مصر وإيران.. ما أخفته السياسة وأيقظته الكرة
تعرّضت العلاقات المصرية- الإيرانية لهزات وانقطاعات وخصومات حادة. لكنها لم تستطع أن تنتزع الخيّام من صوت أم كلثوم، أو تمحو مصطفى إسماعيل من الذاكرة القرآنية الإيرانية، أو تخرج "نهج البلاغة" بشرح محمد عبده من المكتبة العربية.
في الفجر، كانت الكرة تسبق الشمس.
صيحة تنطلق من شرفة. هتاف يعلو من المقهى القريب. ثم صمت مفاجئ، كأن الحي كله يحبس أنفاسه أمام فرصة ضائعة، أو كرة تتهادى نحو الشباك.
لم أكن أتابع المباراة، لكن المباراة كانت تصل إليّ، لا عبر الشاشة، بل عبر أصوات الجيران، وهتافات رواد المقهى، والفرحة التي تلمع، مع أول النهار، على وجوه عمال النظافة في الشارع. فالكرة، حين تستولي على الخيال العام، لا تبقى حبيسة الملعب، بل تخرج إلى الشرفات، وتدخل البيوت، وتوقظ في الناس رغبة قديمة في البهجة.
ولست من أهل كرة القدم، ولا أعرف من خططها وتشكيلاتها إلا أقل القليل. غير أن مشاركة مصر، والمباريات التي امتدت إلى الساعات الأولى من الصباح، جعلتني أتابع البطولة من بعيد، ألتقط إيقاعها من الأصوات، وأقرأ نتائجها في الوجوه. لكن لقاء مصر وإيران لم يكن مباراة عابرة.
كان في اسمي البلدين ما يتجاوز أسماء اللاعبين، وفي المواجهة ما يستدعي ذاكرة أقدم من الملعب. وما إن اقترب موعد اللقاء حتى امتلأت الصفحات بطرائف تستحضر عمر الخيام و"الشاهنامة" وأم كلثوم، وتمزج الفارسي بالمصري في ألفة لا في خصومة، وفي ودّ لا في صدّ. كأن المباراة لم تجمع منتخبين فحسب، بل أيقظت ذاكرة حضارتين طال احتجابهما خلف ركام السياسة.
كان التنافس فوق العشب، أما خارجه فكانت ذاكرة كاملة تنهض: شعر عبر اللغات، وصوت تجاوز الحدود، وكتاب أعاد شيخ مصري فتح أبوابه، وتلاوة مصرية استقرت في الوجدان الإيراني. 90 دقيقة في الملعب، وخلفها قرون من الأخذ والعطاء، والقرب والنأي، والاختلاف والائتلاف.
فالسياسة تنظر إلى مصر وإيران من نافذة الخلاف؛ من السفارات المغلقة، والتحالفات المتباعدة، والأزمات المتعاقبة. أما الثقافة فتنظر من نافذة أخرى: ترى الخيام في صوت أم كلثوم، ومصطفى إسماعيل في ذاكرة القارئ الإيراني، و"نهج البلاغة" في شرح محمد عبده، وتقرأ في الكلمات التي استقرت في اللسان المصري شواهد صغيرة على تاريخ أكبر من الخصومات.
الحكومات تتبدل، والمواقف تتقلب، والطرق تضيق وتتسع. أما الحضارة، فتمضي في طريقها الهادئ، تترك كلمة هنا، ونغمة هناك، وكتاباً في مكتبة، وصوتاً في الذاكرة. وحين نظن أن البلدين صارا غريبين، تكفي مباراة واحدة لتكشف مقدار ما أخفته السياسة.
لم يبدأ اللقاء بين مصر وبلاد فارس مع الدول الحديثة. جذوره أقدم من خرائطها وحدودها، وإن كان تفاعله الأعمق قد تبلور داخل الفضاء الحضاري الإسلامي، يوم لم تكن الحدود بين العربي والفارسي جدراناً صماء، ولم تكن الثقافة ملكية مغلقة لقومية أو مذهب.
كتب علماء ومفكرون من أصول فارسية بالعربية، وأسهموا في بناء علومها وآدابها، فيما أصبحت العربية لغة للفقه والفلسفة والمعرفة في إيران. لم يكن الأمر تبادلاً بين ثقافتين تقف إحداهما في مواجهة الأخرى، بل مشاركة في بناء حضارة واسعة، اختلطت روافدها حتى غدا الفصل بينها تعسفاً في التاريخ.
من التصوف إلى التلاوة
كان التصوف من أكثر الجسور رسوخاً. دخل جلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، وسعدي، وحافظ إلى المكتبة العربية، لا بوصفهم شعراء من وطن بعيد، بل أصواتاً تنتمي إلى فضاء روحي مشترك. وجد القارئ المصري في أشعارهم أسئلته عن الحب والمعرفة، وعن تطهير النفس، وعن الجسد الذي يضيق بما تتسع له الروح.
ولم يكن غريباً أن تجد تلك الأصوات صداها في بلد تشكّل جانب عميق من وجدانه حول الأزهر، ومجالس الذكر، وأضرحة الأولياء، وشعر ابن الفارض، وميراث ذي النون المصري. اختلف اللسان، وبقي العطش واحداً، وتبدلت الرموز، وظل البحث عن الحقيقة والمحبة نهراً يصب فيه الجميع.
لكن الجسر الديني لم يبن بالكلمات وحدها. فعلى جسر آخر، حضرت التلاوة المصرية في إيران، محمولة على أصوات صنعت مدرسة كاملة في التلاوة. استمع الإيرانيون إلى الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ محمود خليل الحصري، لا باعتبارهم قراء ينتمون إلى بيئة مذهبية أخرى، بل أساتذة في تجويد النص، وكشف معانيه بالصوت، والمقام، والوقف، والخشوع.
كان تأثير المدرسة المصرية أبعد من الإعجاب بجمال الحناجر؛ فقد أسهمت في تشكيل الذائقة القرآنية الإيرانية، وصارت تلاوات كبار قرائها نماذج يتعلم منها القارئ كيف يجعل النغم خادماً للمعنى، لا حجاباً عليه. وتحدث السيد علي خامنئي عن تعلقه المبكر بالقراء المصريين، وخصّ مصطفى إسماعيل بتقدير لافت؛ لأنه لم يكن، في نظره، يستعرض الصوت، بل كان يوقظ دلالة الآية، ويقود المستمع إلى معناها.
تلك صورة تكاد تختصر ما تعجز عنه السياسة: شاب إيراني يتتبع، عبر المذياع وتشويش الموجات، صوت قارئ مصري، ويتعلم منه كيف يفهم القرآن بالصوت. هنا تتراجع الحدود والمذاهب أمام نص واحد، وتغدو القاهرة حاضرة في وجدان شاب إيراني، من دون سفير أو اتفاق.
وفي الاتجاه الآخر، أعاد الشيخ محمد عبده، أحد أبرز أعلام الإصلاح الديني المصري، تقديم "نهج البلاغة" إلى القارئ العربي بشرحه وتعليقاته. لم يقترب منه بوصفه نصاً محصوراً في ذاكرة مذهب، بل باعتباره ذروة من ذرى البيان العربي، يجمع الحكمة بالبلاغة، والسياسة بالأخلاق، والعدل بأصول العمران.
كانت عناية محمد عبده بالكتاب استعادة لتراث الإمام علي من ضيق التصنيف المذهبي إلى رحابة الثقافة الإسلامية. نص يحتل مكانة مركزية في الوجدان الإيراني، أعاد شيخ مصري فتح أبوابه أمام القارئ العربي الحديث، مؤكداً بالفعل، لا بالشعار، أن التراث المشترك أوسع من الحدود التي صنعتها عصور التنازع.
القاهرة.. جسر الكتاب والفكرة
تحولت القاهرة، في القرن الــ 19، من متلقية للتراث الفارسي إلى واحدة من محطات إحيائه. طبعت بولاق كتباً فارسية مهمة، من "كلستان" سعدي إلى ديوان حافظ وآثار للعطار. وكانت بعض تلك الطبعات تعود إلى قراء الفارسية خارج مصر، كأن الكتاب خرج من موطنه ليعود إليه بحياة جديدة.
إنها مفارقة تضيء معنى الثقافة: نصوص من قلب الذاكرة الإيرانية تعبر إلى القاهرة، فتمنحها المطبعة المصرية جسداً حديثاً، ثم تعيدها إلى قرائها. فالثقافة لا تسأل دائماً عن موطن الكتاب، بل عن اليد التي تحفظه، والمدينة التي تفتح له أبواب الانتشار.
ولم تكتف القاهرة بطباعة الكتب، بل منحت الصحافة الفارسية أيضاً فضاء للحضور. ففي أواخر القرن الــ 19 ومطالع القرن الــ 20، صدرت في مصر صحف ودوريات فارسية حملت أفكار الإصلاح والدستور والتحديث، ووصل أثرها إلى داخل إيران. كما اهتم بعضها بالحياة الثقافية المصرية، ونشر الشعر العربي الحديث، وقدم ترجمات لأعمال كتاب مصريين.
كانت القاهرة يومها إحدى عواصم الصحافة في الشرق؛ يجد فيها المعارض والمصلح والكاتب مساحة قد تضيق بها بلاده. ومن مطابعها عبرت أسئلة النهضة والحرية والتحديث إلى القارئ الإيراني، مثلما عبّر الأدب الفارسي إلى القارئ المصري. لم يكن التأثير طريقاً في اتجاه واحد، بل حواراً بين مجتمعين كان كل منهما يبحث عن طريقه إلى العصر الحديث.
حين غنّى الخيام بصوت أم كلثوم
جاءت لحظة تكاد تختصر القصة كلها في قصيدة.
ذهب أحمد رامي إلى باريس لدراسة فنون المكتبات واللغات الشرقية، فتعلم الفارسية كي يقترب من رباعيات عمر الخيام في لغتها الأصلية. لم يكتف بنقل الكلمات، بل أعاد خلقها بالعربية، محتفظاً بشيء من قلق الخيام وحيرته وتأمله في الزمن والموت ومصير الإنسان.
وحين انتقلت مختارات من الرباعيات إلى صوت أم كلثوم وألحان رياض السنباطي، لم يعد سهلاً أن نعرف أين تنتهي فارس وأين تبدأ مصر. شاعر فارسي عاش قبل قرون، وشاعر مصري أعاد صوغ تأملاته، وملحن مصري منحها مقاماً جديداً، وصوت خرج من ريف مصر ليحملها إلى ملايين العرب:
"سمعت صوتاً هاتفاً في السحر..."
لم تعد الرباعيات نصاً مترجماً فحسب، بل صارت جزءاً من الذاكرة الغنائية العربية. احتفظت بروح الخيام، واكتسبت من لغة رامي وصوت أم كلثوم حياة أخرى. وذلك هو التفاعل الحضاري في أصفى صوره: ألا يلغي النص الجديد أصله، وألا يبقى الأصل أسير لغته الأولى.
وفي المقابل، عبر الفن المصري، غناء وسينما، إلى إيران، وعرفت شرائح من الجمهور الإيراني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأفلام القاهرة. وقبل أن تضيق الطرق السياسية، كان الفن قد وصل، واستقر في الذاكرة، وفعل ما تعجز عنه البيانات الرسمية: جعل الآخر مألوفاً وقريباً.
وامتد الحضور إلى الجامعة والمكتبة. أصبح الأدب الفارسي تقليداً أكاديمياً في مصر، وكان عبد الوهاب عزام أحد أعلامه الكبار، بما قدمه من دراسات وترجمات وعناية بـ"الشاهنامة" وتراث الفردوسي. وتواصلت بعده أجيال من الباحثين الذين لم ينظروا إلى الفارسية بوصفها لغة هامشية، بل باباً إلى حضارة شاركت العربية قروناً من الفكر والأدب والتاريخ.
حتى اللغة اليومية تحمل آثار هذا التداخل. دخلت مفردات فارسية إلى العربية، واستقرت، مباشرة أو عبر التركية وغيرها، في اللهجة المصرية والمطبخ والسوق: "طرشي"، و"خشاف"، و"كفتة"، و"بيجامة"، و"شمعدان"، و"شاهبندر".
ولا نسأل الكلمة، حين ننطقها، عن جنسيتها؛ فقد أصبحت جزءاً منا. وذلك هو انتصار الثقافة الحقيقي: أن يعبر الأثر الحدود، ثم يستقر في تفاصيل الحياة، حتى ينسى الناس أنه كان يوماً وافداً.
تعرّضت العلاقات المصرية- الإيرانية لهزات وانقطاعات وخصومات حادة. تناقضت خيارات الدولتين، وتباعدت مواقفهما، وأغلقت السياسة بين العاصمتين أبواباً كثيرة. لكنها لم تستطع أن تنتزع الخيّام من صوت أم كلثوم، أو تمحو مصطفى إسماعيل من الذاكرة القرآنية الإيرانية، أو تخرج "نهج البلاغة" بشرح محمد عبده من المكتبة العربية.
فالسياسة تستطيع أن تغلق سفارة، أو تجمد اتفاقاً، أو تقطع طريقاً بين عاصمتين؛ لكنها تعجز عن استرداد قصيدة عبرت الحدود، أو إسكات صوت استقر في الوجدان، أو انتزاع كلمة صارت جزءاً من حديث الناس. فما تدخله الثقافة إلى الروح لا تملك الخصومات قرار إخراجه.
لهذا لم تكن مباراة مصر وإيران لقاء بين غريبين. كان كل فريق يواجه شعباً يسكن جانب منه في ذاكرة شعبه: في رباعية مغناة، أو تلاوة خاشعة، أو كتاب أعيد فتحه، أو كلمة تجري على اللسان من دون أن يسألها أحد من أين جاءت.
ثم أطلق الحكم صافرة النهاية.
خفتت هتافات المقهى. سكنت الشرفات. وعاد الفجر إلى إيقاعه المعتاد. لكن ما أيقظته المباراة لم يعد إلى النوم.
انتهت 90 دقيقة من التنافس، وبقيت قرون من الأخذ والعطاء. تعادل المنتخبان، أما الحضارتان فلم تتباريا لتغلب إحداهما الأخرى؛ كان انتصارهما في ما تركته كل منهما في الأخرى، وفي كل أثر نجا من تقلب السياسة وعبر الزمن.
في الفجر، كانت الكرة تسبق الشمس. وحين أشرقت الشمس، كانت حضارتان قد تعرفت كل منهما، مرة أخرى، إلى شيء من ذاتها في مرآة الأخرى.
