّف الراوي بمهمة من قِبل شخص يدعى "واكس" وهو رجل خمسيني يفتقر إلى البنية الرياضية، غير أنه يتحدّى نفسه بعبور مضيق هرمز سباحةً. ومهمة الراوي هي رصد هذا الإنجاز. لكن، يختفي واكس بعد عدة جولات مع الراوي، ويتنقّل الراوي بعدها في المنطقة على أمل العثور عليه. غير أنّ هذا البحث يتجلّى بوصفه مجرّدَ ذريعة للتجوّل في الموانئ والمناطق الصناعية والقواعد المهجورة في إيران والإمارات. وهي ذريعة تلائم هوى الراوي، ورولان من خلفه، فالحدود بين الاثنين تتلاشى في معظم الأحيان عبر الرواية.
كذلك، واحدة من أفكار الرواية الرئيسية هي إشارة رولان إلى أنّ بوسع إيران اللجوء إلى ما يسمّيه "التكتيكات غير المتماثلة"؛ وهي تكتيكات قادرة على الالتفاف على التفوّق العسكري والتكنولوجي للخصم، وهذا يشبه ما يحدث اليوم. وتصوّر الرواية "المفاتيح التكتيكية للحرب البحرية غير المتكافئة" التي أصبح الإيرانيون بارعين فيها في مواجهة القوة الأميركية. كذلك، من ثيمات الرواية "تصوير السفن المتهالكة، والطيور، والتجوال، وثيمة البحث عن الشخص المفقود، مع سرد مفصّل لأسماء الفنادق، والسفن، والطيور، والحانات، وبعض القصص التاريخية الجانبية". وهذا كلّه يرسم أجواء التسكّع والترحال المفضّلة لدى الكاتب بشاعريّة فريدة.
يوظّف رولان مجموعة من التقنيات الأدبية، ويتميّز بدقة سرده وبراعته في الوصف، وولعه بالغرابة والفكاهة. كذلك، يتسم نثره بجمل استطرادية، ومنظور سردي مزدوج. ويبرز المضيق عنده بصفته "ملتقىً ساحراً للأماكن والأزمنة والاحتمالات، وهذا يكشف لا كيف يُشرك المحلي والعالمي أحدهما الآخر بشكل متبادل فحسب، بل كذلك كيف تحتفظ اللحظة الحالية بماضيها وتتنبأ بمستقبَلاتها المحتملة"، على حدّ تعبير الكاتب جوشوا أرمسترونغ.
"هرمز" هي رواية تجمع بين العادي اليومي والسياسي العالمي؛ فنرى مقاطعها تنتقل من مقبض الدُشّ الذي ينخلع إلى "ندوة الشرق الأوسط للصواريخ والدفاع الجوي". وفي واحدة من المشاهد الهامّة، يرافق الراوي شخصية "واكس" لحضور معرض دولي للدفاع والأسلحة. هناك، تلتقي الشركات العسكرية العالمية لعرض أحدث تقنيات الدمار وسط أجواء مكيّفة وفاخرة، في نوع من التناقض الصارخ المتعمّد. وتقوم شركة أميركية بعرض صواريخها وأسلحتها الفتّاكة، لكنها لا تصوّرها كأداة للقتل والتدمير، بل بوصفها "حلاً أنيقاً يحقّق الحرب النظيفة": "من دون إراقة قطرة دم واحدة، ومن دون حدوث أيّ شيء قذر أو مثير للقلق"، على حدّ تعبيرها. لكن، يقول لنا الكاتب إنّ هذه الدعاية لا تنطلي عليه، ولا ينبغي أن تنطلي علينا. فهذا المشهد، كما يرى أرمسترونغ، يهدف إلى "تعرية ديكور الحداثة العسكرية، وكشف زيف الخطاب الرأسمالي التكنولوجي الذي يحاول فصلَ التدمير الفعلي عن الرفاهية والتقدّم التقني المعروض في قاعات المعارض". كذلك، يصوّر هذا المشهد، بحسب وصف النقّاد، التناقضَ الصارخ بين ما تحاول هذه الشركات إظهاره وتبييضها لصورة الحرب من جهة، وما يملأ به رولان فضاء روايته "هرمز" من أصداء للحروب الحقيقية العنيفة، وآثارها على الأرض والبحر، وعلى البشر والحيوانات، من جهة أخرى.
أخيراً، يظهر مضيق هرمز في رواية "مضائق النار: رواية عن الحرب العالمية الثالثة" للروائي الأميركي جون ويبر، وهي الجزء الثاني من سلسلة "النسر والتنين"، وتقع في 478 صفحة، وصدرت عام 2025. رواية "مضائق النار" هي الرواية التي "رأت هرمز قبل أن يشتعل"، على حدّ تعبير الناقد المصري عزت إبراهيم، وكاتبها "يجمع بين الرواية والتفكير الاستراتيجي". تعود هذه الرواية بقوة إلى دائرة الضوء اليوم لأنّ أحداثها تشبه كثيراً ما يحدث في الوقت الحاضر، كما لو أنّ فيها نبوءة أو إنذاراً. إنها رواية غنية بالتفاصيل العسكرية والمكائد السياسية، وتستند إلى الإثارة التقنية والعسكرية. فجون ويبر يُعرف بروايات الإثارة والتشويق العسكرية، وتعود خبرته في هذا المجال إلى كونه خريج كلية عسكرية. إنّ ويبر، على حدّ قول إبراهيم، "ينطلق من أزمات حقيقية تشغل دوائر صنع القرار، ثمّ يدفعها خطوة إضافية إلى الأمام لاستكشاف ما قد تؤول إليه الأحداث إذا خرجت عن مسارها المعتاد". واليوم خرجت فعلاً، كما نرى في الواقع.
تبدأ "مضائق النار" بفصل افتتاحي متوتر يتحدّث عن حرب عالمية جديدة. ورغم أنها تُصنَّف كرواية إثارة تخييلية، إلّا أنّ فيها الكثير من وقائع النظام العالمي، فهي تتصوّر سيناريو حرب عالمية ثالثة تشبه ما نشهده اليوم. تتحدّث الرواية عن تنسيق عسكري واستخباراتي سري بين الصين وإيران لخلط الأوراق عالمياً. فتروي لنا كيف حافظت البحرية الأميركية على مدى عقود على ممرات الملاحة البحرية مفتوحة، قبل أن تقلب طموحات بيجين المعادلة كلياً. وتصف كيف يراقب العالم حشد حاملات الطائرات الصينية في مضيق تايوان، بينما يجري نصب الفخّ الحقيقي على بعد آلاف الأميال. ففي الخليج، تُستدرج القوات الأميركية إلى مواجهة متصاعدة مع إيران، وتحاول إيران إشعال أزمة بحرية وتفجيرات في مضيق هرمز تهدف إلى استنزاف الولايات المتحدة وتشتيت قواتها وأساطيلها.
تروي "مضائق النار" عن استعداد جيش التحرير الشعبي داخل أروقة السلطة في بيجين لشنّ ضربة خاطفة للاستيلاء على تايوان، وكيف أنّ الصواريخ تتأهّب بسرية، بينما تعمل شبكة سرية من عملاء الاستخبارات على حجب الرؤية عن الأقمار الاصطناعية الأميركية. ثم يأتي "الاتفاق الهادئ والسري مع طهران الذي يمثّل مناورة وخديعة جغرافية سياسية جسورة، ويُسقِط أحجار الدومينو الأولى للحرب". بعدها، تندفع حاملات الطائرات الأميركية نحو الخليج، وتناور البحرية الصينية في المحيط الهادئ. إنّ أحداث هذه الرواية الشبيهة بالواقع هي بمثابة "مباراة شطرنج مشوّقة وممتدة عبر أنحاء العالم"، على حدّ قول أحد النقّاد.
يفتتح ويبر روايته بمشهد اعتيادي هادئ لناقلات النفط وهي تعبر مضيق هرمز، ثمّ ينطلق إلى حدث يقلب هذا الاعتياد حين تدخل ناقلة هولندية مضيقَ هرمز وتتوقّف هناك. فيصعد إليها ضابط إيراني ويبلغ الطاقم أنّ الناقلة باتت تحت السيطرة الإيرانية وأنّ المضيق قد أُغلق. تحاول إيران فرض نفوذها السياسي باستخدام موقعها الجغرافي على المضيق، بينما ترى أميركا في ذلك تهديداً لمصالحها وللنظام العالمي القائم ككلّ، وتهدّد باستخدام القوة، لكنّ إيران هي من تبدأ بضرب السفن الغربية.
مع كلّ هذا، يتخذ ويبر مساراً مختلفاً عن روايات الإثارة العسكرية، فلا يصعّد الأحداث، إنما تنتهي الرواية بحالة شبيهة بحرب باردة خفية حيث "تستمر السفن بعبور مضيق هرمز. وتواصل الأسواق عملها. وتبقى حركة التجارة قائمة. غير أنّ الجميع يتحرّك بحذر أكبر وتكلفة أعلى وثقة أقلّ. وتتحوّل الأزمة من حدث استثنائي إلى واقع دائم يفرض نفسه على الحكومات والشركات والمستثمرين" على حدّ قول الناقد عزت إبراهيم. فإيران "تحاول فرض معادلة جديدة في المنطقة. أما الولايات المتحدة وبريطانيا فتسعيان إلى الحفاظ على معادلة قائمة".
تعكس الرواية هشاشة النظام العالمي الذي تحاول الولايات المتحدة إظهاره متماسكاً ومضبوطاً بينما في الحقيقة يمكن لمضيق واحد أن يبلبله. وتبيّن كذلك هشاشة نظام العالم الاقتصادي كونه يعتمد على عدد محدود من الشرايين البحرية التي يمكن لإغلاق أحدها أن يشعل أخطر الحروب. بالتالي، تُظهر الرواية، على حدّ قول إبراهيم، المفارقة الكبرى المتمثّلة في "أنّ العالم أصبح أكثر ترابطاً وأكثر هشاشة في الوقت نفسه".
تعكس الروايات الثلاث الأهمية الكبيرة لمضيق هرمز، والتي تتضح أكثر فأكثر في عالمنا اليوم. كما تُظهر أنّ الممرات المائية الحسّاسة، مثل هرمز، يمكن أن تتحوّل من طرق تجارية إلى أدوات ضغط سياسي بوسعها أن تنسف استقرار النظام العالمي الهشّ في حقيقته. كذلك، من خلال مثل هذه الروايات، تتضح القوة التنبؤية للأدب الذي يطرح سيناريوهات قد تبدو ضرباً من الخيال، ثم ما تلبث أن تصير واقعاً مخيفاً أكثر من أيّ رواية رعب.