"مستر ولا شيء"... دون كيخوته العربي
كتابة "مستر ولا شي" كانت إضافةً جديدةً لهذا الكاتب المتنوع الثيمات، حيث لم يبقَ نوعٌ أدبيٌّ إلا وخاض غماره في رواياته، كالأدب الغرائبي، والأدب التراسلي، وأدب السيرة الذاتية، والتاريخ، فكانت هذه المزحة الروائية الجديدة مزحةً موفقةً.
لا شك أن هاجس الحصول على جائزة نوبل في الأدب يسيطر على معظم كتاب العالم، وخصوصاً في منطقتنا العربية، فهي حلمٌ صعب المنال. وبعد أن حصل عليها الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ عن معظم أعماله الأدبية عام 1988، لم يحصل عليها أديبٌ عربيٌّ آخر. ومن هذه الثيمة، يبني الروائي الجزائري واسيني الأعرج أحداث روايته الجديدة "مستر ولا شي"، الصادرة عن دار دون المصرية لعام 2026، ليقدم لنا بحسٍّ أدبيٍّ ساخرٍ وفكاهيٍّ قصة مزحةٍ تحولت إلى أمرٍ جديٍّ قلب حياة صاحبه رأساً على عقب.
نوفل مقابل نوبل:
تبدأ الحكاية عندما يقرر أصدقاء الكاتب المغمور ("نوفل آل فريد" التآمر عليه والسخرية منه، حيث يقنعه صديقه داود بلجني، أثناء جلوسهم في مقهى "المكتوب"، أن التشابه بين اسمه واسم مؤسس جائزة نوبل السويدية (ألفرد نوبل) ليس مصادفة، بل إشارة ربانية له لكي يحصل على جائزته عن مجمل أعماله الأدبية، هو الذي طبع مئة روايةٍ على نفقته الخاصة، والآن بصدد طبع روايةٍ جديدةٍ سماها "مارلين مونرو في ضيعتنا". فيؤكد له صديقه أن جلوسهم الآن في مقهى المكتوب ليس مصادفة، وإنما إشارة ربانية أخرى لكي يرسل مكتوباً إلى منظمي الجائزة يخبرهم فيه بأحقّيته في الحصول عليها، مفنداً لهم الأسباب التي ذكرها له، ومن أكثر منه أحقّيةً بذلك؟! "داود بلجني لم ينطق عن الهوى، دوخني وقادني إلى أوهامٍ لم أقترب منها طوال حياتي".
لا يتوقف الأمر هنا، وإنما تكثر الأسباب التي تجعله يقدم على هذه الخطوة، وخصوصاً عندما يقنعه صاحب المطبعة، الذي يطبع روايته الأخيرة عنده، بأنه يجب أن يترجمها إلى الإنكليزية كي ينتشر أدبه ويصبح عالمياً، هو الذي حاز على جوائز عديدةٍ من البلدية والمحافظة على رواياته التي لا يقرؤها أحدٌ، فيعرّفه على مترجمٍ سيئ. ويدخل على خط القناعة بالترشيح للجائزة صديقه الزبير بالبحري، كاتب الشعر العمودي ومربي العجول، فيكبر الوهم في رأسه، وخصوصاً بعد أن رأى حلماً في نومه شاهد نفسه فيه يتقدم لاستلام الجائزة، فيقرر إعداد ملفٍّ وإرساله إلى منظمي الجائزة، ويفند لهم الأسباب التي دعتْه للترشح لها، ويأتي على ذكر الداعمين له وحسّاده الذين لا يريدون له أن يرشح نفسه، ويذكر في رسالته هذه سبب أحقّيته في الحصول على الجائزة التي يجب أن تذهب برأيه إلى كاتبٍ عربيٍّ بسبب الضرر الذي لحق بالعرب من صاحبها ألفرد نوبل: "لقد آن الأوان ليدرك العالم العربي خطأه، لا يمكن أن نظل في حالةٍ من الانغلاق على الذات. آن الأوان أن يطالبوا بحقهم من الرجل الذي اخترع المتفجرات، ألفرد نوبل، لأن متفجراته أحرقتنا بقوةٍ نحن العرب. اليوم بشكلٍ أكبر، البلدان تعرضت للحروب والإبادة المنظمة،العرب يدفعون ثمن حماقاته،إبداعه الناري سحق الملايين من شعوبنا، لنا الحق في جائزته وماله".
فيقوم بإعداد ملفه ويذهب إلى البريد لإرساله، فتعرّفه موظفة البريد إلى مؤسسة "بيتنا" للترجمة التي يديرها سكر عبد النبي وماريا المخادعان، اللذان يحتالان عليه ويأخذان منه أموالاً طائلةً كي يترجما ويعدّا له الملف الخاص به كي يرسله، وهكذا يصبح نوفل آل فريد ألعوبةً في أيدي الناس المحيطين به ومساراً للسخرية، بدءاً من أصدقائه المقربين منه وانتهاءً بمجتمع المثقفين أو النخبة، حتى يصل الأمر بهم لإقناعه أن يغير نوع دخانه كي يتناسب مع قيمة هذه الجائزة المرموقة التي سيحصل عليها، فيغرق في الأوهام ويخسر كل ما يملك.
محاربة طواحين الهواء:
لم يخفِ الكاتب واسيني الأعرج يوماً افتتانه برواية "دون كيخوته" للكاتب الإسباني ثرفانتس، وإنما بالعكس، فقد استحضرها في أكثر من عملٍ أدبيٍّ له، كروايتيه "حارسة الظلال" و"دون كيشوت في الجزائر"، وها هو يعود إليها الآن في روايته هذه في تناصٍّ واضحٍ؛ فكلا البطلين دون كيخوته لامانتشا ونوفل آل فريد يتقاسمان أشياء مشتركةً كثيرةً؛ فالأول أراد أن يعيد للفروسية مجدها من كثرة قراءته لكتب الفروسية، فيقرر أن يصبح فارساً برمحٍ مكسورٍ وحصانٍ مريضٍ عجوزٍ وخوذةٍ مثقوبةٍ، ويذهب ليحارب طواحين الهواء، أما الثاني نوفل آل فريد - بطل روايتنا هذه، الأديب المغمور الذي باع كل أراضيه وممتلكاته ليطبع أكثر من مئة كتابٍ وروايةٍ لم يقرأها ولم يشترِها أحدٌ سوى وزارة الثقافة - يريد أن يحصل على أهم جائزةٍ في العالم ويصحح مسارها لاعتقاده أن العرب أولى بها، فكنا أمام دون كيخوته بنسخةٍ عربيةٍ.
تعرية مجتمعٍ عبر أحداثٍ حقيقيةٍ:
لم يكتفِ الكاتب في روايته هذه بتسليط الضوء على سذاجة بطلها، وإنما قام بتعرية مجتمعٍ كاملٍ نخره الفساد والخداع، فتحدث عن الثورة التي التهمت أبناءها، وتجارة العملة، وتدمير الأماكن العمرانية التراثية في الجزائر، فكنا أمام كوميديا سوداء عرّت مجتمعاً بأكمله. وذكر الكاتب في بداية الرواية أن أحداثها حقيقيةٌ وحدثت بالفعل منذ عدة سنواتٍ، ويعرف شخصياتها وهي التي ألهمته لكتابة روايته هذه، فكانت إضافةً جديدةً لهذا الكاتب المتنوع الثيمات، حيث لم يبقَ نوعٌ أدبيٌّ إلا وخاض غماره في رواياته، كالأدب الغرائبي، والأدب التراسلي، وأدب السيرة الذاتية، والتاريخ، فكانت هذه المزحة الروائية الجديدة مزحةً موفقةً.
